عادل خيرى .. لماذا ينسونه ولا يكرموه سنويا ؟؟؟

منى حلمي
2022 / 3 / 7


--------------------------------------------------------

حينما أرتب العواطف الإنسانية أضع «الوفاء» فى الدرجة الأولى. ولذلك لا أغفر لنفسى أننى أحببت رجلًا ، منحنى البهجة الوقورة ، ولحظات لا تعد من السعادة والطاقة المتناغمة مع الكون ، ولا أكتب عنه كلمة وفاء.
أطمع فى قلبه الكبير ، ليسامح الناس فى بلادنا ، على نسيانه ، وعدم تكريمه سنويا ، وفى ذكرى ميلاده ، وفى ذكرى رحيله . مع أننى لا أرى كيف يمكن لأى ظروف ، أن تنسى الإنسان أهم واجبات الحياة ...... الوفاء .
" عادل خيرى " ليس له سلطة ، أو ورثة لهم نفوذ ، أو أملاك وأراضى ، واستثمارات ، لكى يكون هناك دوافع وجيهة قوية ، لتكريمه ، والاحتفاء به .
لماذا لا تكون هناك جوائز للمسرح باسمه ؟؟. انه الجحود الملتصق بالطبيعة البشرية ، اذا لم تجد مصلحة من وراء الوفاء .
" عادل خيرى " ، انسان نادر النبل ، فنان من طراز رفيع جدًا ، ومن قماشة فاخرة جدًا، فنان تتغاضى عنه ذاكرة الوطن التى لا تتذكر إلا أنصاف الموهوبين وتنابلة الإبداع والمقلدين.
أكتب اليوم ، عن فنان تفخر خشبة المسرح بأنه يومًا وقف عليها ، ومنحها عصارة موهبته وعنفوان شبابه.
أيام قليلة ( خمس أيام ) تفصلنا عن ذكرى رحيله ال 59 ، فى 12 مارس .
فنان رأت الحياة أنه «كثير» علينا و«خسارة» فينا، فانتزعته مبكراً فى ريعان الشباب ، وخطفته قبل الأوان، حتى ندرك قيمته وأهميته.
فنان حتى لم نجامله ، إكرامًا لأبيه الذى هو بحد ذاته ، ظاهرة فنية متعددة المواهب متنوعة الثراء ، لا تحظى بالتقدير الواجب.
ُقدر للأب بديع خيرى 18 أغسطس 1893 - 1 فبراير 1966 ، توأم نجيب الريحانى 21 يناير 1889 – 8 يونيو 1949 ، أن ينال التجاهل فى ذكراه ، وتغلف حياته بالجحود والنسيان ، وأن يرث ابنه الوحيد ، " عادل خيرى " هذا القدر .
تتعطر الصفحات استعدادًا لاستضافته واحتفاءً بسيرته. آن الأوان لأكتب عن عادل خيرى، ٢٥ ديسمبر ١٩٣١ ١٢ مارس ١٩٦٣. وهو احتفاء بسيط ، ينفعنى أنا ، لا هو المحتفى به .
أين يذهب عادل خيرى ، وسط هيافات وتفاهات الاعلام ؟؟.
أين يذهب وسط المسرحيات، التى هى بؤر علنية للنكات ثقيلة الدم والإفيهات المستهلكة والألفاظ البذيئة وضحالة الفكر وتشوه المشاعر؟ .
عادل خيرى مات وهو فى سن الواحدة والثلاثين. ولم يبدأ التفرغ للمسرح إلا وهو فى الرابعة والعشرين من العمر فى ١٩٥٦.
سبع سنوات فقط هى عمره الفنى. ولكنه ترك لنا ميراثًا من الضحك المُحمّل بالشجن، وفنًا يسعد الروح ويشبع العقل ويحرك القلب.
عادل خيرى ذو الكاريزما الهادئة ، التى تتسلل إلى نفوسنا بنعومة ، لا تفقد قوتها ولا تتوه عن هدفها.
وماذا كان هدفه ؟.
واجه عادل خيرى المأزق الصعب، هو يريد إشباع موهبته ، وفى الوقت نفسه يريد أن يعيد مسرح نجيب الريحانى، ذلك المسرح الذى عشقه وآمن برسالته التى تبناها الريحانى، مع أبيه، بديع خيرى .
واهتدى إلى صيغة فنية تحقق الهدفين. فقرر أن يعيد مسرحيات الريحانى برؤية عادل خيرى، وفكاهة عادل خيرى، وشخصية عادل خيرى، وزمن عادل خيرى، واستعان بالعظماء، تلامذة الريحانى فى المسرح أو فى السينما.
كان عادل شديد الوفاء لموهبته الخاصة، وهذا ما جعله قادرًا على الوفاء لمسرح الريحانى. المسرح الذى تزعم تأسيس نهضة مسرحية قوامها الثنائى الريحانى، وخيرى الأب، منذ ١٩١٩ وحتى ١٩٤٩، والتى تعمل على إيقاظ الضمير الوطنى، والثورة على الظلم الاجتماعى، من خلال الكوميديا الراقية والنقد الساخر.
وُلد خيرى الابن فى هذا المناخ ورأى فى صباه الريحانى على خشبة المسرح ، وعاهد نفسه على أن يحمل الرسالة ويسير على الدرب.
آمن عادل خيرى أن للضحك فلسفة عميقة وإن كانت فى منتهى البساطة، وهى أن الإنسان يحتاج إلى الضحك، تمامًا مثلما يحتاج إلى التعليم والعمل والماء والهواء والحب والطعام والمسكن والدواء. وبالتالى علينا حمايته من التلوث والتدهور ، كما نحمى تلك الأشياء الأخرى.
إن السخرية ليست قلة الأدب، لكنها «شياكة» تعرية القبح. والكوميديا ليست حركات بهلوانية أو حواديت مفتعلة للتسلية وقتل الوقت، لكنها الدخول التلقائى غير المفتعل إلى عمق التناقضات الاجتماعية والأخلاقية التى تملأ حياتنا. وكشف حقائق ومكنونات النفس دون فذلكة. هو يتساءل أسئلة الأحلام البسيطة العفوية التى تدين القيم التى تتحكم فى حياتنا ومصائرنا.
من هذا المنطلق فإن عادل خيرى يضحكنا، لأنه فى الحقيقة لم يكن يقصد أن يضحكنا. يضحكنا لأنه فى الحقيقة يثير البكاء. أو كما عبّر أحد الفلاسفة: «إننى أضحك لأمنع نفسى من البكاء».
بعد انتهاء العرض المسرحى ، كان عادل خيرى يقف مع المشاركات والمشاركين فى صف واحد ينحنون لاستقبال تحية الجمهور. لا أحد أقل من الآخر. ربما، بالطبع، تتفاوت أحجام الأدوار. هناك دور أقل من دور. لكن لا يوجد فنان أقل من الآخر. كلهم فى الموهبة وفى الإبداع وفى إسعاد الجمهور، سواء.
ما أجمل أن نرى الريحانية المخضرمة مارى منيب ، جنبًا إلى جنب مع عادل خيرى، الشاب الريحانى الجديد، بجانب ميمى شكيب وعدلى كاسب وسعاد حسين وعباس فارس ونجوى سالم وأديب الطرابلسى ، محمد شوقى ، ومحمد الديب وغيرهم من القافلة الريحانية المبدعة الوفية ، عبر أجيال متباينة، ينحنون معًا لتحية الجمهور. وهذه، فى حد ذاتها قيمة أخلاقية كبرى ، لمنْ يريد أن يتعلم ويتعظ ويرتقى.
فى كل مرة أشاهد إحدى مسرحياته أشعر كأنها المرة الأولى. هو ليس الممثل الذى رأيته من قبل. هو يُولد من جديد ويُدهشنا من جديد. لماذا؟ .
لأن عادل خيرى يحب الفن من أجل الفن. وطاقة الحب لا تنضب مع الزمن. الشغف سحر لا ينتهى ، ولا يخفت ، لأنه زاهد فى المقابل . ملكة فنية قادرة على أن تجذبنا وتأسرنا وتحيرنا وتلمس طاقة الحب داخلنا، ولذلك نصف الإبداع العظيم بأنه «خالد».
وهكذا الخلود، مثلًا، لموسيقى سيد درويش، ١٧ مارس ١٨٩٢ ١٥ سبتمبر ١٩٢٣، الذى يشبه عادل خيرى فى أربع أمور. أولًا: كلاهما رحل عن الدنيا فى سن الواحدة والثلاثين. ثانيًا: إن العمر الفنى لكليهما كان سبع سنوات فقط. ثالثًا: إنه رغم قصر العمر الفنى، فإن كلًا منهما ترك ميراثًا غزيرًا من الكنوز الإبداعية. رابعا : كلاهما عشق المسرح ، خاصة مسرح الريحانى . أول من سمع سيد درويش ، كان الريحانى ، وتنبأ له بمستقبل باهر . وكاثبات واقعى ، طلب من بديع خيرى ، كتابة أغنيات أوبريت " العشرة الطيبة " ، ليلحنها سيد درويش كأول أعماله المسرحية على خشبة الريحانى ، والتى شهدت استخدام الغناء البوليفونى ، أى تعدد الأصوات لأول مرة .
وبعد موت عادل خيرى ، طلب الأب المكلوم بديع خيرى ، من فريد شوقى ، أن يفتتح مرة أخرى فرقة الريحانى ، لأنه الوحيد القادر على احيائها من جديد ، وبعث شخصية وفن الريحانى مرة أخرى. وبعد تردد طويل ، من خوف المقارنة ، وهول المسئولية ، وافق فريد شوقى ، وحقق أمنية بديع خيرى . وظهر لنا مرة أخرى ، الريحانى ، بمذاق ورؤية فنان شغوف بالفن ، مثقف ، يدرك قيمة الريحانى الذى رأه شخصيا فى طفولته على المسرح . وكان فريد شوقى ، قدر المسئولية ، وحقق نجاحا ساحقا ، مثل عادل خيرى . وبعد الافتتاح الأول لمسرح الريحانى الجديد ، من بطولة فريد شوقى ، حضر بديع خيرى ، على كرسى متحرك ، بعد المسرحية ، وأعلن أمام الجمهور بعيون باكية : " وتستمر قافلة ومسرح الريحانى ".
عاش عادل خيرى ومات متواضعًا مثل كل العظماء. رحل بعد أن أنهكه المرض الغادر ، واضطراره إلى أن يفارق خشبة المسرح وهو فى مقتبل الشباب.
أما بديع خيرى، الأب، فقد شعر بغدر الزمان وجحود الناس، وكان أيضًا يعانى من المرض، لم يحتمل الوضع ، ورحل بعد ابنه بثلاث سنوات.
لماذا دائمًا فى كل زمان ومكان ، تقسو الحياة على منْ تجرى فى دمائهم «جينات» الإبداع الأصيل ، بدونه تظل الحياة نفسها واقفة، راكدة، لا تتجدد، لا تتقدم ، لا تسعد ، ولا تخفف من أحمالها وأثقالها ؟؟؟. سؤال محير ومؤلم.
من المؤسف ، أن التليفزيون لم يصور جميع مسرحيات فرقة الريحانى التى أسسها عادل خيرى . ومن المؤسف أيضا ، أن لا أحد الآن يفكر فى اعادة مسرح الريحانى ، لا أدرى بأى شئ مشغولون ؟؟؟ .
الحب الأول للريحانى كان المسرح . لكنه وافق على تصوير بعض الأفلام السينمائية ، فقط ليبقى فى الذاكرة .
كان عنده حق ، وكان بعيد النظر ، وكان مدركا للجحود فى طبيعة البشر .
الليلة ، سأسهر وحدى مع " عادل خيرى " ، فى احدى مسرحيات الريحانى ، التى لا أشبع منها أبدا ، وهى " حسن ومرقص وكوهين " ، والتى لها أصل واقعى .
ذهب نجيب الريحانى ، مع صديقه وتوأم روحه بديع خيرى ، لزيارة صديق مريض فى حى العباسية ، ولفت نظرهما لافتة محل معلقة مكتوب عليها :
" ابسخروس وص . وعثمان " . وجاءت لهما فكرة المسرحية ، كيف أن لقمة العيش فوق اختلاف الأديان ، وهذا يرسخ النسيج الوطنى الواحد ، ويدعم الوحدة الوطنية . كتب بديع خيرى المسرحية باسم : " حسن ومرقص وكوهين".
لكن الأزهر والكنيسة والحاخامات ، اعترضت على اسم المسرحية . فحسن هو حفيد نبى الاسلام ، ومرقص هو الرسول المبشر بالكرازة المرقصية ، وكوهين اسم اعظم الكهنة العبريين .
حارب نجيب الريحانى ، وبديع خيرى ، فترة طويلة ضد الثلاث جهات ، ولم يرضخوا لتغيير اسمها . وفى النهاية انتصر الفن ، وعرضت المسرحية لأول مرة فى 16 نوفمبر 1941 ، على مسرح دار الأوبرا ، ونالت نجاحا مستمرا غير متوقع من الجماهير . وقد أنتجت أيضا كعمل سينمائى ، أخذ حقه فى النجاح ، والاستحسان .
لكن التاريخ يعيد نفسه ، خاصة فى الوقوف ضد الفن ، والابداع ، واطلاق التعبير والخيال ، وللأسباب الواهية ذاتها ، ومن أعداء الحرية ، وخصوم التقدم ، أنفسهم الذين يعيشون على وظيفة الوصاية على البشر .

------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان