- أدهم - الطفل الأعزل الذى انتصر على عالم دموى مسلح

منى حلمي
2022 / 3 / 1

" أدهم " طفل أعزل انتصر على عالم دموى مسلح

-------------------------------------------------
4 يونيو القادم 2022 ، يكمل «أدهم حتاتة»، ابن أخى «عاطف حتاتة»، عامه الخامس . هذا الطفل الذى كان يزحف على الأرض، ويقع كلما حاول أن يقف، انتصر على مضادات الاكتئاب، وروشتات الأطباء. هل لأنه ابن أخى «عاطف»، الذى أعتبره «ابنى»، الذى لم أحمل به.. أم ، لا تريد شيئا من الحياة، إلا أن تسعده، وتريحه، وتفرحه، على قدر موهبته، وعلى قدر أخلاقه النبيلة، وعلى قدر صلابته الداخلية؟.. هل لأن «أدهم» الصغير، يعيد لى أخى «عاطف»، مرة أخرى، فى شكل جديد؟.. فأستعيد أمومتى، له؟. هل لأن «أدهم» الصغير، يحمل بعضًا من تكوينى، بحكم «الجينات» الوراثية؟ .

رأيت «أدهم» الصغير، لأول مرة بعد ولادته، بشهر واحد. ابتسامته، البريق اليقظ فى عينيه، التفاتاته، أصابعه الكوميدية، بكاؤه، جسمه الصغير الباحث عن مكان يناسبه، التشابه الكبير بين ملامحه، وملامح «أمى»، أحدث شيئا ما فى دمى، وأعصابى، وكيمياء مخى، شيئا ما غامضا، يجذبنى بقوة إليه، ويجعلنى، لا أقاوم تأمله، والتحديق فيه.

وقبل أن أراه، عشت مع «أدهم»، وهو ما زال جنينًا، بتخيلاتى، وأفكارى، وأمنياتى. كان حاضرًا، بكل التفاصيل، رغم أنه «غائب»، وفى مرحلة التكوين.. أحمله، قريبًا من قلبى، فيحملنى إلى كوكب آخر، أحاول أن أصنعه بكتاباتى، وقصائدى، وأحلامى، وخبرات آلامى.. جاء «أدهم»، نسيت أننى مريضة بالاكتئاب، ونسيت مواعيد تناول مضادات الاكتئاب. وكأن «أدهم»، هو الخلاص المنتظر، الذى طال الاشتياق إليه.

«أدهم» الرضيع، الأعزل، الذى لا يملك شيئًا، المجرد من كل الأسلحة، خلق علاقة جديدة، بينى وبين هذا العالم الدموى المسلح، الظالم، القاهر، الإرهابى، الذكورى، المتعصب، المتناقض، المريض، التعيس.

عن نفسى أنا، لا أريد شيئًا من الحياة. لكن فقط، من أجل «أدهم»، أتخلى عن يأسى، وأتمنى أن يصبح العالم أكثر عدالة، وحرية، وجمالا. من أجل «أدهم»، أتصالح مؤقتا مع العالم..
يؤلمنى ٤ يونيو 2017 ، عيد ميلاد «أدهم» ، لأن ، شريف حتاتة ، الأب الغالى ، جد " أدهم " ، الذى عشت معه طوال عمرى ولم أحمل اسمه، قد رحل قبل مولد حفيده الأول الوحيد، بـ١٣ يوما فقط ، فى 22 مايو 2017 .
كان هذا من أبسط حقوقه ، التى حرمها منه القدر الغادر العبثى . منذ متى ، كان القدر عادلا ، أو منطقيا ، أو رحيما ، أو حتى " عنده ذوق " ؟؟.
كان" شريف " يريد حفيدا ، يحمله بين ذراعيه ، يبثه حبه واشتياقه الذى طال كثيرا ، وربما أحب اللعب معه ، وهما جالسان على الأرض .
كنت أبكى كلما رأيت أمى ، " نوال " ، وهى تحمل " أدهم " فى أحضانها ،
ترى فى عينيه التمرد ، والرقة ، والتأمل العميق ، وتقول : " الولد ده فيه حاجة تخطف القلب ... ياريت " شريف " كان معانا ".

«أدهم».. شكرًا لأنك أنقذتنى من الاكتئاب.. شكرا لأنك صالحتنى على «العدو»، ولو مؤقتا.. هذه هى هديتى لك، فى عيد ميلادك الخامس القادم قريبا . أدهم، يعنى الحصان الأسود. وأنا أشعر أنك، وُلدت لكى تتفوق، وتربح السباق.
داعبتنى هذه الأفكار ، لأن " أدهم " مريض هذه الأيام . وعكة صحية ، أمرضتنى أنا ، أكثر منه .
قلقى عليه قدر حبى له . كانت أمى " نوال " تقول لى : " أنا أحبه أيضا فهو حفيدى الأول والوحيد ، وكمان يشبهنى فى كل شئ ، ويشبه شريف وعاطف ، بشكل غريب ، أعتبره " نوال الصغيرة " .. لكننى لا أقلق عليه مثلك .. ".
كلما ألمت وعكة بسيطة ب " أدهم " ، لا أستطيع منع حياتى من الوقوع فى بئر عميقة لا قرار لها ، مخيفة ، معتمة .
قلق غير سوى ، غير طبيعى ، غير صحى ، لا يفيدنى ، ولا يحتاجه الطفل
" أدهم " .
هذه هى شخصيتى ، لا أستطيع تغييرها بالعقل والمنطق . أنا روح قلقة ،
وكلما زاد حبى لشخص ، زاد القلق ، وعذابى .
كل ما أتمناه ، أن يشفى " أدهم " ، ويرجع الى غنائه ، وتفكيره الذى هو أكبر من عمره بكثير ، واللعب الصغيرة التى يحتضنها وهو نائم ، ويرجع الى ضحكته الرنانة التى هى نسخة طبق الأصل ، من أمى " نوال " ، ويترك لى رسائل صوتية
وهو يدللنى باسم " منمنمنمنة " ، اسم من اختراعه الشخصى ، وأنا وثقته فى السجل المدنى الرسمى لقلبى ، وفى بطاقتى الشخصية التى أريد أن تدفن معى ، فى مثواي الأخير .
تغلب على المرض ، لتعود لى " نوال الصغيرة " . ف " نوال الكبيرة " راحت عنى . وأنت عزاء لا أحتمل فقدانه .
-----------------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان