خوان خوسيه غارسيا مياس Juan José Millás/ إن البرد الذي دخل في جسدي لا يمكن أن يخرج أبدا.

رياض قاسم حسن العلي
2022 / 5 / 28

لو سألت اي اسباني من هو الكاتب الاول في اسبانيا لأجاب بدون تردد انه " مياس".
فمنذ البداية لفت مياس الانتباه اليه بفعل براعته المدهشة في السرد لأنه فهم ذات يوم ان الكتابة مثل مشرط والده.
"إذا كان عملي جسديًا ، فستكون القصص هي الأجزاء الناعمة . وستكون الروايات هي الهيكل العظمي وستكون القصص الرئة والكبد والبنكرياس ... "

يقول" "أصبحت كاتبًا ، لأنني كنت قد أصبحت قارئًا قبل ذلك وبالصدفة. لا توجد فروق كبيرة في المزاج بين القارئ والكاتب. علاوة على ذلك ، تبدأ في القراءة لنفس الأسباب التي تجعلك تبدأ الكتابة ، لأن شيئًا بينك وبين العالم لا يعمل كما ينبغي ، هي وقود الكتابة. لا يمكنك أن تكون كاتبًا دون أن تكون قارئًا إلزاميًا"

ولد مياس في بالنسيا سنة 1946 ولما بلغ السادسة العمر غادرت عائلته الى مدريد ، وفي هذه المرحلة كانت اسبانيا نكر في اسوء مراحلها التاريخية حيث البنية التحتية المدمرة بسبب الحرب الاهلية وتفوق القوميين المتطرفين بقيادة فرانكو وتسلمهم الحكم حيث شهدت اسبانيا اسوء انواع الطغيان والقمع والديكتاتورية، ويكفي ان نعرف ان العالم لم يعرف شئ عن اسبانيا للفترة من 1939 لغاية 1975 .
ينتمي "مياس" الى الجيل الذي تأثر بالتغييرات التي حصلت في فرنسا واوربا الغربية بشكل عام وهو الجيل الذي يظم اضافة الى "مياس" "خابيير مارياس" و لويس ماثيو دييث" و " ادواردو ميندوزا" و "خوان مارسيه" و "انريكيه بيلا ماتاس"وغيرهم وهم المتأثرين بالاضطرابات الطلابية التي حدثت في فرنسا في نفس السنة وفي هذه الفترة كانت سلطة فرانكو قد اخذت تخفت بعض الشئ ولكن لم تتخلص اسبانيا من هذا الحكم الديكتاتوري الا بموت فرانكو ،لذا فأن بداية "مياس" الادبية تبدأ بعد وفاة فرانكو حينما نشر روايته الاولى "Cerbero son las sombras العقل هو الظلال" سنة 1975 والتي نال عنها جائزة سيسامو بعد ان تحمس لها عضو لجنة التحكيم "خوان غارسيا هورتيلانو".
ويمكن القول ان بداية تخلص الرواية الاسبانية من هيمنة الاتجاهات القديمة ودخولها في مرحلة مابعد الحداثة تم بعد عام 1975 فمع زوال رقابة الاخ الاكبر والانفتاح السياسي والازدهار الاقتصادي ودخول تقاليد جديدة في سوق النشر ادى الى تطور ملحوظ في الرواية على الرغم من الكم الكبير من الروايات الساذجة والتي لاقت رواجاً بسبب بعض دور النشر وعدم وضوح الرؤية ولأن الروائيين الذين كانوا يدعون ان لديهم مخطوطات مخبئة في الادراج لم يكونوا صادقين ، وهنا اجد أن ماحدث في اسبانيا بعد 1975 يشابه في بعض النقاط ما حدث في العراق بعد 2003 الا ان انه في العراق بم يستثمر الادباء الحرية النسبية او ان هيمنة الاسلام السياسي والازمات التي حدثت جعلت من الصعب بناء رواية عراقية ذات اساس متين على عكس الروائيين الذين يعيشون في المنفى والذين كانت رواياتهم اشد تماسكاً وترابطاً وكتبت وفق اشتراطات مرحلة مابعد الحداثة ولاقت رواجاً في الداخل ،وقد ساهمت بعض دور النشر العراقية في نشر كم كبير من الروايات الضعيفة والتي شكلت ضرباً بكل التقاليد الروائية العراقية والتي كان يمكن لها ان تتطور بشكل جيد بعد التغيير ولم تظهر روايات في الداخل تجذب القارئ الا قليلاً كما حدث مع رواية "مقتل بائع الكتب" على سبيل المثال.
وحدث في اسبانيا بعد 1975 نوع من التخبط في النشر كما قلنا حتى اذا جاءت الثمانينات التي غربلت الرواية الاسبانية والتي اسست فيما بعد الى قاعدة متينة غزت العالم مع بداية الالفية الجديدة وهو الاتجاه الذي نقل الرواية من العالم الجمعي الى العالم الشخصي والحميمي المعقد .
يمكن القول ان الرواية التي جعلت "مياس" في طليعة السرد الاسباني هي "Papel mojado الورق المبلل" وهي رواية بوليسية مشوقة مع مزيج من السخرية والفكاهة وادى نجاحه التجاري الى ترك العمل الاداري والتفرغ نهائياً للكتابة الادبية والصحفية والتي نجح فيها بشكل واضح من خلال مقالاته الصحفية التي يحرص اغلب الاسبان على قراءتها وخاصة تلك التي ينشرها في جريدة "الباييس" المدريدية واسعة الانتشار ويطلق عليه الاسبان "خوانخو" تحبباً.

ويرى بعض النقاد ان "مياس" تأثر في بداياته بالكاتب الارجنتيني "خوليو كورتازار" لكنه قبل ان يكتب السرد كتب بعض القصائد التي لم ينتبه اليها احد حيث وجد نفسه في السرد وخيراً فعل ،لقد جعل "مياس" الرواية الاسبانية تتخلى عن التقريرية التي ظهرت في مرحلة مابعد فرانكو حيث ادرك ان السرد الروائي ليس استعراض للاحداث الراهنة ويقول علاء المصياتي:"يتعامل الكاتب مع الواقع كحدث غرائبي، وطارئ أيضًا، ينسج في سرده أسئلة تصيب بواطن فكر الإنسان المعاصر،تستهدف حقيقة ومعنى الوجود الإنساني، حول الهوية الإنسانية والهوية الخاصة، ينبش في عمق الذات ويدفعها لاختبار طرق جديدة في التعبير عن نفسها. كما تواجه الشخصية الروائية عند ميّاس أزمة معرفة الذات والتعبير عنها. لذلك ينشغل الكاتب برصد وتسجيل أزمات الإنسان بأسلوبية خاصة مبنية على أساس الحفر في العمق الإنساني وفي الوقائع الخاصة للبشر والوقائع الاستثنائية كالتفاصيل اليومية الصغيرة التي لا ننتبه لها والتي تبدو من شدة بساطتها غير ملفتة للنظر لكنها تشكل الواقع نفسه."
واقترب "مياس" بشدة من المزج بين السيرة الذاتية والسرد الروائي في روايته المهمة " العالم" حيث يتساءل مياس فى نهايتها : هل كان لهذا الصبى الذى لم يغادره الشعور بالبرد أن يصير هو الكاتب الكبير نفسه خوان خوسيه مياس؟.
ويرى احمد عبد اللطيف إن الرواية عموما عند "مياس" تنطلق من حادث تراجيدي، كأن الحياة في حالة ركود إلى أن تأتي المأساة لتحركها.
ولا يخفى على اي قارئ ملاحظة التأثيرات اليسارية الايجابية على سرديات "مياس" من انحيازه للانسان في مواجهة الازمات العالمية التي تطحنه وتمزقه ، فاغلب الشخصيات التي يقدمها هي شخصيات تعيش في كل مكان وفي كل مجتمع.
وأي قارئ لسرديات "مياس" سواء في الرواية او القصة القصيرة يجد اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة والهامشية للشخصية الروائية بحيث يجد القارئ نفسه امام شخصيات يعرفها وتعيش معه بل أن هذه الشخصيات هي نفسها القارئ مثلما تخفى "مياس" خلف تلك الشخصيات وجعلها احيانا تخرج بل احيانا هذه الشخصيات تراقب القارئ وتتجسس عليه وهذا القارئ يحاول ان يخرج من الدائرة التي يريد مياس ان يدخله فيها.
مياس ليس كافكا فهو قد تجاوز عالم كافكا الى منطقة فسيحة فيها كم لابأس من السخرية وهو الامر الذي كان يفتقد اليه كافكا، ف"ايلينا" في "هكذا كانت الوحدة" ليست " جريجور سامسا الكافكوي ، فالخطين يتقاطعان بشكل واضح.
لماذا تعشق النساء رواية "هكذا كانت الوحدة"؟

يقول مياس عن الكتابة :"الانضباط والروتين هي أسلوبي. يجب أن تكتب كل يوم ، خلال ساعات العمل ، حتى إذا كنت تعاني من الصداع ، أو تطاردك مشاكل اقتصادية أو عاطفية أو لم تنم جيدًا. كثيرا ما قيل أن الروايات هي نوع من الخرقاء. هذا يجبرك على الذهاب للعمل سواء كانت تمطر أو تثلج ووضع لبنة فوق أخرى بثبات وطريقة. كما تتطلب الصحافة درجات عالية من الصرامة. لا يمكنك أن تكون صحفي يوم الأحد."


اقتراحات القراءة:
هوامش خوان مياس:
1-مقابلة مع الكاتب اجراها معه
آنا بريجيدو كوراتشان ومنشورة في موقع
jstor
بتاريخ 2004/6/2.
2-مقالة (خوان خوسيه مياس.. قصص تُشعرنا أننا حائرون وحمقى) لجعفر العلوني منشورة في موقع العربي الجديد بتاريخ 2020/8/25.
3-مقالة («الأشياء تنادينا... يا ميّاس») لطالب الرفاعي منشورة في موقع الجريدة الكويتية بتاريخ 2021/2/17.
4-مقالة (مياس والرجل غير المرئي) لمياسة العنزي منشورة في صحيفة الراي بتاريخ 2021/2/6.
5- مقالة (عوالم خوان خوسيه ميّاس.. بواطن اللاوعي والسرد) لعلا المصياتي منشورة في موقع صوت الترا بتاريخ 2019/9/29.
6-مقالة (خوان خوسيه مياس.. كيف تتحول الهواجس والأحلام لعالم من السرد المدهش؟) لسماء سالم منشورة في موقع المواطن بتاريخ 2021/1/6.
7-مقابلة مع الكاتب اجراها معه المترجم احمد عبد اللطيف ومنشورة في موقع الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 2020/6/20.
8-مقالة (الحياة على طريقة خوان ميّاس) لليلى البلوشي منشورة في موقع دنيا الوطن بتاريخ 2009/6/19.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية