عن توسع حلف «الناتو»

فهد المضحكي
2022 / 5 / 28

مرت ثمانية عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومازالت أوروبا معتمدة على أمريكا بشكل كلي، مع ذلك، يحتفي المسؤولون الأمريكيون بالطلب المتوقع من جانب فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو». وبحسب وجهة النظر الأمريكية، يطرح انضمام هذين البلدين باعتباره عاملاً معززًا لقوة الحلف. لكن الولايات المتحدة - كما تدعي - بمفردها أو بالاشتراك مع حلفائها الـ29 بالناتو من شأنها أن تهزم موسكو في أي منافسة قارية بسهولة. وكان واضحًا حتى قبل الاجتياح الروسي لأوكرانيا. والآن بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الصراع، لا أحد يتصور أن موسكو تحتفظ بأكثر من مجرد «شبح» للقدرات العسكرية التقليدية للاتحاد السوفييتي، هذا ما ذكره دوغ باندوا، المساعد الخاص السابق للرئيس الأمريكي رونالدو ريغان، في مقال له نشر على موقع «Responsible Statecraft» الأمريكي، وفقًا لموقع «arabicpost». يقول باندوا، إن توسع حلف الناتو لم يكن في أي وقت من الأوقات مرتبطًا بالأمن الأمريكي، بل كان بهدف لتوسيع يد النفوذ والعون الدفاعية لواشنطن بأسم تعزيز الاستقرار الإقليمي. فلماذا يجب أن يزيد الأمريكيون حملهم الدفاعي الآن؟ على الولايات المتحدة التوقف عن إضافة أعضاء جدد للحلف العابر للمحيط الأطلسي، وأن تستعد بدلاً من ذلك لنقل مهمة الدفاع عن أوروبا إلى أوروبا. ومن وجهة نظر الخبير والمستشار الرئاسي الأمريكي السابق دوغ باندوا، ثمة أسباب لإبقاء الباب مغلقا في وجه فنلندا والسويد.

ويأتي في مقدمة الأسباب، أن لافنلندا ولا السويد عرضة للخطر. تعد كلتا الدولتين مسلحتين تسليحًا جيدًا، ولا تملك أي منهما نزاعات كبرى مع موسكو. في الواقع، حافظت فنلندا على استقلالها باعتبارها بلدًا محايدًا في مواجهة الاتحاد السوفييتي. وحتى أكثر المحللين الذين يعادون روسيا لا يطرحون أي ادلة على اعتزام بوتين اجتياح البلدين. وإذا حاول فعل ذلك، تشي تجربة أوكرانيا بأن البلدين سيفرضان عليه ثمنًا رهيبًا. وثانيًا، ان «الباب المفتوح» للناتو عبارة عن خيال روج له الراغبون في توسيع الحلف باستمرار. لا يملك أي بلد الحق في الانضمام للناتو. ولا يملك أي بلد الحق في دفع الحلف للنظر في فكرة جعله عضوًا. بل تنص المادة 10 على: «للأطراف، من خلال الاتفاق بالإجماع، دعوة أي دولة أوروبية أخرى في وضع يمكنها من تعزيز هذه المعاهدة والإسهام في أمن منطقة شمال الأطلسي، للانضمام إلى هذه المعاهدة» والأمر الآخر، لن يغير البلدين توازن القوى مع روسيا بشكل كبير. فمن الناحية الجغرافية، تساعد فنلندا والسويد في حماية النرويج من روسيا، لكن لا يبدو أن هجومًا كهذا وشيكًا. ويمكن لفنلندا استضافة قوات الحلفاء المستعدة لمساعدة دول البلطيق، لكن سيكون من المنطقي أكثر آنذاك وضع هذه القوات في دول البلطيق نفسها. لكن إضافة فنلندا سيوسع حدود الناتو مع روسيا، وهو ما يتطلب التزامًا أكبر من الحلفاء وسيكون هذا الالتزام من الناحية العملية التزاما أمريكيا.

والسبب الرابع، تطالب دول البلطيق وبولندا بوجود محميات أمريكية دائمة. وقامت وارسو بحملة لوبي (ضغط) كبيرة خلال إدارة ترامب، وعرضة تسمية المنشأة الجديدة «كامب ترامب». وحتى مؤيدو تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا انتقدوا الفكرة لأنها تحقق أهدافًا سياسية وليست أمنية. فمن شأن ضم المزيد من البلدان المتاخمة لروسيا أن يزيد على الأرجح الدعوات لمزيد من عمليات النشر غير الضروري للقوات الأمريكية. وبالاضافة إلى ذلك، فإن السبب الخامس، يكمن في، تمثل فنلندا طريقًا آخر لمدينة سان بطرسبرج، إذ تبعد الحدود الفنلندية أكثر من 100 ميل. وقد حذر دميتري ميدفيدف بالقول: «إذا انضمت السويد وفنلندا الناتو، ستزيد حدود الحلف مع الاتحاد الروسي بأكثر من الضعف، وسيتعين تعزيز هذه الحدود». وهو ما يعني أن موسكو على الأرجح ستعتمد على سياسة «الانتقام الشامل›› التي أتبعتها أمريكا خلال الحرب الباردة، وذلك باستخدام الأسلحة النووية لتغطية الضعف التقليدي. أما السبب السادس، فهو على الرغم من إنكار»بطيء الفهم«في واشنطن أن السياسة كان لها أي علاقة بالتصرفات الروسية، انتهك الحلفاء بصورة طائشة ضماناتهم بأن الناتو لن يتوسع، فقاموا بعمليات عسكرية عدوانية تقوض المصالح الروسية، وروجوا لتغيير نظم الحكومات الصديقة لروسيا. ولو كانت روسيا تصرفت على نحو مماثل في أمريكا اللاتينية، لكانت الولايات المتحدة هددت بالحرب. ومن شأن تعميق الانقسام الأوروبي أكثر من خلال ضم فنلندا والسويد أن يفاقم العدوات المتعمقة بالفعل. وسابعًا، رغم»خيال«الناتو الذي يرى أن الولايات المتحدة والأوروبيين يتعاونون في دفاعهم المشترك، فإن واشنطن في الممارسة العملية هي التي تدافع عنهم وعن - مصالحها - اولا. وقد توسع الحلف في السنوات الأخيرة وصولاً إلى بلدان لا حول ولا قوة وعديمة الأهمية وصغيرة ومعزولة، بما في ذلك كرواتيا وألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية وسلوفينيا ودول البلطيق، ولا تمثل أي من هذه الدول أهمية للأمن الأمريكي.

وثامن هذه الأسباب، تمتلك فنلندا والسويد جيشين من شأنهما تعزيز نظام دفاعي أوروبي مستقل. مع ذلك، من شأن توسيع دور يد العون الأمريكية في الدفاع الأوروبي تثبيط الجهود لهما ولٱخرين. فاليوم يخصص 19 أعضاءً من الناتو (بما في ذلك كندا) أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي لقواتها المسلحة. ومن بين كبرى البلدان الأوروبية، تترك ألمانيا وإسبانيا بشكل كبير عبء الإنفاق والقتال للأعضاء الٱخرين. وحتى دول البلطيق وبولندا، وهي دول عالية الصوت جداً في التعبير عن مخاوفها من روسيا، لا تنفق إلا أكثر بقليل من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على مجالها الدفاعي، وهو مبلغ زهيد في حال كان مستقبلها في خطر حقًا. علاوة على ذلك وجدت الاستطلاعات أن الأغلبيات الشعبية في العديد من الدول الأوروبية تعارض الدفاع عن بعضها البعض. ومع أن برلين وعدد من الدول الأوروبية الأخرى بدأت تصدر تصريحات جيدة، فإن الحماسة الشعبية لإنفاق المزيد على الجيش من المرجح أن تنحسر مع نشر واشنطن المزيد من قواتها في القارة. ومن المرجح ألا تتعامل أوروبا مع أمنها جديًا إلا حين تنهي واشنطن سياستها المستمرة في»طمأنة«الحلفاء بأنها ستقوم إلى الأبد بما هو ضروري لحمايتهم بصرف النظر عن مدى ضٱلة مساهماتهم. وأخيرًا، يجب على أمريكا أن تقلص إعانتها الدفاعية، لا أن توسعها. إذ وصل العجز الفدرالي السنوي إلى نحو 3 تريليونات دولار في 2020و 2021. وسيبلغ العجز هذا العام 1.3 تريليون دولار، بافتراض عدم تمكن إدارة بايدن من زيادة الإنفاق أكثر في سنة الانتخابات. وحتى في ظل نهاية جائحة كوفيد، تنبأ مكتب الموازنة بالكونغرس بتحقيق عجز تصل قيمته إلى أكثر من 12 تريليون دولار على مدار العقد المقبل، مع تحقيق عجز أكبر بكثير في المستقبل في ظل ارتفاع متوسط الأعمار في أمريكا. وتجاوزت الديون الفدرالية العامة بالفعل حاجز 100%، وتقترب من الرقم القياسي البالغ 106% المسجل عام 1946. وسيكون اللجوء إلى تخفيضات كبيرة في الإنفاق أمرًا ضروريًا. وهو ما سجل النفقات العسكرية، لاسيما تلك التي تفيد الحلفاء المزدهرين كثيري السكان. يقول دوغ باندوا في النهاية، إن الهجوم الروسي على أوكرانيا يمثل تذكرة قاسية بأن واشنطن يجب أن تتوقف عن توزيع الضمانات الأمنية كما لو أنها توزع الحلوى على الأطفال. لم يضم الحلفاء كييف إلى الناتو لأنه لم يكن هنالك ما يدعوهم للدفاع عنها والمخاطرة بنشوب حرب نووية. والمنطق نفسه ينطبق على فنلندا والسويد. وعلى واشنطن أن تنهي توسيع الناتو، بدأ بهاتين الدولتين. بالمختصر، ما تطلبه روسيا من»الناتو«والولايات المتحدة اتفاقية تلتزم بها الأطراف جميعًا بمبادئ التعاون والمساواة في الأمن، وتتعهد بتعزيز الأمن للجميع، وليس لكتلة أو منظمة دولية أو تحالف عسكري أو دولة على حساب أخرى. الأمن لروسيا وأوروبا على حد سواء. يرى أحد المحللين أن الغرب طالما يفعل ما يشاء، دون حساب وكأنه فوق القانون، يحرك قفازاته بطول القارة الأوروبية وعرضها لاستفزاز روسيا، لم يعد هناك حلاً للأزمة سوى حل حلف»الناتو» مرة واحدة وللأبد. فلم يعد أحد يحتاجه. ما نحتاجه اليوم، في ظل النظام العالمي الراهن، هو ضمانات أمنية لأمن القارة الأوروبية، وهو أمر سهل إلا أنه ممتنع.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية