لا استقلال دون الإشراف على الإقتصاد

الطاهر المعز
2022 / 5 / 28

هايتي- الدُّيُون البَغيضة، نموذج من النّهب الإستعماري


تُهيمن الجامعات والمُؤسسات الأكاديمية الأمريكية والأوروبية على نشر وترويج مجمل البُحُوث والدّراسات في كافة المجالات، وهي دراسات مُوَجّهة شَكْلاً ومُحْتَوى لخدمة مصالح الدّول الإستعمارية وشركاتها ومصارفها، ولذلك فإن قلة من الباحثين والمتخصصين يستحضرون آلية إفقار بلاد "الجنوب" من خلال تكْبِيلِها بالديون الخارجية، وبالتّالي فإن قلة من المواطنين الأمريكيين أو الأوروبيين على دراية بتفاصيل عمليات النّهب التي الإستعماري في البلدان المستعمَرة أو شبه المستعمَرة، بل تزعم الدعاية الإمبريالية أن الدّيُون تراكمت بسبب "الحكم غير الرشيد" أو الافتقار إلى "الشفافية"، لذا فالفساد والفقر والدّيون هي مسؤولية مواطني وحكومات الدول الفقيرة، وترفض الدّراسات الأكاديمية "الغربية" ووسائل الإعلام الإعتراف بأن هذه الحُكومات مُنَصَّبَة من قِبَل القُوى الإمبريالية، والإعتراف بأن النهب الاستعماري يُسَبِّبُ فقر وبؤس الشعوب التي يَسُوسُها حكامٌ يخدمون مصالحَ الإمبريالية، وقلّلت الإيديولوجيا السّائدة في الولايات المتحدة وأوروبا من عواقب الاستعمار المباشر (العسكري) وغير المباشر (الاقتصادي)، بل عملت برامج التعليم والوثائق التاريخية والدّعاية الإيديولوجية ما في وسْعِها لمحو الوثائق التي تُثْبِتُ عمليات النهب وإبادة الشُّعُوب، وغابت أي إشارة لها في برامج التعليم وفي الكُتُب والدّراسات المنشورة...
ندد رئيس هايتي "جان برتران أريستيد"، سنة 2003، بالديون التي فرضتها فرنسا وطالب بتعويضات، فكان رَدّث فرنسا أن قررت فرنسا، بدعم من الولايات المتحدة وكندا، تنظيم انقلاب ضد الرئيس أريستيد، ما يُشكّل تحذيرًا لمن يتجَرّأُون على الحديث عن النهب بواسطة الديون الخارجية، وما اغتيال الرئيس توماس سانكارا سوى أحد الأمثلة العديدة بإفريقيا.
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" (20 أيار/مايو 2022) تحقيقًا مطولًا ضمن مِلَفٍّ بعنوان "ديون استقلال هايتي"، وكتبت في مُقدّمته أن فريقًا من صحافييها أمضى ثلاثة عشر شهرًا في التدقيق في سجلات الحسابات، وتوثيق دور المصارف الفرنسية لتقدير قيمة النّهب الفرنسي، بعنوان "التعويضات"، التي أنْهَكَت "هايتي" وأعادتها إلى مرحلة الإستعمار، بشكل مُختلف، أو ما سُمِّيَ لاحقًا "الإستعمار الجديد"، الذي احتجَزَ تطوّر البلاد، ونزف ثرواتها ورَهَنَ مستقبل أجيال من أحفاد العبيد أنفسهم لتعويض ورثة أسيادهم السابقين.
تمكّنت جزيرة "هايتي" من نَيْل استقلالها عن فرنسا، سنة 1804، بعد مُقاومة شرسة، عُرِفَتْ باسم "ثَوْرَة العَبيد"، لكن فرنسا الإستعمارية لم تَذْعَنْ، وطلبت "تعويضات عن الخسائر التي لحقت المصارف والشركات الفرنسية"، جراء الإستقلال، وأرسلت، سنة 1825 (فتْرَة عَوْدَة المَلَكِيّة إلى فرنسا، بعد الثورة وإعلان الجمهورية سنة 1789)، قُوَّةً بحرية عسكرية إلى ميناء "بورت أو برنس"، عاصمة "هايتي"، وهدّدت بشن حرب شاملة إذا لم تحصل فرنسا على تعويضات مالية أو فِدْيَة، بقيمة 150 مليون فرنك ذهبي، أو ما يُعادل قرابة ستمائة مليون دولارا، حاليا.
لا تحتمل ميزانية هايتي هذا النّهب ولذلك اشترطت فرنسا تسوية أَقْسَاط المدفوعات عبر الإقتراض من المصارف الفرنسية، حَصْرِيًّا، ما يُضاعف قيمة هذه "الدُّيون المزدوجة" التي لا تزال تُرْهِقُ دُوَلاً مثل تونس ومصر وسريلانكا وحتى اليونان، لأن شُرُوط صندوق النقد الدّولي تجعل حكومات الدُّوَل تقترض، ليس من أجل الإستثمار في قطاعات مُنْتِجَة، بل من أجل سدّ عجز ميزانية الدّولة، ومن أجل تسديد أقساط دُيُون سابقة بقُرُوض جديدة.
لم تقتصر ممارسة النهب بالقُوّة العسكرية والمالية على "هايتي"، بل لا تزال تفعل نفس الشيء في بلدان إفريقيا، ما أدّى إلى تراكم الدُّيُون الخارجية للكونغو وتشاد ومالي، على سبيل المثال، لِتُوَلِّدَ هذه "الديون البغيضة" ديونًا جديدة من خلال إعادة الجدولة وَرَسْمَلَةَ الفوائد (وإدماجها في المبلغ الأصلي بصفة دَوْرِيّة) والقروض الجديدة المتعاقد عليها لسداد الديون السابقة، فيما تُسدّد الشعوب هذا الثمن الباهظ لفترات طويلة...
تَضَرّرَ اقتصاد ومالِيّة هايتي من ثِقَل المدفوعات لفرنسا التي كلّفَت اقتصاد هايتي ما يقرب من 115 مليار دولار، كانت كافية لتحقيق النمو الاقتصادي للبلاد، ويمثل هذا المبلغ ما يصل إلى ثمانية أضعاف حجم الاقتصاد الكلي لهايتي (الناتج المحلي الإجمالي) سنة 2020، وبذلك حرمت الإمبريالية الفرنسية شعب هايتي من استثمار هذه المبالغ لبناء الجسور أو المدارس أو المصانع...
إنه "استعمار جديد" من خلال الديون، أي خُرُوج (قَسْرِي) لرأس المال من بُلدان "المُحيط" (مثل هايتي) إلى بُلدان "المركز" (مثل فرنسا)، ما عَطَّلَ تمامًا عملية بناء الدولة "، بل ساهتمت "الديون المزدوجة" في دفع هايتي إلى دوامة المديونية التي شلّتْ اقتصادها لأكثر من قرن...
أقْرَضت المصارف الفرنسية هايتي، سنة 1875، مبالغ لتسديد "التّعويضات"، واقتطعت المصارف على الفور، نسبة 40% من المبلغ الإجمالي للقُرُوض، وتم استخدام المبلغ المُتَبقي (60%) لسداد ديون أخرى وخَصَّصَتْ جزءًا صغيرًا من القُرُوض لإفساد المسؤولين الهايتيين الذين يطمحون لجمع ثروة على حساب مصير بلدهم وشَعْبِهِم.
إن فرنسا ليست القوة الإمبريالية الوحيدة التي تفرض هذا النوع من النهب.
ساهمت الولايات المتحدة في نهب هايتي، ففي كانون الأول/ديسمبر 1914، اقتحم جنود البحرية الأمريكية مَبْنَى مصرف هايتي الوطني بالعاصمة "بورت أُو برنس"، ونهبوا خمسمائة ألف دولارا ذَهَبِيّة، في وَضْح النّهار، وبعد أيام قليلة، كان الذهب في قبو بنك المدينة الوطني (سيتي بنك)، وهو أحد مصارف وول ستريت بنيويورك التي نهبت كوبا والمكسيك وبلدانًا أخرى منذ القرن التاسع عشر، واعترف الجنرال الذي قاد القوات الأمريكية في هاييتي بأنه "يُمارس ابتزاز الدّوَل خدمةً للرأسمالية الأمريكية ".
بعد بضعة أشْهُرٍ، غزا الجيش الأمريكي هايتي في صيف سنة 1915، ووصف وزير خارجية الولايات المتحدة روبرت لانسينغ (الذي أعلن ازدراءه لـ "العرق الأفريقي") الاحتلال بأنه "مُهِمَّة حضارية تهدف إلى إنهاء الفوضى والوحشية والقمع"، وأقْدَمت الإمبريالية الأمريكية على حَلّ البرلمان، وهيمنت على هايتي على مدى العقود اللاّحِقَة، واعتقلت وأعدمت الآلاف من المواطنين، ونقلت الكثير من إيرادات البلاد إلى المصارف الأمريكية، واستخدمت الإنتاج الزراعي لتغذية الأمريكيين، مما تسبب في حدوث مجاعات في هايتي، كما فَرَضَ الجيشُ الأمريكيُّ العمل القسري، دون أجر، لبناء الطرقات التي تستخدمها دبابات الجيش وشاحناته لنقل السّلاح إلى ميناء "بورت أُو برنس" حيث يتم إرسالها إلى الولايات المتحدة، وكان السّكّان المحلّيُّون يعملون وهم مُقَيَّدُون إلى بعضهم بالحبال لمنع محاولات الفرار، كما فعل الجيش الفرنسي في إفريقيا أو في شنوب شرقي آسيا...
كان الأمريكيون يُشْرِفُون على إدارة الشؤون المالية لهايتي وكانوا يتقاضون رواتب مُرتقعة، ثم يتم استخدام 25% من الناتج المحلي الإجمالي لهايتي لسداد الديون الوهمية التي يسيطر عليها بنك المدينة الوطني (سيتي بنك) وفُرُوعه...
عندما أصبح فرانسوا دوفالييه رئيسًا لهايتي، سنة 1957، كان الدَّيْن الخارجي للبلاد منخفضا، لأول مرة، منذ أكثر من 130 عامًا، لكن في ظل الحُكْم الدّكتاتوري والفاسد لدوفالييه ونجله، بدعم من الإمبريالية الفرنسية والأمريكية، طيلة 28 عامًا من القمع الوحشي، انتشر البُؤْس والفَقْر وهجرة المواطنين بحثًا عن عمل...
عندما أثار رئيس هايتي "جان برتران أريستيد"، سنة 2003، قضية الديون البَغِيضة التي فرضتها فرنسا وطالب بتعويضات ، تم عزله، فَفِي العام 2004، نظمت الولايات المتحدة وفرنسا انقلابًا "لتحقيق الاستقرار في البلاد"، وهي مجرد ذريعة لإخفاء الأسباب الحقيقية للإطاحة بالرئيس أريستيد الذي تجرأ على المطالبة بتعويضات، وتم إبعاده ونَفْيُهُ خارج البلاد.
لا تزال البلدان الإفريقية تُسَدّدُ "تعويضات" للمصرف المركزي الفرنسي، ولا تزال الشركات الفرنسية تنهب موارد إفريقيا، وخصوصًا في البلدان التي تستخدم الفرنك "سي إف إيه" (ثمانية دول من إفريقيا الغربية) والتي تُجْبِرُها الإتفاقيات "غير المُتكافئة" على إيداع ما لا يقل عن 50% من احتياطي العملات الأجنبية بالمصرف المركزي الفرنسي، ولا تزال الشركات الفرنسية تستغل الملح التّونسي كما لو كان الملح فرنسيا في أراضي فرنسية، غير إنه أرخَص ثمنًا...
لم تكن بعض القضايا حاضرة في نقاشات ومُظاهرات ومطالب المُنتَفِضِين بتونس أو مصر، مثل الدّيون والهيمنة الإمبريالية التي نَصّبت ودعمت حكم بورقيبة وزين العابدين بن على، أو حُكّام مصر من السادات إلى حسني مبارك، وبذلك غاب الرّبط بين الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، بسبب غياب أحزاب وقوى مُنظّمة وقادرة على تقديم بديل عملي، مع الكادحين ومن أجل الكادحين...

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية