برديصان: حامل الشُعلة المندائية

سنان سامي الجادر
2022 / 5 / 30

ولدَ برديصان في مدينة الرها عام 152م (أورفا في تركيا الحالية) وتقع هذه المدينة أثنان وأربعون كيلومتراً شمال مدينة حرّان المعقل الثاني للمندائية بعد مُدن جنوب العراق.

وبرديصان تعني أبن ديصان وهو النهر الذي يمر بمدينة الرهّا وأصل أسمها هو إورهاي حيث أخذ منهم العرب هذا اللقب فقالوا الرّها وتعني بالمندائية طريق الحياة, وكلمة ديصا في اللغة المندائية تعني الجَذل والبهجة وأسم النهر مأخوذ منها.

وحيثُ أنّ الإمبراطورية الرومانية كانت قد أحتلّت مُعظم مُدن العراق القديم بحلول القرن الثاني الميلادي ولكن مملكة الرهّا (والتي تقع فيها مدينتي حرّان والرهّا) بقيت تحت الإحتلال الفارسي ولم تصلها الجيوش الرومانية والتي كانت مهمتها تحويل جميع السُكان إلى المسيحية بالقوة وأيضاً حَرق كافة الكُتب والفلسفة التي لا تعود إلى فلسفتهم الدينية الجديدة. ولذلك فقد أصبحت مملكة الرهّا المُتنفس الوحيد للفلسفة المندائية, حتى يُذكر عنها بأنه لم يكن فيها مسيحياً واحداً, ولغاية سقوطها في بدايات القرن الثالث الميلادي وعندها هَرَبَ برديصان إلى جبال أرمينيا وبقي فيها لسنوات قليلة حتى وفاته عام 222م, وللأسف لم تَنج مُعظم مؤلفات برديصان من الحرق فيما عدى كُتيّب أسمه شرائع البُلدان والذي يُنسب له.

لقد كان برديصان فيلسوفاً وفلكياً وشاعراً وكان رئيساً لمدرسة الرهّا الفلسفية, وهو واضع الترانيم المائة والخمسون التي أشتهر بها وهذه الترانيم تتغنى وتُنشد عَظَمَة الخالق والتوحيد الصافي له ورَفض جميع أشكال الشُرك, كما ويوجد في كتاب الكنزا ربا الكثير من الترانيم حول هذه الفلسفة, ولهذا فقد تمّت محاولات كثيرة لتشويه فلسفة برديصان مُنذ عهده وصولاً إلى الآن, فكانوا يُسمونه الغنوصي أحياناً وبينما كان هو أول من أنتقد تلك الفرق الغنوصية المسيحية التي يحاولون نسبه لها ولأنها كانت تعترف بألوهية المسيح وهذا ضد مبدأ التوحيد الخالص الذي آمن به برديصان والذي تؤمن به المندائية.

وكانوا حتى يحاولون أن ينسبوه إلى الوثنية في تارة أخرى والتُهمة الجاهزة لها وهي عبادة النجوم والكواكب.
أن الصابئة المندائيين كانوا يمتلكون المعرفة الفلكية البابلية ولهم مراصد فلكية لجميع الكواكب والقصد منها ليس العبادة لهذه الأجرام, ولأنهم يضعونها في داخل دائرة الشرّ الذي يؤثر على الإنسان, ولكنهم كانوا يحاولون معرفة التأثير الذي يحصل منها, عبر الأشارات التي تأتي منها وموقعها من الأبراج.

وترانيم برديصان كانت هي الأساس الذي قلّده مار إفرام بعد مائة عام من وفاة صاحبها ولتكون أساس الترانيم المسيحية, بعد أن قاموا بتغيير الكلمات لتناسب الفلسفة الجديدة.

ومما وصل من الفلسفة كُتيب شرائع البُلدان الذي كتبه برديصان بصيغة الحوارات التي تجري داخل مدرسته حول التعاليم الدينية والعقيدة التي نادى بها, نجد هذا النَصْ الجميل الذي يتحدث عن السبب الذي من أجله أعطى الخالق الحُرّية لبنو البشر لكي يكونوا أخيار أو أشرار, وبهذا فهو فضّلهم حتى على الشمس والقمر ولكي يعود الفضل لهم وحدهم فيما يَفعلونه سواء كان خيراً أم شراً ولا يُنسب إلى خالقهم.

القصّة المُقتبسة من كتاب برديصان

”قبل أيام، ذهبنا إلى زيارة أخينا ((شمشكرام)). وجاء برديصان والتقانا هناك. وحينما جسه ورأى بانه بحال حسنة، سألنا عما كنا نتحدث به قائلاً: ((إني سمعت صوتكم من الخارج لدى دخولي)) فإنه كان معتادا ،حينما يسمعنا نتكلم عن شيء أمامه ،أن يسألنا عن موضوع حديثنا ،لكي يكلمنا عنه.

فقلنا له : ((كان عويذا هذا يقول لنا :إن كان الله واحدا،كما تقولون،وهو الذي خلق البشر ، ويرضى بما تؤمرون بالقيام به، فلماذا لم يخلق البشر بحيث لا يستطيعون أن يخطئوا،بل أن يفعلوا الخير كل حين ،وبهذا كانت إرادته تكمل؟

قال له برديصان : ((قل لي ما هو قصدك ،يا ابني عويذا:فاما إن الله ليس واحدا،وأما إنه واحد ولا يشاء أن يتصرف البشر بعدالة واستقامة؟)).

قال عويذا : ((يا سيدي ،إنما أنا سألت زملائي هؤلاء ليعطوني الجواب)).

قال له برديصان : ((إن أردت التعلم ،فخير لك أن تتعلم ممن هو أكبر منهم. وإن أردت أن تعلم ،فلا داعي إلى طرح السؤال عليهم ،بل أن تسمح لهم بأن يسألوك ما شاؤوا. فالمعلمون يسألون ولا يُسألون ،وحينما يسألون ،فإنما ذلك ليصلحوا رأي السائل ،لكي يتسنى له أن يحسن طرح السؤال ، فيعرف الآخرون ما هو رأيه .فإنه لأمر حسن أن يعرف المرء كيف يسأل)).

قال عويذا : ((إنما أريد أن أتعلم .وإذا سألت أولا أخوتي هؤلاء ،ذلك لأني أخجل منك)).

قال برديصان: ((إنك تتكلم برياء .لكن أعلم أن من يسأل حسناً وهو يريد أن يعرف ويدنو من طريق الحق دون مواربة، لا يخزى ولا يخجل ،لأنه بذلك يسبب فرحا لذاك الذي يسأل .فإذا كان لك شيء في فكرك عما سألت، فأفصح عنه لجميعنا ،يا بني .وإذا نال استحساننا ،فإننا سنشترك معك، وإلا فإن الضرورة تدفعنا إلى أن نصرّح لك لماذا لا يطيب لنا .فإذا أردت أن تسمع هذه الكلمة فقط ،دون أن تقصد شيئا من ورائها ،مثل إنسان دنا حديثا من التلاميذ وهو يسألهم عن أمور جديدة، فإني ساجيبك، لئلا تغادرنا دون فائدة .وإذا طاب لك كلامي في هذا الشأن ،فلك عندنا أمور أخرى .وإن لم يطب لك ،فإننا نقول ما لدينا دون تحفظ)).

قال عويذا : ((أنا أيضا اشتاق جدا إلى الإصغاء والاقتناع ،إذ لم أسمع هذا الكلام من إنسان آخر ،بل قلته من ذاتي لأخوتي هؤلاء ،ولم يريدوا أن يقنعوني ،بل قالوا: ((آمن إيمانا ،فيتسنى لك أن تعلم كل شيء .((لكني لا يسعني أن أومن ما لم أقتنع )).

قال برديصان : ((ليس عويذا وحده لا يريد أن يؤمن ،بل كثيرون آخرون مثله. وإذ لا إيمان فيهم ، فلا يستطيعون الاقتناع أيضا ،بل يهدمون ويبنون دوما ،ويوجدون خالين من معرفة الحقيقة كلها .

ولأن عويذا لا يريد أن يؤمن ، فإني أحدثكم أنتم الذين تؤمنون عما سأله ،وسيتسنى له أن يسمع المزيد)).

وشرع يقول لنا :

كثيرون هم الذين لا إيمان لهم ،ولم يتلقوا المعرفة من الحكمة الحقة .لذا لا يسعهم أن يقولوا ويستنتجوا ،ولا هم يشتاقون بسهولة إلى الإصغاء .فليس لديهم أساس الإيمان ليبنوا عليه، ولا ثقة تدعم رجاءهم .فإنهم يشكون في الله ،وليس فيهم مخافته لكي تُنجيهم من جميع الخرافات .فالذين لا مخافة الله فيهم ،يتعرضون لجميع الخرافات .وليسوا متأكدين حتى من كونهم لا يؤمنون حسنا بالأمور المختلفة التي لا يؤمنون بها .إنما يتيهون في أفكارهم ولا يستطيعون الاستقرار ،ومذاق أفكارهم تافه في فمهم ،وهم في كل حين خائفون فزعون وثائرون.

أما قول عويذا: لماذا لم يجعلنا الله لا نخطىء ونذنب ،فلو كان الإنسان مصنوعا هكذا ،لما كان سيد نفسه ،بل لكان أداة بيد من يحركه .ومن المعلوم أن المحرك يحركه كما يشاء ،للخير أو للشر .فماذا كان يميز الإنسان عن الكنارة التي يعزف بها آخر ،أو عن العجلة التي يقودها آخر ؟ لأن الفخر والمذمة يعودان إلى الفاعل .إنما هي آلات موضوعة لاستعمال من له المعرفة . أما الله بجودته فلم يشأ أن يصنع الإنسان هكذا ،بل سما به بالحرية فوق أمور عديدة ،وساواه مع الملائكة.انظروا إلى الشمس والقمر والفلك وإلى سائر الأمور التي تفوقنا عَظمة : فلم تمنح لها حرية ذاتية، بل كلها مثبتة بأمر بحيث تفعل حسبما أمرت به ،دون شيء آخر .فلا تقول الشمس قط إني لا ارتفع في أواني ،ولا القمر إني لا أتغير ولا انقص ولا أزيد ،ولا أحد من الكواكب إني لا أشرق ولا أغرب ،ولا البحر إني لا أحمل السفن ولا أقف عند حدودي ،ولا الجبال إننا لا نقف في البلدان التي وضعنا فيها .ولا تقول الرياح إننا لا نهب .ولا الأرض إني لا احتوي واحتمل كل ما يوجد فوق سطحي .بل جميع هذه الأمور تعمل وتطيع أمرا واحدا .إنها آلات حكمة الله التي لا تخطأ .فلو كان كل شيء يخدم خدمة، فمن كان الذي يستخدمه ؟ولو كان كل شيء يستخدم استخداماً .فمن كان الذي يستخدمه ؟إذن لما كان شيء يتميز عن آخر .لأن ما هو واحد ولا تمييز فيه ،فهو كائن لم يخلق بعد .لكن الأمور الضرورية للاستعمال وضعت تحت سلطة الإنسان .ولكونه مخلوقا على صورة الله .فقد أُعطيت له هذه الأمور لخدمته في الحياة الزمنية ،وأُعطي له أن يتصرف حسب إرادته الشخصية ،وأن يعمل كل ما يستطيع عمله إن شاء وألا يعمله إن لم يشأ، وهو يبرر ذاته أو يشجبها .فلو خلق بحيث لا يستطيع اقتراف الشر لئلا يكون مذنبا به ،لكان الخير الذي يفعله أيضا ليس له ولا يتسنى له أن يتبرر به .فمن لا يفعل الخير أو الشر بإرادته ،يعود تبريره وشجبه إلى ذاك الذي يؤثر فيه.

من ثمة يظهر له أن جودة الله عظمت تجاه الإنسان ،وأُعطي حرية أكثر من جميع هذه العناصر التي ذكرناها ،لكي يتبرر بهذه الحرية ويتصرف بنوع إلهي.”

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان