سويسرا ذات الوجوه المُتعدّدة

الطاهر المعز
2021 / 9 / 27

سويسرا، الفاشية "النّاعمة"

لم تنضم سويسرا "المُحايدة" إلى الأمم المتحدة سوى سنة 2002، رغم استضافتها لعدد كبير من وكالات الأمم المتحدة، والعديد من المنظمات والجمعيات "الإنسانية" و"الخيرية" (أكثر من 200 منظمة دولية في مدينة جنيف لوحدها)، وهي مُرشّحة لاحتلال مقعد غير دائم بمجلس الأمن، ورغم التّفاخر والتّبَجُّح والمُزايدات بتطبيق "الديمقراطية الشّعبية المُباشرة"، لم تحصل النساء السويسريات على حق الإقتراع سوى سنة 1971، لأن ذلك كان شَرْطًا ضروريا لانضمام سويسرا إلى الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولم يتم تطبيق هذا الحق سوى سنة 1990 في بعض المقاطعات، مع الإشارة إلى الرّقابة المُشَدّدة على حركات وسَكنات المواطنين، ومن يخرج عن الصّف، يتم إقصاؤه وتهميشه طوال بقية حياته.
من جهة أخرى، تُصدِّرُ سويسرا "المُحايدة" السّلاح إلى العديد من "مناطق النّزاع" بإفريقيا وآسيا والوطن العربي (سوريا واليمن)، وأوردت تقارير سويسرية استخدام المليشيات الإرهابية السّلاح السويسري، في مناطق مختلفة من العالم، وتُحاول التّمويه بتقديم "مُساعدات" هزيلة...
أعلن وزير الخارجية السويسري، يوم 23 أيلول/سبتمبر 2021، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن سويسرا قدّمت، خلال خمس سنوات، مساعدات إنسانية بقيمة 71 مليون فرنك سويسري، "للمساعدة على التزوّد بالمياه الصالحة للشرب، ومرافق الصرف الصحي، والأمن الغذائي"، وأن سويسرا ستزيد مساهمتها الإنسانية لليمن بمقدار مليون فرنك آخر، إذ سبق أن أعلنت الحكومة السويسرية، بنهاية شهر شباط/فبراير 2021، تقديم "مساعدة" بقيمة 14 ألف فرنك سويسري، ولم تتوفر أخبار عن تنفيذ هذا الوَعْد، إذ سبق أن وعدت الدّول الغنية بتقديم 3,9 مليار دولارا سنة 2020، لكن منظمات الأمم المتحدة أعلنت وصول نصف المبلغ فقط، ما اضطر المنظمات الإنسانية إلى تقليص نشاطها وإغلاق بعض فُرُوعها...
في الواقع، نادرًا ما تُقدّم الدّول الغنية مُساعدات، وإنما تَدْعَمُ شركاتها فتشتري منها مواد غذائية أو صحية "فائضة عن الحاجة"، لتنقُلها شركات من نفس البلد، بمقابل طبعًا، وتوزعها في اليمن أو الصومال أو غيرها، منظمات إنسانية من نفس البلد، تتمثل مهامها في جمع المعلومات وتزويد حكومات بلدانها بها لتعزيز قاعدة البيانات حول ذلك البلد أو تلك المنطقة...
أما سويسرا فإنها دولة رأسمالية متقدّمة، تعد قرابة سبعة ملايين نسمة، 20% منهم أجانب (موظفون بالأمم المتحدة والمنظمات الأخرى، أو موظفون وعاملون أجانب، معظمهم من البلدان الأوروبية المُجاورة) ويُقدّر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 82 ألف دولارا، سنة 2019، وفق بيانات البنك العالمي، لكن هذا المُعدّل يُخفي حيقية التفاوت الطّبقي، حيث يُقدّر عدد الفُقراء بنحو سبعمائة ألف شخص، أو ما يُعادل 10% من العدد الإجمالي للسّكّان، تحت خط الفَقْر، وتُهيمن سويسرا على حركة التجارة العالمية للغذاء (وليس إنتاجه) والعديد من المعادن الثمينة، وتُصدّر السلاح إلى العديد من مناطق العالم.
نشرت صحيفة "نيو تسوخر تسايتونغ" (06 كانون الأول/ديسمبر 2018) تقريرًا، اعتمد على معطيات "برنامج بيانات النزاعات"، أن 30% من صادرات الأسلحة السويسرية لسنة 2017 (140 مليون فرنك سويسري)، كانت موجهة إلى مناطق الحروب العدوانية أو النزاعات الدّاخلية (التي تُشعلها دول أو شركات ذات مصالح في ذلك البلد أو تلك المنطقة)، وصدّرت خلال الفترة الفاصلة بين عاميْ 2000 و2017، عتادا حربيا إلى ما لا يقل عن 32 بلدا تشهد نزاعات وحروب، وارتفع حجم صادرات السلاح، خاصة إلى آسيا (الهند وباكستان وتايلند...)، بعد تحفيف البرلمان السويسري، بقيادة اليمين "الشّعْبَوي" (أي المتطرف) اللوائح المنظمة لهذه التجارة سنة 2014، كما ارتفعت صادرات السلاح السويسري إلى أفغانستان وللمنظمات والمليشيات الإرهابية بسوريا واليمن وغيرها.
تدّعي الدّعاية الحكومية السويسرية "المحايدة"، أنها دولة ذات تقاليد إنسانية وتحترم حقوق الإنسان، في حين نشرت منظمات حقوقية، بنهاية سنة 2019، تقارير مُوثّقة عن وجود أسلحة سويسرية استخدمتها السعودية ضد الشعب اليمني، وتُظْهِر بيانات الدّولة لسنة 2018، تصدير شركات صناعة الأسلحة السويسرية (بموافقة مُسبقة من الحكومة) عتادًا وأسلحة إلى 64 بلدا بقيمة 510 مليون فرنك سويسري، ولكن هذا الرقم لا يُمثّل سوى قسطًا من صادرات الأسلحة السويسرية، وفق تقرير للمكتب الإتحادي لتدقيق الحسابات، بشأن صادرات السلاح لسنة 2016، ويُقر التقرير "سهولة انتهاك قواعد ولوائح تصدير الأسلحة، فيما توافق السلطات السويسرية توافق على جميع طلبات تصدير العتاد الحربي التي تصلها"، سواء توجّه السلاح إلى دولة أو إلى مجموعة إرهابية، وتمر الأسلحة التي ينتهي بها المطاف في سوريا، عبر الولايات المتحدة وألمانيا والدنمارك، و تركيا أو قَطَر ودُوَيلات الخليج الأخرى، وكذلك الشأن بخصوص اليمن أو ليبيا أو الصّومال أو بلدان إفريقية وآسيوية أخرى، كما يمكن لشركات تصنيع وتصدير السلاح السويسري أن تتجنب التدقيق، من خلال الإدّعاء أن الأسلحة "مخصصة للاستخدام المدني"، بحسب تقرير نشرته صحيفة "تاغس أنتسايغر"، التي تُقدّر حجم صادرات السلاح السويسري بقيمة تفوق مليار فرنك سويسري...
ذكّرت بعض المنظّمات الدّاعية إلى حَظْر تصدير السلاح إلى اليمن، أن العدوان على شعب هذا البلد خَلّفَ، من 2015 إلى 2020، أكثر من 20 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة وشرد ما يزيد عن 3,6 ملايين شخص، وقتل ما لا يقل عن 130 ألف شخص، وتشريد أربعة ملايين شخص من أماكن سكنهم، وأدى إلى تدمير نصف المرافق الصحية، بينما أدى انتشار جائحة كوفيد - 19 ووباء الكوليرا وسوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى تسجيل آلاف الوفيات الإضافية.، ويتوقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن يُعاني أكثر من ستة عشر مليون يَمَنِي من الجوع سنة 2021.

اليمين المتطرف بسويسرا:
يُعْتَبَرُ "حزب الشّعب السويسري" أكبر حزب بالبلاد، وهو حزب يميني متطرف، تأسّس سنة 1917، وغَيَّر مَظْهَره وأُسلوب خطابة، واندماجه مع بعض الأحزاب الصغيرة، سنة 1971، ثم بمنتصف تسعينيات القرن العشرين، قبل دون التّنكّر للإيديولوجيات الفاشية والنّازية، وحصل الحزب على 65 مقعدا بالبرلمان، من أصل مائتَيْن، بانتخابات تشرين الأول/اكتوبر 2015، ثم أصبح يُسيطر على ثُلُث مقاعد البرلمان الإتحادي، وهو أكثر حزب تمثيلاً في حكومة سويسرا الإتحادية، ويُسيطر على دواليب الوزارات السّيادية، بتحالفه مع أحزب أخرى، مثل الحزب الليبرالي، وأدّى التّأثير المتزايد لليمين المتطرف في الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام والمجتمع إلى جمع "حزب الشعب" (اليميني المتطرف) مائة ألف توقيع، سنة 2016، من أجل تنظيم استفتاء لجعل القانون السويسري فوق القوانين والمعاهدات الدّولية، ونجح في إقرار قوانين استثنائية سنة 2020، ثم إقرار قانون "مكافحة الإرهاب" (أيار/مايو 2021)، الذي يمنح السلطات الأمنية صلاحيات واسعة كمُراقبة وحجز واستجواب المُشتبه بهم، اعتبار من سن الطفولة (12 سنة) ووضع أطفال في سن الخامسة عشر قيد الإقامة الجبرية لفترة تسعة أشهر، واعتبر مركز الأبحاث السويسري "فوروس"، مجموعة الإجراءات المتخذة منذ سنوات نَسْفًا للحقوق الأساسية، ضمن خطط أمْنِيّة "تستخدم أدوات عقابية استِباقِيّة وتعسُّفية ضد أشخاص لم يرتكبوا أي جريمة جنائية"، في موطن منظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر ومجموعة كبيرة من المنظمات الإنسانية ومجموعات الإغاثة، وتتخوف منظمة أطباء بلا حدود من توسيع مفهوم "الإرهاب"، لكي يُعْتَبَرَ "تقديم مساعدة إنسانية أو مساعدة طبية أو حتى الاتصال بجماعة مسلحة عبر الهاتف، بمثابة تواطؤ ودعم للإرهاب"، وأعلنت الناطقة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "إن القانون قد يؤثر على عدد من حقوق الإنسان بما فيها حرية التنقل والتعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، إضافة إلى الحق في الخصوصية والحياة الأسرية... وتوسيع تعريف الأعمال الإرهابية ليشمل السلوك غير العنيف"، وانتقدت مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان التعريف المبهم لـ"إرهابي محتمل" المنصوص عليه في القانون و"الذي يمهد الطريق أمام تفسير واسع ينطوي على خطر التدخل المفرط والتعسفي في حقوق الإنسان"، ويمكن تلخيص هذا "التعريف الواسع للنشاط الإرهابي بأنه يشكل نموذجا للحكومات الاستبدادية التي تسعى لقمع المعارضة السياسية"، لكن القانون السويسري لا يسمح بمراقبة عناصر اليمين المتطرف، بمن فيهم "النّازيون الجُدُد" الذين يحملون المدافع الرشاشة ويعلنون عن تأييدهم لأندريس بريفيك، منفذ هجمات النرويج عام 2011، أو مُنفّذ هجوم نيوزيلاندا، لأن هذه المجموعات ليست مُصَنّفَة، ضمن المجموعات الإرهابية...
كشفت احتفالات سويسرا بعيدها القومي، في الأول من آب/أغسطس سنة 2005، خَطَر اليمين المتطرف الذي تمكّن من تجنيد أكثر من ألف شاب وشابة (من حليقي الرؤوس، مُرْتَدِي الملابس السوداء والأحذية العسكرية...) تجمّعوا بهذه المناسبة لاتهام الرئيس السويسري (منصب شَرَفي)، المُنْتَمِي أيضًا إلى حزب يميني، بالخيانة والتبعية وبيع البلاد، وقاطعوا خطابه بحملة مُنَظَّمَة من الهتافات المعادية لسياسته، وبالصّفِير، عندما تطرق إلى حرية العقيدة، وإلى التعايش السلمي بين الثقافات المختلفة وضروة التعاون من أجل تحقيق الإندماج بين شرائح المجتمع، والإشادة بدور الأجانب في بناء سويسرا الحديثة، التي لا تمنع قوانينها الأحزاب المتطرفة "طالما لم تتسبب في زعزعة السلام الإجتماعي الداخلي... وطالما بقي نشاطها محصورا في توجيه النقد الحاد للساسة وكراهية الأجانب..."، لأن ذلك "يندرج ضمن حرية الرأي والفكر، وتعتبر قوى اليسار (الضعيفة) أن على الدّولة حماية الأجانب، لأنهم جزء من النسيج الإقتصادي والإجتماعي
دولار أمريكي واحد = 0,92 فرنك سويسري ( أو فرنك سويسري = 1,08 دولارا)، يوم الجمعة 24 أيلول/سبتمبر 2021.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية