بريطانيا و(الدولة الآشورية )

سليمان يوسف يوسف
2022 / 5 / 28

بريطانيا و (الدولة الآشورية)

مع وصول (الجيش البريطاني) لمنطقة الشرق الأوسط عام 1914م ، أعلن القائد العام للجيش ، بأنهم "أتوا محررين لا فاتحين"، تحرير شعوب المنطقة من نير (الاحتلال العثماني) . هذا الإعلان كان بمثابة دعوة للشعوب، الخاضعة للاحتلال العثماني، للمشاركة في الحرب إلى جانب بريطانيا من أجل خلاصهم واستقلالهم بدول خاصة بهم. الكابتين الإنكليزي (غريسي) " أكد على أن الحكومة البريطانية تعهدت بمساعدة الآشوريين على إقامة (دولة آشورية) في مناطقهم التاريخية من بلاد ما بين النهرين، إذا وقف الآشوريون الأقوياء إلى جانب بريطانيا في الحرب" . بناءً على الوعد البريطاني اشترك الآشوريون ، بكامل قوتهم وقاتلوا ببسالة وشجاعة قل نظيرها، في الحرب العالمية الأولى الى جانب دول الحلفاء( بريطانيا العظمى. فرنسا. روسيا. إيرلندا) ضد دول المحور(الإمبراطورية العثمانية . ألمانيا . الإمبراطورية النمساوية المجرية . مملكة بلغاريا ). القوات الآشورية حققت انتصارات مهمة على الجيوش العثمانية في المناطق الآشورية ، خاصة في إقليم (هيكا ري). بطولات وانتصارات الآشوريين رفعت من شأن (القضية الآشورية) وأبرزتها كإحدى القضايا الساخنة على جدول (عصبة الأمم). بعد هزيمة واستسلام العثمانيين، كادت (الدولة الآشورية) أن ترى النور، لكن المصالح البريطانية قضت ألا يكون للآشوريين كيان سياسي (دولة) ولو على جزء من وطنهم التاريخي(بلاد آشور) .
بموجب اتفاقية( سايكس- بيكو) لعام 1916 ، تقاسمت كل من فرنسا وبريطانيا تركة الرجل المريض(الإمبراطورية العثمانية) المنهارة. الخريطة السياسية الجديدة التي حددتها الاتفاقية، قسمت (بلاد الآشوريين- ما بين النهرين ) بين عدة دول، الأمر الذي جعل الآشوريين المسيحيين(سرياناً كلداناً) تجمعات صغيرة وسط غالبية اسلامية تعاديهم . هذه الأوضاع ضاعفت من معاناة الآشوريين و حالت دون التواصل السياسي والتفاعل الثقافي والاجتماعي والتكامل الاقتصادي بين التجمعات الآشورية . وقد عبر الكولونيل البريطاني (ويلسون) عن استيائه من المواقف السلبية لحكومة بلاده تجاه الآشوريين ، بالقول: "ما هو جدير بالرثاء حقاً، هو أن تسمح أعظم إمبراطورية بالاضطهاد المدروس والقتل الجماعي والتحويل بالقوة حيال أنبل وأعظم أمة في الشرق الأوسط، الأمة الآشورية التي أعطت العالم أعظم حضارة إنسانية". عن خيانة بريطانيا للآشوريين، قال السياسي والباحث الإنكليزي( و. ا. ويغرام) : "بعد أن خسرت تركيا الحرب العالمية الأولى, كان لا بد من أن تقبل تركيا بشروط بريطانيا لوقف الحرب فيما يخص المطالب الآشورية في مناطقهم التاريخية الخاضعة للسيطرة التركية. لكن بكل أسف عقدت بريطانيا الصلح مع تركيا وتركت الآشوريين هذا الحليف الصغير منسياً ، وتجاهلت حقوقه وقضيته التي كانت مطروحة على عصبة الأمم. حيث وردت الأوامر من الحكومة البريطانية بأن القضية الآشورية يجب أن تنتظر حتى يتم عقد الصلح الرسمي مع تركيا ، وكان التأخير في حل قضية الآشوريين عاملاً قاتلاً بالنسبة لهم."
لتتطيب خواطر الآشوريين، السلطات البريطانية أعلمت المرجعيات الآشورية بأن (بريطانيا وفرنسا) مكلفتان دولياً بتنفيذ مبادئ ولسن لعام 1918م التي نصت على "حق تقرير المصير للشعوب التي كانت خاضعة لحكم الإمبراطورية العثمانية، و ما على الآشوريين سوى انتظار مؤتمر باريس للسلام، الملزم بحل مثل هذه القضايا". لكن الحقيقة، رسائل بريطانية لم تكن سوى (خديعة) جديدة للشعب الآشوري. الاستخبارات البريطانية، عرقلت وصول الوفود الآشورية، من العراق وايران وتركيا، الى فرنسا لحضور مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919م ، الذي خصص لمناقشة مستقبل الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال العثماني. السلطات البريطانية أجبرت الوفد الآشوري الذي وصل فرنسا قادماً من إيران على مغادرة باريس و طلبت من الوفد الآشوري القادم من العراق التوقف في لندن وقد أحتجز الوفد ومنع من السفر الى باريس حتى أنهى المؤتمر أعماله. كذلك بريطانيا حرمت الوفد الآشوري من المشاركة في (المؤتمر الدولي) الذي عقد في بلدة ( سيفر )الفرنسية ، في تموز- أب 1920 وبحث مصير الإمبراطورية العثمانية المهزومة.
بريطانيا لم تكتف بحرمان الآشوريين من حق إقامة دولتهم، وإنما حرمت المهجرين منهم من حق العودة إلى مناطقهم التي هجروا منها قبل الحرب، وعملت على تقويض (الوجود الآشوري) في الدولة العراقية المستحدثة عام 1921 ، ضاربة بعرض الحائط تضحيات الآشوريين في الحرب الى جانب بريطانيا وحلفائها. فرغم خضوع (العراق) للانتداب البريطاني ، نفذت حكومة(رشيد عالي الكيلاني) في العراق، بمؤازرة العشائر الكردية والعربية، مجزرة بشعة ومروعة بحق الآشوريين العزل في بلدة (سيميل) وتوابعها في سهل نينوى، أمام أعين ونظر القوات البريطانية . أحد كبار الضباط البريطانيين وصف (مجزرة سيميل) بالقول "لقد رأيت و سمعت الكثير عن الأعمال المريعة البشعة خلال الحرب، إلا أن ما شاهدته في سيميل فاق كل تصور ". أما أسقف (ريبون) قال : "مثلت مذبحة سيميل ضربة أخرى لسمعة وهيبة بريطانيا العظمى". الويلات والمآسي التي حلت بالآشوريين جراء خدع ودسائس بريطانيا والزج بهم في حروبها الاستعمارية ، دفعت المندوب السامي البريطاني للقول: "أن سياسة بريطانيا نحو الآشوريين لم تكن إلا وصمة عار على درع إنكلترا القومي، ويبدو أننا ضحينا بشرفنا الخاص حينما هجرنا الآشوريين ".
بدعوة من (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية)، التقينا في لندن 9 – 11 شباط 2004 مجموعة من الكتاب والسياسيين السوريين وعدد من الباحثين والسياسيين الأجانب ، لبحث تداعيات "الغزو الأمريكي الغربي للعراق 2003" على سوريا والمنطقة، لجهة نشر الديمقراطية والحريات وتعزيز حقوق الإنسان. جلسات الحوار كانت في مبنى قديم يعود الى زمن (الإمبراطورية البريطانية)، يعرف بـ (شاتام هاوس - Chatham House ) . رئيسة المعهد، افتتحت جلسات الحوار بالحديث عن الأهمية التاريخية والدلالة الرمزية للمبنى. قالت: " في هذا المبنى كان قادة بريطانيا العظمى يجتمعون ويضعون خططهم العسكرية واستراتيجيتهم السياسية في إدارة الحروب العالمية والإقليمية ويديرون المستعمرات البريطانية المنتشرة في مختلف قارات العالم." .. كلامها كان مناسبة للحديث عن (الخيانة البريطانية للآشوريين) . لقد أعقبت على كلام رئيس المعهد، بالقول:" بعد نحو قرن كامل من الزمن ، شاء التاريخ أن يجلس آشورياً في المبنى الذي فيه قررت وخططت بريطانيا لدفن القضية الآشورية وخيانة الشعب الآشوري. نعم أنا أحد أحفاد ضحايا المذابح الآشورية في بلاد ما بين النهرين التي تتحمل بريطانيا مسؤولية قانونية وأخلاقية عنها. الحكومة البريطانية، أنذاك، وعدت الآشوريين ببناء وطن قومي لهم على جزء من وطنهم التاريخي بلاد ما بين النهرين، لكنها في النهاية خذلت الآشوريين المسيحيين و تركتهم وحدهم بمواجهة أعدائهم (العثمانيين والأكراد والفرس والعرب) المسلمين، إثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، فترة انتدابها على العراق، من دون أن تفعل (حكومة المملكة البريطانية) شيئاً لأجل إنقاذ حلفائها الآشوريين الذين حاربوا الى جانبها في الحرب الأولى" . اندهشت رئيسة المعهد من ما سمعته . أكتفت بالقول" نتأسف لما حصل للآشوريين. لكن اليوم ليس بمقدورنا أن نفعل شيئاً لهم. بكل الأحوال هذا ليس موضوع جلساتنا.. "
المراجع :
(الخيانة البريطانية للآشوريين ) لمؤلفه( يوسف مالك ) من مكتب المخابرات العراقية من عام(حزيران 1917- أيلول1932 ...
( فواجع الانتداب البريطاني في حكومة العراق) ( يوسف مالك ..
( الآشوريون والمسألة الآشورية في العصر الحديث) للمؤرخ السوفييتي ( قسطنطين ما تفيف)..
( تاريخ القضية الآشورية في العراق) لمؤلفه: عبد المجيد القيسي.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية