شاعر يكتب قصائده بدمه وحزنه وعشقه للبحر

منى حلمي
2022 / 4 / 30

----------------------------------
فردريك نيتشه ، 15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900 ، أحد فلاسفتى
الذين أحبهم ، وأحب كيف يفكر ، ويتفلسف ، ويكتب . وهو من الفلاسفة الذين أُسئ فهم ما يعنيه من كراهية الضعف الانسانى ، واستلهام قوة الانسان الأعلى . لكن اساءة الفهم ، ميزت الكثير من العظماء والمبدعين نساء ورجالا ، على مر الأزمنة . من مقولاته التى أؤمن بها ، وتسكن بداخلى قبل أن أتعرف عليها : "
" لا أحب الا الكتابات التى كتبها الانسان بدمه ".
وهذا صحيح تماما . فالكتابات التى غيرت معالم الحياة ، وساعدت الوجود
الانسانى على المزيد من الحرية والعدل و الرقى والتقدم الحضارى ، هى التى كُتبت بدم الكاتبات والكُتاب ، منذ عرفت الانسانية الكتابة .
الكتابة بالدم ، تعنى قمة الشغف ، وذروة التورط العاطفى ، والجرأة على كشف الحقيقة ، وصدق التجربة الذاتية واحترامها ، وأصالة الأسلوب وتفرده حتى يكاد يشبه ملامح الكاتبة أو الكاتب . الكتابة فعلا " أسلوب " خاص ، و" طريقة جديدة " فى التعبير ، وتذوق العالم ، وحوار دائم على الورق بين الكاتبة أو الكاتب وبين الحياة .
بدون هذا ، لا تساوى الكتابة الحبر الذى كُتبت به ، ولا ثمن الورق الذى كُتبت عليه ، وربما مكانها المناسب هو سلة النفايات ، أو عمل أكياس منها لتعبئة السلع
والطعام ، وعمل قراطيس اللب والسودانى .
واليوم أحتفل بشاعر من هؤلاء الشعراء ، الذين يكتبون بدمهم . هو قسطنطين كفافيس 29 أبريل 1863 - 29 أبريل 1933 ، تمتزج فى جيناته عبق مصر ، وسحر الاسكندرية ، وحكمة اليونان ، تركيبة لا مفر من أن تكون " شاعرة " متفلسفة ،
نافذة الى عمق النفس الحزينة ، هادئة وصاخبة ، وديعة ومتوحشة ، متصالحة ومتمردة ، متوافقة ومتناقضة ، حزينة وتشرب حتى الثمالة نخب الفرح والنشوة .
أطل على الحياة، فوجد "البحر"، وأما رائعة الجمال، تجيب مطالبة، قبل أن تخطر على البال، وبيتا فسيحاً يرحب بوحدته، وتأملاته، حاضنا كنوز الأقدمين من العلوم والآداب.
ماذا يحتاج الإنسان – وهو في بدايته – أكثر من ذلك، ليصبح في المستقبل، فسطنطين كفافيس ، ذلك الشاعر الخجول ذو المزاج الغريب، والوجدان اللامنتمي، الممزق بين شهوة الجسد وإغراء الكتب، ذو الحس المرهف – وهو لا يزال شابا – لـ مشاعر العجائز ؟ . واحد من الشعراء القليلين الذين يدركون مأساة قلبى أكثر من قلبى.
شاعر يرتشف معى الضجر ومرارة الزمن ، فى عالم يقتلنا فى بيوتنا ، بفيروس مستورد
لا نراه ، وبانتاج سلع لا نحتاجها لنسعد ، عالم يترك الجناة ، ويمسك بنا نحن المجنى عليهم و الضحايا . شاعر يشاركنى هدوء صومعتى ، وهناء اعتكافى ، ونزف أحزانى .
كتب كفافيس : اليوم الرتيب يأتي في أعقاب يوم رتيب آخر
الأمور ذاتها ستحدث
ثم ستحدث من جديد
اللحظات المتشابهة تمر بنا وتمضي
شهر يمر ويأتي بشهر آخر
تلك الأمور القادمة يمكن للمرء أن يخمنها
أنها أحداث الأمس المملة
ويضحي الغد بذلك
كما لو لم يكن فيه
من الغد شئ
في قصيدته "شموع"، يكشف كفافيس عن علاقته المربكة المريبة بالزمن : أيام الغد تقف أمامنا
مثل صف من الشموع الصغيرة الموقدة
شموع صغيرة ذهبية حارة
ومفعمة بالحياة
الأيام الماضيات تبقى في الخلف خطا
حزينا من الشموع المطفأة
وأقربها مازال الدخان ينبعث منها
شموع باردة .. ذائبة .. محنية
لا أريد أن أراهـا
فمرآها يبعث الشجن في نفسي
ويشقيني أن أذكر نورها الأول
فأنظر قدما إلى شموعي الموقدة
لا أريد أن ألتفت ورائي
خشية أن أبصرها فيتملكنى الرعب
وأنا أرى الخط المظلم يمعن في الطول
والشموع المطفأة سرعان ما تتزايد
إن وصف كفافيس للشموع المطفأة حديثا، بأنها باردة ، ذائبة ، ومحنية وبهذا الترتيب المتتالي، يلخص في بلاغة شديدة، وأسى ، أشد ، إحساسه المرهف تجاه دورة الزمن. فهي أولاً، باردة، والبرودة ، معناها أنها غير مبالية بمصير الإنسان ومشاعره . وهي ذائبة. والذوبان ، يوحي بأن هذا هو مصيرها الطبيعي المنتظر، غير قابل للتبدل أو الرجوع. وهي محنية. والانحناء يقول ، أنها هي الأخرى مستسلمة، لا تملك أمام القدر شيئاً. فهي كالإنسان ضحية مثله، وإن اعتبرها الجانية. وقد نجد في الانحناء أيضاً، معنا من معاني التعاطف مع الإنسان.
حتى في لحظات الحب، لم يكن كفافيس في مأمن من حصار الزمن، ومرارة الإحساس بالفقدان. فها هو يقول :
ضاع الحب
والآن على شفتي كل غريب
يبحث عن شفتي ذلك الحبيب
وفي كل حضن جديد
تخدع النفس نفسها بأنها
في أحضان الحبيب الأول
كان لكفافيس طريقته الخاصة في تجسيد موقفه العدائي من الشهرة. ألا وهي – ببساطة – عدم السعي إلى نشر أشعاره. فكان يكتب قصائده، ويكتفي بأن يوزعها على أصدقائه. فالشهرة لديه وهم ، ومفسدة ، وتضييع للوقت . وهو في هذا، مارس الإبداع أو كتابة الشعر، باعتبارها مغامرة مدهشة، ودربا مجهولاً، من أجل تلك المهمة المضنية ،ألا وهي أن يعرف نفسه، لا أن يعرفه الآخرون. أليس هذا، هو الجزء الأصيل، في أي عمل أدبي أو فني؟ وأليست معرفة النفس ، ما يهرب منه البشر ؟؟ .
ويبدو أن كفافيس ، قد كره كل أنواع الأضواء، سواء تلك من صنع المصابيح، أو تلك من صنع البشر. لقد أحب الأضواء الخافتة طوال حياته، وعشق ضوء الشموع الهادئ.
لقد أثارت علاقة الفنان بالشهرة – ومازالت – الكثير من الجدل، نعم، فالفنان الحقيقي تملؤه الموهبة الأصلية، فلا تعنيه الشهرة لأنها لن تزيد من قيمته. ولكن من ناحية أخرى، كلما عظمت موهبة الفنان، كلما أراد التأثير والتغيير. فهل هما ممكنان بدون الشهرة ؟ .
حقق كفافيس إلى درجة مدهشة ، ، التلاحم الحميم بين ذاته ، وبين قصائده ، أن تكون "الأنا" هي "موضوع" الكاتب ، بحيث تصبح الكتابة هي ذات الكاتب. فهي – أي الكتابة – عناق حميم جمالي بين كل ما ، يعبر عن طريقة الكاتب في تذوق العالم. ولأنها عناق ، فإن هناك علاقة "لذة" و"سعادة" و"انتشاء"، تربط الأديب بأدبه. وهذا يجعل الكتابة فعل اشتياق، وفعل تحرر. اشتياق للذات، وتحرر لها.
من هذا المنطلق، أتوج كفافيس ، شاعراً وجودياً حقاً. حيث نستشف من بين سطوره مقولة كيركجارد – أبو الوجودية – 1813 - 1855 "الحقيقة هي الذات". في كل قصائد كافافيس بدون استثناء، لا نملك الا الإحساس، بأن ما تسمى حقائق العالم الخارجي، تصبح عديمة الجدوى، إذا لم تبدأ أو تقترن بمعرفة الإنسان لذاته. وأن أقوى الحقائق العلمية أو التاريخية ، لا تكتسب أهميتها أو استمراريتها، إلا من خلال "ذات" تؤمن بها وتمارسها وتدافع عنها. وهاتان فكرتان أساسيتان في الفلسفة الوجودية. وإذا كانت الوجودية، هي معرفة ومواجهة فوضى وعبثية الحياة، فإن كفافيس وجودي النزعة، حاول بالشعر ، أن يخفف من فوضى وعبثية الحياة.
اختار كفافيس حياة الهدوء والعزلة. ليس فقط لأن الإبداع، يحتاج فاصلا بين الذات المبدعة وما خارجها. ولكن لأنه أيضاً اعتقد، أن الحياة الكريمة للإنسان، تستلزم الابتعاد عن الآخرين. في قصيدته " قدر إمكانك "، يرسم بالكلمات ، لوحة ، ترشد الانسان الحائر ، على مدى الأزمنة ، ويحقق تناغماً بين ما يعيشه ويمارسه ويؤمن به، وبين ما ، يريد للآخرين أن يعيشوه مثله . انها القصيدة التى ترسم حياتى ،
أنا أيضا ، وتنسجم مع طباعى ومزاجى وفلسفتى ، وتشكل بالضبط أفكارى عن العلاقات بالناس . فأنا معتكفة فى صومعة قصائدى وتأملاتى ، مكتفية وسعيدة بها ، وبسببها يلومنى الناس . لكننى لا أهتم .
يقول كافافيس : لو لم يكن بإمكانك أن تصنع حياتك كما تريد
فعلى الأقل حاول ما استطعت أن تفعل هذا ....
لا ترخص من شأنها بكثرة الاحتكاك بالناس
وبالإفراط في حركاتك وكلماتك
لا تحط من قدرها بالطواف بها هنا وهناك
معرضاَ إياها لزحمة الروابط والمقابلات
التي تزخر بها حماقات كل يوم
حتى تمسى حياتك ضيفا ثقيلا عليك
الشعراء لهم عجائبهم ، المحيرة ، لا نفهمها ، ولا يحلها مرور الزمن . ومن عجائب كفافيس ، أنه ميلاده ورحيله ، كانا فى اليوم نفسه من شهر أبريل ، حيث ولد فى 29 أبريل 1863 ، ورحل فى 29 أبريل 1933 .
الشعراء لهم أيضا تناقضاتهم غير المنسجمة مع طباعهم ومزاجهم . كفافيس
ولد ورحل فى الربيع ، وكل أفكاره ، ومشاعره ، وقصائده ، لا تتناغم الا مع الخريف .
منْ يهتم ؟. تعلمت أن عجائب وتناقضات ، الحياة ، ربما هى ، أو غالبا ، هى
ما تصنع أجمل الشِعر ، وتهب لنا أبدع الشعراء .

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان