التاريخ الثقافي لمصر الحديثة الدكتور وائل إبراهيم الدسوقي

عطا درغام
2022 / 5 / 28

يُعد الإصلاح الذي عرفته مصر في القرن التاسع عشر مرحلة زمنية غنية ومتميزةن في سياق التطور الاجتملعي والثقافي للفكر المصري عبر تاريخها الطويل.هذا الفكر الذي تسكنه وتكمن فيه الروح الإصلاحية بشكل ثابت ومستمر منذ نهاية القرن الثامن عشر.
وعلي الرغم من إيمانهم العميق بضرورة انفتاح البلاد علي التطورات الجارية في العصر الحديث، إلا انهم كانوا يبحثون عن طريقة ما لربط نشاطهم الفكري والاجتماعي بجهود وأفكار علماء كبار عاصروهم في بلدان أخري، أو تقدموهم في عصور سابقة وكان مفكرو الإصلاح يبتغون من وراء عملهم هذا إظهار الاحترام والتقدير الكامل لجهود العلماء من جهة، وتأكيدً مبدأ ضرورة تواصل الأمة مع سلفها، والتزامها بمصادر المعرفة في أي مكان من جهة ثانية.
وبناء علي ذلك فقد حرص رواد الحركة الإصلاحية في مصر علي التواصل مع كل التيارات الفكرية التي كانت تمد مصر بأسلوب البقاء والنماء في كل مراحلها التاريخية،وقد حرصوا بشكل خاص علي إثبات تواصلهم الوشيج مع العلماء في كافة المجالات ،وكان قيامهم بحركة ترجمة ترجمة واسعة النطاق لأعمال العلماء الأجانب في شتي العصور، وهو أكبر دليل علي ذلك وهو العمل الذي تألفت المؤسسات العلمية والثقافية في القرن التاسع عشر، واعتبروا هذا من أولويات عملهم.
وعلي العكس تمامًا كان موقف الغرب من مصر ومشروع نهضتها، قلم تتوقف المحاولات الغربية لاستغلال أي محاولة للنهوض بما يتلاءم ومصالحهم، وأصبح علي المصريين أن يحرصوا علي جعل مصر من القواعد العلمية المهمة لمواجهة المشاريع الغربية في المنطقة، وقد استمرت جهودهم طوال القرن التاسع عشر،مما شكل تحديًا لكل محاولات وأد أحلامهم النهضوية ،والأمر اللفت للنظر أن روافد عديدة تدفقت لتجري في المجري العام لليقظة المصرية في القرن التاسع عشر، حينما ازداد وعي الناسن وخرج علي النور من ينادون بالتطور من أمثال(حسن العطار، رفاعة الطهطاوي، علي مبارك، أديب إسحق، عبد الله النديم، محمد عبده، ويعقوب صنوع)، وهبت الرياح الفكرية سواء من الشرق او الغرب . فمن الشرق جاء الشوام المثقفون الهاربون من اضطهاد الأتراكن ومن الغرب جاءت مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة الإنسانية لتختلط بالأصول الدينية في المجتمع المصري؛ فأفرزت مزيجًا فريدًا كان في مجمله مشروعًا لنهضة مصرية شعبية قبل أن يكون مشروعًا رسميًا.
وبالطبع كان تكاتف المصريين في إنشاء مؤسسات ثقافية وعلمية من العوامل المهمة لتحقيق أهداف مشروع النهضة العلمية في القرن التاسع عشر، خاصة، وأن الأجانب المقيمين في مصر كانت لهم جمعيات تعبر عن اهتماماتهم العلمية والثقافية، والذين بدأوا ذلك النشاط منذ بواكير القرن التاسع عشر، وألمح بعض المثقفين آنذاك لضرورة إنشاء مؤسسات مستقلة، بعيدًا عن مؤسسات الحكومة حتي يكون النفع مباشرًا؛ فحث "عبد الله النديم" علي ضرورة وجود كيانات علمية وثقافية عامة لا تعتمد علي خطة حكومية واضحة ، وإنما اعتمدت علي مجتمع يرغب في النهوض علي الرغم من افتقاره إلي المقومات اللازمة لذلك كخفض نسبة الأمية بين السكان، أو وجود الأموال اللازمة لنشر الوعي الثقافي في مصر.
ولقد عرفت مصر كل أنواع المؤسسات الثقافية والعلمية بشقيها الحكومي الرسمي والشعبي المستقل منذ عهد "محمد علي" وحتي عهود كل خلفائه بعده، فلم يقتصر ذلك علي عهدي" محمد علي "و"إسماعيل" فقط ، فقد أنشأت الحكومات المتتالية مؤسسات تحمي ثروات مصر ، كالمتاحف ودور حفظ الكتب ، والمؤسسات التي تتابع الأنشطة العلمية التطبيقية، كالرصدخانة والمجمع العلمي المصري، كما عملت علي رعاية المؤسسات العلمية الكبري كالجمعية الجغرافية، وحتي الفنون المسرحية الراقية أنشأت الحكومة المصرية لها دار للأوبرا الخديوية.
من هنا يكمن الهدف من موضوع الدراسة ، بإلقاء الضوء علي جانب مهم من التاريخ المصري لم تتناوله الأقلام بالدراسة العلمية كثيرًا؛ وهو التاريخ الثقافي في مصر، وذلك لغلبة التركيز علي المسائل السياسية والاقتصادية التي مرت بها مصر، والتي لا يمكن بأية حال الإنقاص من أهمية دراستها ومحاولة تغطيتها والإلمام بكل الجوانب فيها،.
وعلي الرغم من عدم وضوح نشاط المؤسسات الثقافية في القرن التاسع عشر بشكل كبير؛نظرًا لأن أغلبها في طور التأسيسن بالإضافة إلي حال البلاد المتردية نتيجة سوء الأحوال المالية، والتدخل الاجنبي المستمر في شئونها مما أثر تأثيرًا سلبيًا علي معظم المؤسسات الثقافية وقتئذ.
إلا أن المادة العلمية التي توفرت، وعلي الرغم من قلتها فقد أظهرت حالة ثقافية فريدة كان يلزم دراستها دراسة متأنية لإيضاح جانب مهم في التاريخ الثقافي المصري في فترة عرف فيها المصري كيف يفكر الغرب بعد أن ترجم المئات من الكتب، وتثعرف علي أمجاد أجداده من خلال الاكتشافات التي تبنتها المؤسسات الأثرية.
ويوضح الكاتب فكرة تداخل الدراسة مع دراسات سابقة فيما يخص المتاحف ومدارس التاريخ والآثار، ويؤكد علي أن ماكثتب عن تاريخ علم المصريات أهمل كثيرًا تناول دراسة المؤسسات الأثرية المصرية في القرن التاسع عشر ، حتي انبعض الكثتاب لوحوا بعدم دراسة تاريخ علم المصريات دراسة كافية؛ فقد كتب البعض قشورًا عن تاريخ المتاحف المصرية وتطورها ومن خلال زوايا أهملت وثائق الأرشيف المصري.
وجاءت الدراسة لتتناول في الفصل الرابع منها تطور تاريخ تلك المؤسسات من خلال الوثائق المصرية والمكتشفات الأثرية وتقارير الحفائر والكتابات المعاصرة.
كذلك يري البعض أن الحديث عن المطبعة وتاريخ حركة النشر في القرن التاسع عشر هو تكرار آخر يتداخل مع بعض الدراسات الأخري، إلا أن الدراسة حاولت إخراج دلالات ثقافية من خلال عرض ما احتوته قوائم الكتب وليس عمل دراسة إحصائية للكتب المنشورة ىنذاك ، إضافة إلي إثبات أن المطبعة كانت مؤسسة ثقافية متكاملة ، بناء علي ما توفر من إعلانات ترويجية وقوائم كتب ، بالإضافة إلي ماورد في تذييل بعض المطبوعات، وتم اختيار البارز من تلك المطابع لتقديم بعض الدلائل علي حالة النشر في القرن التاسع عشر، مع إبراز دور المطابع منها ما يخدم هدف الدراسة.
انتهج الباحث في الدراسة منهجًا تاريخيًا تحليليًا اعتمد فيه علي الوثائق والدراسات الأثرية والمخلفات الحضارية المختلفة، التي تُعد نتاج هذا القرن محل الدراسة.
وأنهي الكاتب دراسته ببعض النتائج التي تؤكد أنه اجتمعت عوامل كثيرة لتشكل حياة ثقافية متكاملة تمتع بها المصريون خلال القرن التاسع عشرن تضافرت فيه جهود الحكوة المصرية مع دعوات الأفراد للنهوض ، هؤلاء كان همهم إيقاظ المصري من سباته وتعريف بحقوقه في بلاده التي راح الاجانب في نبش أراضيها ونهب ثرواتها بالسيطرة علي حكامها وماليتها فكانت دعواتهم بتشكيل تجمعات أهلية تهدف إلي إثراء المجتمع المصري بثقافات مختلفة؛ فضلًا عن تشجيع أبناء البلاد علي الانضمام إلي المؤسسات العلمية المختلفة والتعلم فيها وإفادة الغير بما تعلموه ليرتقي بهم الوطن وليستطيعوا مواجهة النفوذ الأجنبي فيه ، وبلورة الشخصية القومية لمصر من خلال الفكر والثقافة.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية