دفعة على الحساب أو لن أحكي لكم التفاصيل كلها لتقرأوا الرواية

أحمد عمر زعبار
2022 / 5 / 28

دفعة على الحساب
أو
لن أحكي لكم التفاصيل كلها لتقرأوا الرواية

كُلّفتُ منذ عدّة أيام من قبل مجلة أدبية بكتابة مقال عن آخر رواية لأحد الكتاب المشهورين والمعروفين على المستويين العربي والأوروبي (والعالمي أيضا)
الرواية من 250 صفحة من الحجم المتوسط, انتهيت من قراءتها وتدوين الملاحظات خلال ثلاثة أيام, بعد كتابة المسودة الأولية للمقال وبما أني لست ناقدا محترفا ولا حتى ناقدا هاويا لا في مجال الرواية ولا في غيرها من المجالات, وإن كنت قد نشرت سابقا بعض المقالات القليلة جدا تعليقا على بعض الروايات أو الدواوين الشعرية فقد كان ما نشرته انطباعات قارئ متابع أكثر مما هي مقالات نقد علمي أو أدبي .. إذن بما أني لست ناقدا مختصا قررت أن أقرا ما كتب النقاد والمختصون في الصحف والمجلات عن الرواية التي بين يديَّ خصوصا وأن مؤلف الرواية شخصية أدبية مرموقة وقد كتبت عن روايته مقالات بلغات أخرى غير العربية. جمعت 10 مقالات من صحف ومجلات مختلفة منها مجلات أدبية تعنى بالفكر وبالإنتاج الأدبي من قصة وشعر ورواية ومسرح ورسم وكل ما هو إبداع فني وكتابها المساهمون فيها أسبوعيا أو شهريا مختصون في مجالاتهم النقدية ومنها صحف مرموقة تخصص صفحات وملفات للثقافة والأدب في كل عدد من أعدادها, أما المقالات فتراوحت بين المقال المتوسط الطول نسبيا من 1000 كلمة إلى 1500 كلمة والمقال القصير الذي في حدود ال 400 كلمة أو أقل قليلا.
النتيجة التي خرجت بها والتي مازلت لا أستطيع (هضمها) كانت كالتالي
-اثنان فقط ممن كتبوا عن الرواية قرآها وكتبا عنها من داخلها وانطلاقا من أحداثها وواحد فقط قدم قراءة نقدية من داخل النص الروائي وهو الوحيد الذي كانت له شجاعة انتقاد مؤلفها بعيدا عن كليشيهات المدح المكررة والفارغة من أي معنى حقيقي
-لا وجود ضمن المقالات لاستشهادات أو مقتطفات من النص الروائي لتأكيد رؤية الناقد وتأكيد صحة رأيه إلا ضمن المقالين المذكورين أعلاه
-ثمانية من النقاد لم يقرأوا الرواية وفي أحسن الحالات قد يكونوا قرأوا عنها بعض الأسطر في بعض الصحف أو شاهدوا غلافها مع أسطر تعريفية قليلة على شاشة الكمبيوتر. فالمعلومات التي يذكرونها (أعمار الأبطال, أصولهم ترتيبهم حسب العمر .. ) فيها أخطاء واضحة كما أن الأحداث والوقائع التي يصفونها باعتبار أنها من أحداث ووقائع الرواية غير دقيقة
-لملئ الفراغ والتعويض عن نقص المعلومات الخاصة بأحداث الرواية ورمزيتها وغياب النقد داخل النص وبغرض إطالة المقال يعمد النقاد إلى تخصيص نصف مقالاتهم أو أكثر للحديث عن الكاتب, تاريخ ميلاده.. بلاده.. مكان إقامته.. ذكر بعض عناوين كتبه المنشورة.. دراساته.. شهاداته.. الجوائز المتحصل عليها أو التي رُشح لها ووو.
-إضافة إلى الحديث عن المؤلف وتاريخه ومنجزاته يعرض النقاد بعض أحداث الرواية باعتبارها تعبر بإيجاز عن مضمونها العام وخط سير أحداثها, والملاحظ أن كل هذه الملخصات متشابهة إلى حد التطابق, كلمة كلمة وجملة جملة وكلها منقولة بطريقة تكاد تكون حرفية عن مقال في صحيفة فرنسية (غير أدبية) قَدّمت تعريفا موجزا للرواية ومؤلفها, وقد يضيف بعضهم كلاما عاما مكررا يمكن أن يقال عن أي رواية وعن أي نص أدبي وعن أي كاتب من قبيل (وهي رواية تعالج باقتدار مشاكل المجتمع) أو (وقد تمكن الكاتب من اختيار الشخصيات المناسبة لروايته) وتُتْرك هذه الأحكام معلقة في الفراغ دون توضيح أو شرح أو دليل
الأمر الأكثر غرابة والمزعج فعلا أن صحيفة محترمة ومرموقة ولها تاريخ مشرف ويكتب في صفحاتها الأدبية مجموعة من الادباء والنقاد المحترمين ولا تقبل نشر مقالات أو مساهمات لغير كتابها ونقادها المختصين مقابل مبالغ مالية) هذه الصحيفة نشرت مقالا عن الرواية لأحد كتابها الذي يتضح أنه لم يكتب جملة واحدة من المقال الذي لم يكن إلا فقرات وجمل ومسروقة من صحيفة مغربية لناقد محترم ولم يضف سارق المقال إلا حروف الوصل والربط بين الفقرات والجمل المجتزأة والمقتطعة
الغريب, المضحك المبكي, المخجل أن عددا من هذه المقالات العشرة التي جمعتها والتي لم يقرأ كتابها حرفا من الرواية نجد فيها هذه الجملة المسروقة من مقال الناقد المغربي " لن أحكي لكم التفاصيل كلها لتقرأوا الرواية"
الشيء بالشيء يذكر
سنة 1930 نشر الطاهر الحداد كتابه الشهير "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي اثار ضجة ولغطا وردودا بعضها كان عنيفا, من بين الردود كتب أحدهم مقالا مطولا فيِ صحيفة ردّا على الحداد وتفنيدا لآرائه.. آخر جملة في المقال كانت " هذه دفعة على الحساب ريثما أقرأ الكتاب" ... وبعد تسعة عقود من تلك الجملة الفضيحة يبدو أن النقد مازال يقبض على الحساب دون أن يقرأ الكتاب ...

شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية