الاقتصاد السياسي للمال في لبنان

الفضل شلق
2022 / 6 / 4


المال في لبنان، سواء بالدولار أو بالليرة أو بأية عملة أخرى، هو سلعة. تنفرد عن غيرها أنها تودع في المصرف ويصير صاحب الإيداع دائنا والمصرف مديناً. كل الودائع في المصارف سندات ائتمان. يحتم القانون أن يؤدي المستدين بموجب سند ائتمان الدين غب الطلب وإلا فإن مصيره الى السجن فوراً بموجب القانون.

كل التخريف عن المال كونه وسيلة ادخار أو تبادل أو هو في عهدة المصارف، واحداً من أعمدة الاقتصاد اللبناني، وإذا انهار ينهار الاقتصاد اللبناني، هو هراء في هراء. انهار الاقتصاد اللبناني وصار التبادل بالعملة الأجنبية أو الوطنية، ولم يعد عبر المصارف. ولم تعد المصارف تلزم كوسيط. هي فقط مستودع الأموال، إيداعات الناس المصادرة دون حق، وبما يخالف القانون والدستور.

القانون يمنع الاحتكار وقد احتكرت المصارف هذه السلعة.

الدستور يحمي الملكية الخاصة، وقد صادرت المصارف هذه الملكية الخاصة بغير حق.

القانون والدستور يحميان حرية التحويل، وقد حالت المصارف دون ذلك.

القانون يفرض ما يسمى السرية المصرفية، والكل يعرف أن جميع المودعين وقعوا لدى المصارف اللبنانية على أوراق تتيح لبعض الأطراف الأجنبية، خاصة الأميركية، الاطلاع على الإيداعات بطلب من الجهات الأجنبية لا من جهات قضائية لبنانية، وهذا مخالف للقانون، سواء اعترفنا بأحقيته أم لا.

المهم، بل الأهم، هذا الجدل الدجل بين السلطة السياسية وجمعية المصارف حول كيفية سداد إيداعات المودعين. هل يكون من أموال الدولة وأصولها؟ أو هل يجب أن يكون من أموال أصحاب البنوك وأصولهم؟ من خان الأمانة هم المصارف. ولم يفعلوا ذلك دون إشراف وإيعاز من السلطة السياسية. لذلك يتوجب حل جمعية المصارف، وسوق مجالس إداراتها الى السجن وإجبارها على الإفصاح عمن يحميهم من أركان السلطة السياسية. وهم كثر وفي أعلى المناصب. أموال الدولة وأصولها أموال عامة. لا دخل لها في مسألة الإيداعات والمصارف. بين المودعين والمصارف سوء ائتمان. الذين أساؤوا الأمانة هم أصحاب المصارف ومدراؤها. لن يقروا بما اقترفت أيديهم إلا في السجن، وبعد أن يخضعوا لتحقيقات جدية، لا مجرد استجوابات قضائية هي أشبه بالمقابلات الصحافية.

سداد الإيداعات يكون غب الطلب. معظم الإيداعات ليست لاستثمار طويل المدى إلا على مسؤولية صاحب المصرف. إذا كان أصحاب المصارف قد أساؤوا استثمار أموال الناس ومدخراتهم، بإذن منهم أو بدون إذن، فإن على أصحاب المصارف أن يعاقبوا ويدفعوا الثمن، ويدانوا، وإذا لم يستطيعوا فليكن إفلاسهم. بين إفلاس المصارف وإفلاس المودعين، الأولى إفلاس المصارف بموجب أحكام قضائية تستند على أن الإيداع في المصرف سند ائتمان، يُسترد غب الطلب وإلا مصير المستدين هو السجن.

المسألة بين المصرف والدولة تُحل بينهما بموجب العقود بينهما. لا علاقة للمودعين بها. العلاقة بين المصرف والمودع هي علاقة الدائن بالمدين، والقانون يوجب أن يسدد المدين ما عليه.

إذا كانت جمعية المصارف تنوي تسوية المسألة بالاستيلاء على ممتلكات الدولة، فلتفعل ذلك بأموال أصحاب المصارف، لا بأموال المودعين. المودعون لا يهمهم في الوقت الحاضر سوى استرداد أموالهم، وهي في معظمها مدخرات لتأمين نفقات الشيخوخة لمعظمهم.

الكلام عن دمج المصارف لا يهم أحداً. على المصارف أو بعضها أن تفلس. وذلك لا يضير الاقتصاد اللبناني الذي لم يعد يعتمد على وساطة المصارف. وقد جعلته المصارف كذلك بمصادرتها حسابات الناس دون مبرر. لا مبرر أن لا يصل المودع الى ماله في المصرف بأي شكل من الأشكال. إذا كان هناك خسارات، فهي تقع على أصحاب المصارف، ويحاسبون من أموالهم الخاصة، لا من أموال المودعين. ليس للمودعين ذنب إلا الثقة في أن في لبنان سلطة تحمي ممتلكاتهم، وأن المصارف تستحق الثقة لأنها سوف ترد إيداعات الديون غب الطلب. ما يودعه المودع في المصرف هو حسب القانون دين قصير الأجل. إذا لم يسدده المصرف يفلس. ما يودعه المصرف في استثمارات طويلة المدى هو مسؤولية المصرف والعبء أيضاً على المصرف. أما أن تتصرف جمعية المصارف بهذا اللؤم، وتعتبر نفسها وسيط بريء بين المودع والدولة، فهذا الأمر لا يخضع للعقل والمنطق، بل يعبّر عن سخرية جمعية المصارف تجاه المودعين والدولة.

العجيب أن المودعين، خاصة صغارهم، يعاقبون بكل ما لديهم، على افتراض أن هناك أزمة اقتصادية-مالية في لبنان، وأن أصحاب المصارف يتفادون العقوبة، بإشراف ومباركة أهل السلطة، ويعاقبون بأموال المودعين. معنى ذلك أنهم فوق العقوبة علماً انهم ارتكبوا جرائم إنسانية بسرقة المدخرات، وخالفوا القانون باحتكارهم أو مصادرتهم أموال الناس (لا يستطيع المودع أن يسحب ولو جزءاً من ماله من المصرف)، وخالفوا الدستور باعتدائهم على الملكية الخاصة، وهذه مقدسة في الدستور والقانون.

معظم الإيداعات مالاً هي لعدد قليل من الناس، لا يتجاوز 2 أو 3 % من المودعين. معظم المودعين هم أصحاب الإيداعات الصغيرة أو المتوسطة، وهي مدخرات العمر، لضمان شيخوخة من لا ضمان آخر له. هؤلاء يريدون مالهم فحسب. هو المصدر الوحيد الذي يبقيهم على قيد الحياة، إذ لا مصدر آخر لديهم، وقد عملوا طوال حياتهم كي يدخروا هذا القليل لضمان شيخوختهم.

فليتوقف أصحاب المصارف، وخاصة جمعية المصارف، عن التعامل بسخرية وخبث مع الناس. ولتتوقف الطبقة السياسية عن حمايتهم.

في الاقتصاد السياسي، وما من اقتصاد إلا وهو سياسي، جمعية المصارف لا تستطيع ارتكاب كل هذه البهلوانيات لولا مباركة وتوجيه أهل السلطة. ادفعوا أموال الناس، وليكن ذلك من أموالكم الخاصة. أما الاقتصاد فله رب يحميه.

ملاحظة: أما جريمة مصادرة رواتب الموظفين المدنيين والعسكر، فذلك شأن آخر لا يقل فداحة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان