وجه الخير مقتطفات ثانية

كمال جمال بك
2022 / 5 / 28

يُتقن أهل البادية مهارةَ الفِراسة في معرفة بواطن الأمور من ظواهرها، كما يتفنّن علماء النفس والسلوك اليوم بنظريات لغة الجسد. وعلى الرغم من اطلاعه على ما يتضمَّنان من أهمية، إلا أنه اعتمد الحدس بوصلة لعقله. وفي عتمة زنزانة النهار تم تجريحها بجنازير تعذيب الناس لحماً ودماً وكرامة.
وعلى طاولة في غرفة ضيقة، تذكّر وقار وجوه أساتذته في الجامعة وصوتهم الخفيض: ما العقل؟ ما النفس؟ ما الإنسان؟ ما العمل؟ وحدّق النظر بالمحقق من دون أن يطرف له جفن، فبدا له الوجه كما لو أنه ممسوح بالفحم.
وفي آخر بقاع الأرض لم تستطع جبال الثلوج أن تبرّد آلامه على أهله المعذبين،. ولم تستحضرهم وصرخاتِهم ذاكرةٌ عابرة للقارات. بل لازموا وجوده واقعاً لا مجازاً على ألسنة من نار، لا أثناء كوابيس النوم على قلَّته، بل مع تقلُّب وجوه ساعات ليله على أسياخ نهاره.
****** ******
كرغيف خبز التنُّور المقمَّر من سخونة الطين ومن لهيب سجور الحطب، حنطةُ وجه أمه التي أرضعته ثلاث سنوات في بركة بيت جده عبد الله، وزادت على الحليب حبّا وشعراً وأغنيات. ومن القصائد الأولى التي حفظتها عن أخواله وترنَّم بها:
أُعلّمه الرماية كلّ يوم فلما اشتدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني
والثانية:
سلام من صبا بردى أرقُّ ودمع لا يكفكف يا دمشقُ
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنَّه نور وحقُّ
وللحرية الحمراء بابٌ بكلّ يد مضرجة يدقُّ
أمه مريم تعرف القراءة ولم تتعلم الكتابة إلا رسما كما التطريز في الخياطة التي تتقنها، أمُّ ثمانية أبناء، وأم أبناء الحارة الذين ولَّدتهم، وأمُّ كلّ من ليس له أمّ في منفاها وهي في العقد الثامن. خبرت كمّاً هائلا من الوجوه، وظلَّت قسمات وجهها أُنسية. وفي مواجهة فاجعة الموت تذرف قليلا من الدمع، وتجود بالكثير من الحكمة، وتشدُّ بصوت واثق من عزم خائر القوى. وفي الوداع الأخير لأبيه المسجى بكفنه في غرفة الضيوف، كما لو أنَّه صار ضيفا على بيته مستعجلا الرحيل، رفع الغطاء عن وجهه، وانحنى لتقبيل جبينه، ولأنه أراد لقبلته أن تدوم، أمسكت به يد حنونة وحازمة، أنهضته وضمت وجهه: "بسلامة راسكم يا ابني" " اللي خلّف ما مات". ثم قبَّلته من رقبته حيث يُحبَّان، وكما أَوصت بذلك حبّابته زهرة.
****** ******
خمسةُ عقودٍ في السجن الكبير قضى أجـلـَها في مكابدةٍ مع غيلانٍ وحَنافيشَ وسَعالٍ لا يسكنون البساتين ويختفون عند بزوع الضوء، كما في حكايات حبَّابتهِ الكرديّة سلطانة، بل كائنات وجوههم لا أنياب لها، وأعينهم ليست حمراء، وأفواههم لا تنفث السمّ أو النار، وصورهم ببدلات رسمية أو عسكرية أو حتّى رياضية، ويأمرون بالمعروف في وسائل إعلامهم!، وشيوخهم ينهون عن منكر وحيد هو الاقتراب من سلطتهم!
ولهم سرديّات أخرى عن حشود المعتقلين فوق التراب، وجثامين المغيّبين تحت الثَّرى. ومع كلّ فصل في جحيم ذلّ العيش تتبدّل جلود الوجوه، فترمي المستعارةُ قشرتها، وتشقى المدماةُ في ترميم أنسجتها.
وفي حقول ألغامٍ مجهولةِ الخرائط، غامر ومسبار الشعر بين ثلاث محطات فراتية وشامية وسويدية، متجاوزاً في الأولى مبكراً عذابات التلقين الديني والتدجين المدرسي، ومستكملا في الثانية خياره دراسة الفلسفة، ولم ينس حين عاد إلى البيت فرحا والتفت إليه أبوه من المرآة متسائلا عن التسجيل، فسال الدم على خده من شفرة الحلاقة لاستنسابه الأدب العربي. وفي هذه المحطة التحق بطاحونة العمل الإعلامي في إذاعة دمشق حيث تعددت الوجوه عليه وسحناتها ما يقارب نصف عمره. وأما الثالثة ففي بلد كريم منحه اللجوء والإقامة والجنسية والأمان، غير انه الغريب وقلبه الحرّ مختوم ببصمة لاجئ.
****** ******
* من كيسه في المشفى.. مقتطفات من نص كتابي بعنوان "وجه الخير"

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية