هل ما زال العراق متخلفا في البحث العلمي ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 28

يعتبر البحث العلمي من بين أهم الاليات لتحقيق التنمية والتطور في جميع الميادين ,حيث يساعد على امكانية الاستغلال الامثل للموارد , وله دور مهم في نهضة الشعوب وحل مشاكلها, ويزيد من القوة الاقتصادية للدول من خلال مساهمته المباشرة في زيادة الانتاج وتحسين نوعيته, ويسهم ايضا في دفع عجلة التقدم للمجتمعات. وتشير التجارب بانه لا يمكن لأي دولة تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية دون وجود باحثين ومهندسين ومختصين يأخذون على عاتقهم مسؤولية القيام بالبحث الاساسي والتطبيقي الذي تحتاجه الدولة.
البحث العلمي هو نشاط علمي يعتمد على عملية جمع وتحليل البيانات بهدف الاجابة عن مشكلة بحث محددة, وانه ذلك التحري والاستقصاء المنظم الدقيق الهادف للكشف عن حقائق الاشياء وعلاقتها مع بعضها البعض وذلك من اجل تطوير او تعديل الواقع. والبحث العلمي عبارة عن نشاط هادف ومنظم يسعى الى دراسة الظواهر دراسة علمية من اجل ازالة الغموض عنها وتفسيرها والتحكم فيها وتوجيهها وتسخيرها بما يخدم ويساهم في تنمية المجتمع وتطويره واشباع حاجات الانسان ورغباته.
ان تطور البلدان ورقيها مرتبط ارتباطا وثيقا باعتمادها البحث العلمي وتوسيع نطاقه حيث يساعدها على احتلال الصدارة ضمن البلدان المتقدمة ,والتقدم الذي وصلت اليه البلدان الاوربية والدول الصناعية الكبرى يعود الى تشجيع حكومات هذه البلدان للبحث العلمي وقيامها بإنشاء مراكز بحثية واعداد ميزانية خاصة بها والتعاقد مع الباحثين لتطوير المراكز البحثية. كما بدأت المنشآت الصناعية العملاقة بإنشاء مراكز بحثية خاصة بها للنظر في احتياجات الصناعة من تطوير وايجاد الحلول للمشاكل التي تظهر خلال تطور العملية الصناعية. وكذلك الحال بالنسبة للبحوث الزراعية. ويلاحظ زيادة الانفاق على البحث في تلك الدول فعلى سبيل المثال تحتل الولايات المتحدة المرتبة الاولى في الانفاق مقارنة مع الدول العربية وتصل نفقاتها حسب منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الى (330) مليار دولار لعام 2001 تليها الصين 136 مليار دولار ثم اليابان 130 مليار دولار ,بينما لا تتجاوز نسبة انفاق الدول النامية 4% من الانفاق العام في العالم.
العراق مازال متخلفا في مجال البحث العلمي وتسخيره لتطوير صناعته وزراعته واقتصاده . بعكس الدول المتقدمة التي مرت بتجارب هامة في اعتماد البحث العلمي ويمكن الاستفادة منها لتحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية في بلادنا ,وملخص هذه التجارب:
1. توفير المراكز العلمية والبحثية والجامعات بما يتناسب مع عدد السكان.
2. توفير الميزانية اللازمة لهذه المراكز على ان يكون الانفاق وفق خطة مدروسة ومعدة مسبقا واستحداث مراكز بحثية وجامعات جديدة تواكب التطور العلمي والتكنولوجي.
3. الاستعانة بالخبرات الداخلية والخارجية في عملية البحث العلمي.
ان البحث العلمي والتنمية يواجهان مشكلة واحدة الا وهي مسألة التمويل وقناعة المسؤولين, والسؤال الذي يطرح نفسه هل لدى البلد موارد مالية وبشرية تمكنه من الخوض في مضمار الابحاث والدراسات والتي تعمل بدورها على تحقيق التنمية المستدامة.؟
العراق يمتلك الموارد المالية الكبيرة ولكنه بالرغم من ذلك لم يخرج بعد من دائرة التخلف ويعود السبب في ذلك الى عدم اعطاء الاهتمام الكافي للبحث العلمي ومعالجة المعوقات التي تواجهه ,في حين ان اليابان مثلا تتميز بشح مواردها ولكنها حققت تطورا صناعيا وتكنولوجيا كبيرا وغزت بمنتجاتها المختلفة اسواق العالم . اذن الثروة الحقيقية تأتي من الاستثمار في البحث العلمي حيث ان عطاؤه مستمر وهو لا ينفذ مثل المال ,وهكذا اصبح تقدم الدول يقاس بحجم انتاجها العلمي والتكنولوجي وبعدد علمائها وباحثيها وبدرجة الاهتمام بالبحث العلمي والاستثمار فيه وفي الموارد البشرية.
العراق اليوم يفتقر الى مراكز البحث العلمي في جميع المجالات فصناعتنا متوقفة وزراعتنا متدهورة وثرواتنا الطبيعية مازالت غير مستثمرة ورغم العوائد المالية الكبيرة التي يحصل عليها العراق من تصدير النفط الخام الا انها لا تستثمر في تطوير قطاعاتنا الاقتصادية وتحقيق الرفاهية لشعبنا وللفساد حصة كبيرة فيها . في العراق العديد من العلماء والمبتكرين الا انهم لا يجدون الرعاية والدعم من الدولة فتضيع ابتكاراتهم ويصيبهم الاحباط وتتلقفهم الدول الاخرى لتقدم لهم الدعم المادي والمعنوي وتوفر لهم كل المستلزمات لتطوير ابتكاراتهم لتخدم اقتصادهم.
اما بالنسبة لجامعاتنا فدورها مازال محدودا جدا في مجال البحث العلمي التطبيقي وهي تفتقر الى الموارد المالية والبنى التحتية اضافة الى دور التداعيات الامنية والطائفية التي ادت الى هجرة العديد من العقول العراقية الى الخارج بحثا عن الامان والتقدير.
ان تقدم الشعوب اصبح مرتبطا بالبحث العلمي وبتحكمها في التكنولوجيا واصبح البحث العلمي مؤشرا على درجة تقدمها .
المطلوب اليوم في العراق ولغرض الخروج من دائرة التخلف وتحقيق التنمية الاقتصادية والتقدم لابد من :
1. اعتماد سياسة واستراتيجية واضحة للبحث العلمي.
2. زيادة الانفاق على البحث العلمي وتشجيع القطاع الخاص للمساهمة في التمويل.
3. مساهمة البحث العلمي في عملية التنمية وحل مشكلات المجتمع.
4. الاهتمام بالباحثين وتحسين ظروفهم المادية والاجتماعية.
5. تشجيع الاختراعات والابتكارات المتطورة والعمل الى ترجمتها الى الواقع.
6. تشييد البنية التحتية للمعرفة العلمية والتقانة وتطويرها.
7. استحداث مجالس اوهيئات او مؤسسات خاصة بالبحث العلمي.
8. ربط البحث العلمي بالتنمية الصناعية والزراعية والاقتصادية عموما.
9. العمل على تحويل الافكار الخلاقة الى سلع ومنتجات متميزة سهلة التسويق.
10. دعم الجامعات العراقية وتشجيعها على البحث العلمي المرتبط بالواقع الاقتصادي للبلد.
11. تحقيق الاستقرار الامني والقضاء على الارهاب والطائفية وتشجيع العلماء العراقيين المهاجرين والمهجرين على العودة الى ديارهم.
ان اهمية البحث العلمي تزداد يوما بعد يوم خاصة امام التغيرات المتسارعة بفعل ثورة وتكنولوجيا الاعلام والاتصال واستناد الاقتصاد الحالي الى راس المال الفكري. ويهدف البحث العلمي الى زيادة معرفة الانسان ورفع قدرته على التكيف مع بيئته والسيطرة عليها واكتشاف الحلول للمشكلات التي تواجه المجتمعات والافراد وهو ضروري لبناء دولة عصرية. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت القرار 284 - 71 في أبريل 2017، باعتبار يوم 21 أبريل اليوم العالمي للإبداع والابتكار، حيث يهدف هذا اليوم للتوعية بدور الإبداع والابتكار في حل المشكلات والامتداد، وفي تنفيذ أهداف التنمية المستدامة،
واليوم العالمي للإبداع والابتكار هو مناسبة يمكن من خلالها تعزيز الأمثلة على أفضل الممارسات وتسليط الضوء على استخدام التفكير المبدع والتكنولوجيا نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما يمكن للابتكار والإبداع والريادة التجارية أن تتيح جميعها زخما جديدا للنمو الاقتصادي وإيجاد فرص للجميع، بمن فيهم النساء والشباب، وإيجاد الحلول الملحة مثل القضاء على الفقر وإنهاء الجوع.
وبهذا الصدد فقد اكد الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه على تشجيع البحث العلمي والابتكار وربط العملية التعليمية بعملية التنمية الشاملة في البلاد واهدافها الكبرى وادراج تعليم المعلوماتية ضمن المناهج في مرحلة مبكرة واشاعة استخدامها في المدارس وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي وارساء قاعدة تعليمية متطورة .
ولأهمية البحث العلمي سبق وان قال فيلسوف الصين الكبير ( كونفوشيوس ): ( لو اعطيت مادة كمعلم للتلاميذ مكونة من اربع اركان فإني اعلمهم ركنا واحدا منها وعليهم البحث عن الأركان الثلاثة الباقية ), اي ان التفكير والبحث العلمي ينبغي ان يبدأ من المدرسة والجامعة . وسبق لليونسكو ان رفعت شعار ( بحوث اكثر لتنمية افضل ) ..

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية