بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/14

أحمد عبد العظيم طه
2022 / 5 / 28

حلم الفرعون الشيخ

أنا أراني بالحلم فرعونًا شيخًا، منتصب البدن، ثاقب النظر، يمسك صولجانًا ذهبيًا مرصعًا بالعقيق الأزرق، ويجيل النظر بالحضور– الديوان الملكي مقصور على الوزراء، والساسة المهمين، والحرس الملكي – قبل أن يجلس على كرسيه الملكي مشيرًا للجميع أن يستقيموا من انحناءاتهم الموقِرة، وكنت أستعجب في نفسي، كيف ارتأوا إشارته بينما أعينهم بالأرض تبجل...

- ما الذي أخركم كل هذا الوقت؟.... (قال الفرعون الشيخ بصوت رخيم وهيروغليفية سليمة)
- الطريق سيدي الملك. (أرفعهم وجاهة يتحدث بتوتر واضح فبدا أنه الوزير الأول)
- ماللطريق!...
- ازدحم علينا الناس بمواضع كثيرة سيدي الملك.. حتى أن محفة الوزير معت قد سقطت مرتين إثر تدافع حملة المكاتيب بين صفوف الحرس.
- فماللناس؟ (هكذا يتكلم الفرعون الشيخ بإيجاز مروع)...
- الضريبة الأخيرة سيدي الملك.. لقد أهاجت الزراع بشدة.. قالوا أن النيل مازال حسيرًا على محاصيل كهذه سيدي الملك.. وأقوات عيالهم سـ... (ارتعشت عبارته الأخيرة وأحس الفرعون الشيخ بذلك فقاطعه متفهمًا)...
- منذ متى يقولون؟
- بمجرد إذاعة المرسوم الملكي سيدي الملك.. ثلاثة أيام وافية.
- فلماذا لم ترسل لإعلامي قبل ثلاثة أيام؟ (وقف الفرعون الشيخ وبدا على قوة الانفعال)
- سيدي الملك.. قلت ألا يزعجك أحد بالبرية أثناء رحلة الصيد... (يتكلم باضطراب وقد عادت العيون تبجل بالأرض)
- .... إذن؟ (بعينين كظيمتين تتربصان للانقضاض مسلكاً)
- الكهنة يُعدون التقدمة منذ الأمس سيدي الملك.. لقد أكدوا أن النهر سيفيض خلال ذات الشهر.
- وماذا إن لم يفض النهر؟... أوأوقف تحديث الأسطول؟ اللعنة على الزراع جميعًا.. أنا لم أفعل بهم ثلث ما فعله أخي من قبل في بناء منارته.. ألم يكن النيل حسيرًا لعامين حينئذٍ؟.. الآن يتذمرون!... (يفرج عن نواجذه المدببة من قلب ابتسامة مريرة)...
- سيدي الملك.. كبير الكهنة وقع بالصباح صكًا بعزله من رتبته إن لم يفض النهر خلال ذات شهرنا هذا... (يمد يده بصحيفة مطوية)...
- تبًا للكهانة عمومًا وكبير الكهنة خاصة.. إنه سفاح وليس كاهن معبد... (يرمي بالصحيفة)
- تطوعت عذراء من الشمال سيدي الملك.. لم يقترع كبير الكهنة هذه المرة... (وضح خوف الوزير الأول من أحكام انفعالية للفرعون الشيخ، طبقاً لمعرفتي بحسابات الوزير الأول برؤىً سابقة)
- .....................
- ...........................
- معت...
- أجنادك سيدي الملك (وبدا معت لكأنه يربط الجأش)
- ما الذي جعل الناس يتكأكأون إلى جوار محفتك بالذات؟...
- كانوا يتدافعون على طول صفوف الحرس سيدي الملك.
- لكنهم أوقعوك أنت!
- نعم سيدي الملك.. كان هناك زحامًا شديدًا حول محفتي.. أعتقد السبب أنه قد نما إلى علمهم أنني
هو من اقترح التسوية بين الزراع وصناع الأسلحة في ثمنية الضريبة الجديدة.
- جد لي حلاً بديلاً.. أمهلك إلى صباح غدٍ...
- أجنادك سيدي الملك.
-.......................................
-.......................

الوزارة انصرفت إلى شأنها، وبقي الفرعون الشيخ في شأنه يحدق بالسقف العالي للديوان الملكي – وكانت سقفية مايكل آنجلو بكنيسة السيستاين تتضح زاهية بالحلم – ففكر في نفسه بماذا أفعل؟ وقد أمست المفاضلة إجبارية ما بين نظرة الفلاحين إلى الحياة المستتبة، ورؤيته للمجد.. فكر أنهم فقط فالحون بشهيق الانبهار عند زيارة منجرية السفن في كل نيروز، وذلك التطلع الأحمق بأجسام خرافية، ليست تحتوي بأنفسهم قيمة واقعة – اللعنة – .. في المقابل كانت ثلاث شحنات كبيرة من الأخشاب القوية، باقية تنتظر منذ عام عند موانئ بلاد بُنت، وقد أوشكت الخزائن تفرغ، ولم يكتمل تجهيز الأسطول التجاري بعد.. اللعنة...

- ممكن اعمل كسر إيهام بعد إذنك يا أخي...
- إنه حلم يا أخي!...
- وانا أول مرة أكلمك فـ حلم يا أخي.. متبقاش عصبي كده وتوترنا من مفيش...
- لا أتعجب لتدخلك، وإنما لكسر الإيهام كما قلت يا أخي. كيف تكسر الإيهام بحلم؟
- ممكن أصحيك مفزوع مثلاً.. وللا لأ.. بقت اسطمبه قديمه.. ممكن نروح مغشلقين الجو ونفـ....
- أشكرك يا أخي.. أنا مستيقظ على أية حال.
- ................

لم يأل الفرعون الشيخ جهدًا في محاولة النوم، ولكنه ما استطاع إلى ذلك أبدًا سبيلاً، فزفر بهم شديد، وقام يرتدي ثيابًا سوداء عادية، بعد أن أقر شيئاً بسريرته لقطع ملالة الليل.. أمر بإحضار جواده الأسود البهيم، وانطلق منفردًا باتجاه المعبد الكبير...

- ...........................
- سيدي الملك/ سيدي الملك.. سيدي الملك/ سيـ.............
- إنها لبصيرة سماوية سيدي الملك أن تزورنا في ساعتنا هذه...
- أين الفتاة؟...
- منقوعة في العطر بمطهر الراهبات.. تتحضر للزينة النهائية وتحفظ إجابات الزواج المقدس...
- مر بجلبها إلى هنا...
- كاهنك سيدي الملك.
- ...........

لما الفتاة حضرت، ألفاها الفرعون الشيخ جميلة على الموت، وبينما يحدق بفتنة وجهها قال في نفسه: ليتها لا تموت.

*******

مسودة / سأكتبُ لكِ رسالة طويلة يا ماري.

Yes.. سأكتب رسالة لا تخر المياه.
سأمشي على حبل اللغات كي أفتله أنشوطة لساقيكِ الشابتين.

"إن الرسائل الهاتفية القائمة على الرمز المرسل، والفلسفة المجردة، وما قل ودل، لن تُأكِلُ عيشًا على المدى الطويل. سأكتبها أولاً بالعربية، ثم أحولها – أجوجلها– للإنجليزية. "

أنا أشحذ عقلي مليًا
فيصبح كالساطور على رقبة المعنى..
وتسيل الدماء على الورق زرقاء.. زرقاااااء....
لكأنها قد فقدت لونها الأحمر
وأصبحت زرقاء بوضوح..
لون الأفكار الزرقاء يا أخي.

ولكن ماذا سأقول؟
إن النية وحدها لا تكفي بدون الهمة.. فماذا..؟........... الوهمي

عزيزتي / ماري

ترددتُ كثيرًا قبل أن أكتبَ أولىَ رسائلي الإلكترونية إليكِ، فأنا مشتتٌ جدًا هذه الأيام، وأشعر أن هذه الفترة هي أسوأ فترات حياتي – التي لم تكن بهذا السوء من قبل – ولكنني لم أستسلم بعد، وأصر على خوض تلك الحرب المقدسة – الحياة – حتى النهاية.
أنا لن أقبل على الموت إلا كمقاتل.. ولن أقبله هكذا هادئًا، سخيفًا، مثل الجهلة من الناس.. سأصمد.. سأصمد.. سأصمد... سأصمد.. سأصمـ......................

"أتقمص وقع التكرار بالإنجليزية أثناء الكتابة، وأكاد أجزم أنه يختلف تمامًا عن وقعه الصبياني بالعربية"

- أتعرفين كيف يمكن أن يكون الصمود؟؟
أنا تعلمتُ كيف يكون الصمود، عرفته عندما رأيت الرجل الأعمى يصمد.. بل إنه كان الصمود بذات نفسه.
كان يتعارك مع أحد الأشخاص لمّا رأيت ملامحه تملأ المكان، تملأه بذلك الغضب الأعمى – الصمود الأعمى – لقد قبض على عنق خصمه غارسًا أصابعه حول قصبته الهوائية، وكاد يقتله حقيقة، حتى أن أربعة رجال أشداء قد أخفقوا في إزاحته عن خصمه المختنق.
الأعمى هو الذي تركه قبل أن يلفظ رمقه الأخير بثوان قليلة. عقب هذه اللحظة قلتُ لنفسي: ليتني الرجل الأعمى.

أنا الرجل الأعمى، لكن خصمي ليس أحد الأشخاص، بل هو أنا أيضًا، أنا خصم نفسي، وخصم الحياة الصعبة، المعقدة، التعسة.

"كان موقفاً حقيقيًا ولكنه قديم جدًا.. وليس قريبًا إلى هذه الدرجة"

ماري..
أعرف أنكِ تمرين بظروف نفسية سيئة أنتِ أيضًا، فأنتِ كمثل الفراشة التي تمر بظروف سيئة. الفراشة التي تطير فوق البحر – منذ زمن تفعل ذلك – تطير فوق الماء ولا يظهر الشاطئ من أي اتجاه، لذا فالفراشة تطير بلا انقطاع، وتضرب الهواء بجناحيها ليل نهار، لقد أنهكها الرفيف وملأ الألم أجنحتها – حتى أن أرجلها كانت تمس الماء أحيانًا – لكنها إذا توقفتْ غرقتْ، وإذا واصلت الطيران.. سقطتْ من فرط التعبِ. لا حل سوى أن يظهر الشاطئ فجأة. حتى وإن كان شاطئًا صخريًا صلدًا، فهي لن تعدم نبتة تقف فوقها.

"لطالما أحببتُ هذه الصورة البلاغية لتمثيل الحيرة والشقاء مجتمعان في إطار برزخي"

ماري..
أعرف أن حديثي يبدو غامضًا شيئًا ما، بيد أنني مُتيقن من جودة فهمكِ لِما أرمي إليه من بين السطور.

"الويل لي على دقة التصويب.. الويل لي"...

أريد إخباركِ أنني لم أعد مرتبطًا بأي شيء، بأي شكل من الأشكال، لقد أنهيت كافة علاقاتي الاجتماعية وغير الاجتماعية، العلاقات التي كانت تشبه الأشواك الكثيفة عندما تُمسك بالملابس. الآن، أنا كامل الحرية، فكل الشخوص قد ساعدوني، وتفهموا موقفي، وتركوني لنفسي وحيدًا.

"قصدت حبيبتي السابقة – ماري تعرف عنها – وبعض الصديقات المقربات جدًا... لكنني سوف لا أترجم ذلك بالطبع. فلابد من إيثار التلويح على التصريح قدر المستطاع، إضافة إلى تفخيم الضحية - بتجهيلها- لإبراز التضحية"

أنا سعيد جدًا بحريتي التي عادت مرة أخرى.

ماري..
أنا أريد إخبارك بشعوري أنكِ جزءٌ حقيقي من حياتي، كما أنني لا أتصور إمكانية خسارتنا لأي شيء، لوجود عائق مثل اللغة، أو المكان.
ولكنني لا أدري.. هل بالفعل أنكِ تحسين تجاهي بذات المعنى الذي أحسه تجاهكِ؟
أنا أتسائل إذا ما كان الأمر هو فقط شعور شيق تختبرينه معي كشخص أجنبي؟ أم أنه شعور حقيقي عميق بالتناغم والراحة.. أم أنه لاشيء هناك، لأنه لا يوجد شيء من الأصل؟؟

"دائمًا ما أستخدمُ تلك الطبيعة التساؤلية للغة كتابة الخطابات، وذلك بجعل المخاطب في حالة استنفار متصل قيد نفسه أثناء القراءة"

* please.. أريد التنويه أنه من المهم كثيرًا أن تقومي بقراءة العبارة التالية بتمعن وحذر شديدين، قبل أن تجيبي على هذا السؤال المُركب.
"إن الحكمة هي الشيء الوحيد الذي يجعلنا نتجنب أخطاءً، نحتاج إلى الحكمة للخروج منها"

"العبارة الأخيرة هي حكمة أو مقولة غير متداولة، لثقلها على لسان الحفظ، ولكنني لا أدري إلى من تنتمي"

Metta
فريد الوهمي

"وهمي بصورة ما"

*******

شرح التيه

ماذا أفعل؟ وما الذي يتوجب فعله؟ وما كان الذي ينبغي أن يكون؟... Execration!..
لقد ما انفكت المحاور النظامية للمتاهة الملونة – الفكرية بالأساس– تتنمط نفسيًا على أثر تفعيل خاصية الــ moodiness ذلك ما أدى إلى أنه بإضافة القليل من المادة الفاعلة – المخففة بـصورة أخرى – فإن اللون – بأيٍ من درجاته الظاهرة – يحيل تدريجيًا إلى بادئ الألـوان– الأسود– مما يعني بأن الزمن الذي يستغرقه التائه – بتجلياته المستمرة – مقسومًا على اثنين– أنا/ أنت– هو لن يساوي قسمة منطقية – أبدًا– لأي من الطرفين على مقياس السرعة، كذلك فإنه – الزمن... – لن يعدو عن كونه بعدًا مؤقتاً من أبعاد معادلة الوصول الأسود. ومن ثم يكون إعادة الكرة بالانسلاخ من البدء – النكوص – وذلك لإقرار تعدد وهمي بالنهاية. وها أنا / وها أنت ذا/ وذا هو. وهكذا تُختلق الدوائر/ وهكذا لا تنفجر... فقط يتنامى نشاطها.. فقط تتلاشى.. Bosh.

*******

- مي؟..
- ...................
- رقاصة؟..
- رقاصة!..
- فين؟...

دخلتُ إلى الملهى الفندقي ذا عدد النجوم الذي لا بأس به – الميني تشارج 200 جنيه – كنتُ مشغوفاً بما أخبرني به مارتن، وهاتفها غير متاح منذ الثانية ظهرًا.. طلبت بيرة ساخنة، ولم ألق بالا لمطرب الباند الغربي وذلك التمثيل الأعمى لقسمات جورج مايكل أثناء الغناء.. رحت أتفحص فيمن حولي كما لا أستطيع التوقف............... مر ما يقرب من الساعة والربع، و....... الآن.......... صاحب.... ــــديد......... رائف................ شرقي........... جلنار.................

الإضاءة تكاد تكون معتمة حيث أجلس بمنتصف الصالة، وإنها ترقص على موسيقى ما بين الشعبية والراقية – لا أدري ما دخل الجيتار بما يحدث – وصوت رائف الصدئ الذي ينم عن جزع أو ما شابه.. هو يغني شيئاً على المقسوم. ولكنني أحاول استخلاصها من تلك البراثن التجارية المستهلكة، ضاربًا عيني بالوجه ومقربًا تلك الابتسامة المترددة – الهاوية – أكثر فأكثر.. هي الآن تجتهد في إحالة الجمهور عن وجهها إلى خصرها، فتضع يدها على مؤنثها بصورة فنية معبرة، مما جعل من خروج بعض الصيحات المخمورة– المؤيدة – حافزًا للمبالغة، وتقليد بعض الحركات الإيحائية لراقصة معروفة....

*******

................................، وكنت لا أعرف غير الكفاف عما الذي يجري بهذا الكيان الهيولي العجيب، فأخرج من عالم السيارات، إلى لوحات عصر النهضة، ثم أبحث عن آخر اكتشافات البعثات الأثرية بالصحراء الغربية، فإعلان من أحد مواقع الهجرة، على الحافة هناك رابط أزرق لشيء، و..............
ما الخطأ الذي بالقصيدة بالقصيدة يا درويش، إنما بالحضور خطأ. الذين يسمعونك تقرأ نعيك بنفسك ولا يردّونك سوى بأنفسهم. بل منهم يعمهون في كنف الموسيقى ويتفرجون على درويش. فأين الصالح من الناس؟… وإنهم ما دون المبتسم والمنتظر والتواق لرؤية نعشك داخلاً من باب القاعة أثناء التصفيق. أرأيت كم يكون موتك جيدًا يا أخي؟!...
أكان حقك أن تنعل الميكروفون بعد إشهار النتيجة؟... أكان حقك أن تفرغ القاعة تمامًا إلا من الصمت والحياة؟... المجد للحياة... المجد للموت... اللعنة على ما بينهما...

- لأكاد أصفق.. رائع!.. لكن أين كان ما كان يا أخي؟...
- بالقاعة يا أخي!...
- أية قاعة؟...
- القاعة الجنوبية من الفص الأمامي.. أفهمًا كهكذا تفهم؟
- لا أرى داعيًا إلى غطرسة أو رعونة.. إذا تبخل بالعلم فأنت جهول.
- لا أبخل بما عندك منه يا أخي.. ولستُ عالمًا في شيء.. أيضا لا أرى داعيًا للمِراء...
- مِراااء؟...
- أي أن تكون داريًا بالشيء وتسأل عنه.. كأن تدري بأنني لن أحتملك كثيرًا يا أخي كما تدري.
- تهديد؟!...
- وداعًا..
- دقيقة واحدة.. فهمت خلاص يا أخي.
- فرصة أخيرة.. لا مجال للمراجعة مرة أخرى.
- وانا موافق.
- تصمت............
- موافق.
- .................

موغلاً كنتُ بمقطع الفيديو الذي أكرره للمرة الثالثة، والسماعات النظيفة تكتنف أذناي، عندما انتبهتُ إلى ماري أناملها تلمس كتفي.. كانت تجلس عن يساري تمامًا، وأومأتْ إلى شاشتها، فرأيت المقطع الذي أشاهده ولكنه مترجمٌ للإنجليزية كتابة.. أبتسم منحيًا سماعة الأذن...

- ?...What about (ما رأيك...؟)
- Great..it is profound poetry (عظيم.. شعرٌ عميق)
- Thanks (شكرًا)
- Huh.. Nice to meet you (هه.. سعيدة بمقابلتك)
*******

أمين الشرطة الغبي وصحيفة الأحوال الجنائية


- إنزل.
- أنا؟..
- أيوه انت انزل.. مش عاجبك وللا إيييييه؟ انزل!!...

كان غبيًا جدًا – لم أر من قبل حكوميًا في غبائه – عندما تناوب التحديق ما بين وجهي الحقيقي ووجهي بالبطاقة.. استغرقه الأمر ما يربو على نصف دقيقة...

- خش عـ البلوكامين... (لابد أنها غرفة الأحوال الجنائية بالأكمنة والأقسام!)
- عشان الأتوبيس يا كابتن لو ممكـ.. (نقلت نقودًا من جيبي الأيمن إلى جيبي الأيسر بصورة خاطفة، غيرأنه بدا فعلاً تلقائيًا)..
- وانا مال أمي انا ومال تلاتين الأتوبيس.. خش خش دانت تلاقي في عليك بلاوي... (دفعني بكتفي دفعة أراد أن يراها الضابط الميري، والذي جالس على مبعدة، يراقب آداء أمنائه الكثر بالكمين من وراء الجريدة في مشهدٍ كلاسيكي بشع)...
- همفففـ... (فغاضبًا جاهدت للحفاظ على انفعالاتي، والتي غالبًا ما تكون مبررًا كافيًا لتعنت الأمناء والمخبرين في مواجهتي)
- إنت كمان بتنفخ.. خد دا عندك يا كابتن... (ناوله البطاقة بلهجة مغرضة، ثم خرج منتفخاً بشعوره الغامض كأمين للشرطة!..)
- .................................

ظل ترتيبي رابعًا بطابور الكشف ما يقرب من عشر دقائق، والجالس إلى جهاز الكمبيوتر لا يبدو كـ كابتن على الإطلاق– ذلك أن هيئته بالملكي فقيرة للغاية – لذا قدرته مندوبًا فطبقت بيدي عشرين جنيهًا بدلاً عن خمسين مطبقة، ثم صرت أنتظر قدري، وأقاوم قلقاً قانونيًا، وسخطاً يتنامى باتجاه بضع محاضر تحري قديمة...

كدت أحترق رأسًا على عقب، بينما صوت موتور الأتوبيس يعلو مبتعدًا.. اللعنة على كل شيء سيء في الدنيا – هكذا صغت العالم بنفسي خلال ثوان قليلة – وإشارات مورس تجيء بتعاقبها البطيء.. ماري ترسل رسالة هاتفية أخرى مما أتحفتني به خلال الطريق..

The waiting is a doubled meeting.
Classical Zen.

الانتظار لقاء مضاعف.
مأثورات الـ زن

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية