ومضة في ذاكرة السمك

فوز حمزة
2022 / 5 / 28

حمل العجوز طبق السمك الذي كان موضوعًا على الطاولة أمامه وقربه من أنفه وبعد أن امتلأت رئته من الرائحة المنبعثة منه .. فتح عينيه بنشوة وقال:
أيتّها السيدات .. انتبهنَ جيدًا .. هذا هو الطريق إلى قلوبنا ..
غير نبرة صوته ليبدو أكثر جدية فقال:
أيَها السادة .. لا تعبدوا السبيل إلى قلوبِكم .. أتركوها وعرة لتفوز بها الأكثر صبرًا .. الأصدق مشاعرًا ثم انحنى ليربت على ظهرِ كلبه المستلقي عند قدميهِ .
رفع رأسه ليسألهم محدقًا فيهم باستغراب:
- من أنتم .. ماذا تفعلون هنا ؟
تبادل الضيوف النظرات فيما بينهم ملتزمين الصمت ..
ضحكة بدرت من السيدة الشقراء ذات القبعة السوداء شغلته عن الخادم الذي وقف ينتظر رده بشأن الفتاة الموجودة في غرفة المكتب ..
أطرق يفكر بتلك الشقراء .. هل هي إحدى عشيقاته السابقات ؟ لا يظنُّ .. لم يتعود دعوتهن إلى أيّة مأدبة يقيمها .. ربما موظفة في إحدى شركاته .. لو أنّها كذلك .. لما جلستْ قريبة منه لهذا الحد لأنه لا يشرك صغار موظفيه في حياته الخاصة ..
ثمة خطوط حمراء رسمها بخبرته الطويلة لا يجرأ أحد على تجاوزها ..
إذن من تكون ؟ وهو ما يزال يحدق فيها زامًا شفتيه و فاتحًا عينيه .. شعر بالغيرة عندما لمحها تغمز للطبيب الجالس على طرف الطاولة الآخر ..
نظر إلى الطبيب .. شم رائحة دواء حملته لزمن بعيد ..
قطع الخادم حبل أفكاره وهو يخبره بأمر الفتاة التي ستنتظر لحين الانتهاء من الحفل .. لم يأبه له ملتفتًا نحو الطبيب سائلاً إياه بغضب:
- ماذا تفعل هنا .. طلبت منك حمل الحقائب ووضعها في سيارتي المرسيدس لكنك وضعتها في الشفروليه ..
حدّق الطبيب في وجه السيدة الشقراء ثم همس بأذن رجل الأعمال البدين الجالس بجانبه .. هزَّ الأخير رأسه علامة الموافقة ..
أرتاب في مدير المصرف الذي كان مشغولًا في إقناع البدين بقيمة الفوائد التي سيجنيها إذا ما تمَّ التعامل مع البنك الذي يعمل فيه ..
سحب ذراع خادمه ليهمس في أذنه :
- هل تعرف ؟ هذان لصان كبيران .. لقد سرقا مني زجاجات الويسكي ..
تصافح الاثنان بالرغم من أنّ يد مدير البنك التي مدها لمصافحة العميل الجديد قد أزعجت الشاب ذا اللحية السوداء لكن أصابع السيدة العجوز التي امتدت من تحت الطاولة لتحسس على ساقه شغلته عن سماع الاعتذار .. ابتسامة الشابة التي كانت تجلس قبالتهما عبرت عما جال في رأسها من أفكار لكنها اكتفت برفع كأسها في الهواء وتمنت للجميع الصحة مع نظرات ذات مغزى للمرأة للعجوز التي واصلت الأكل بشهية ولم تبالِ بكلام الطفلة التي تجلس بجانبها حينما نبهتها إلى أن الطعام الكثير مضر بالصحة.. رفع الجميع كؤوسهم .. صوت البوم جعله يلتفت صوب الخادم ليسأله :
- من يكون صاحب اللحية ؟ ماذا يفعل في منزلي ؟ ربما هو موظف الضرائب جاء يبتزني !!
رد الخادم بعد اقترابه عدة خطوات :
- إنه ابنك سيدي !! كيف نسيته ؟
- ابني مات في الحرب !!
- إنه ابنك الآخر سيدي .. وتلك العجوز صديقة العائلة .. و الشابة هي ابنتك التي قدمت من الخارج بعد إنهاء دراستها .. ستصبح محامية .. لقد أخبرتك بالأمس عن موعد وصولها .. ألا تذكر ؟
- ظننتها أمي .. لكن أمي الآن في حفلة لإحدى صديقاتها ..
والطفلة التي تحتضن كلبي .. من تكون ؟
- حفيدتكَ المدللة .. واليوم هو ذكرى مولدها العاشر ..
تطلع بصمت إلى القمر الرصاصي في السماء .. شعر كأن مجرة كاملة تفصله عن هؤلاء .. مئات من النوافذ المغلقة تقف بينه وبينهم .. آلاف من النجوم سقطت لتبدو سماؤه مكفهرة .. تطلع إلى وجوههم التي بدت بلا ملامح .. خوف كبير تلبسه .. رأى كل الأشياء التي تحيط به مثقلة بِظلالها ..
سأل خادمه متلفتًا بينهم:
- من هؤلاء ؟ .. أنا لا أعرفهم ..
- إنّهم عائلتك سيدي .. وهذا بيتك .. دعني أساعدك على النهوض .. الممرضة بانتظارنا ..
وهو يسير صوب باب البيت .. توقف فجأة ليسأل الخادم باستغراب كبير بعد أن نظر إليه :
- من أنت ؟!••

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية