إنتصار الرئيس قيس سعيد

هيثم بن محمد شطورو
2021 / 9 / 27

محاولات إغتيال الرئيس التونسي الاستـثـنائي في تاريخ تونس، والاستـثـنائي عربيا وعالميا بمقاسات النزاهة والزهد في السلطة وهو يتربع أعلى هرمها. هذه المحاولات التي تكلم عنها الرئيس قيس سعيد نفسه، خلافا لما تداولته وسائل الإعلام المختلفة، قابلها قيس سعيد بالقول انه لا يخاف إلا الله وانه مستعد للاستـشهاد، وقال ضمنيا من خلال عديد المناسبات أن السلطة لا تعنيه شيئا إلا من حيث كونها أداة لخدمة مصالح الشعب وإرضاء رب العالمين.
هذه هي القوة الروحية العظيمة التي بعثت في تونس والعالم اليوم في زمن ابتـذال السياسة كحكمة ومشروع غايته الخير العام. في زمن أصبح فيه السياسي عنوانا للصوصية والكذب والخداع. في زمن أصبح فيه الحكام موظفين لدى أصحاب النفوذ المالي والسياسي المحليين والدوليين. في زمن اغتراب الروح، في زمن الوضاعة.
الوضاعة التي يقابلها النبل، وهنا يمثل قيس سعيد بحق الوعي النبيل وفق ما مفهمه الفيلسوف الكبير بل الفيلسوف الفلسفة نفسها إن شئنا تمرير موقفنا الشخصي من الفلسفة. لقد قال هيغل : " الوعي النبيل هو بطولة الخدمة، أي الفضيلة التي تضحي بالكينونة الفردية لأجل الكلي. هو الشخص الذي يزهد من تلقاء ذاته في التملك والمتعة.."
هذه القوة الروحية هي التي جذبت الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي إلى الرئيس. وقد تنظر إلى المسألة من زاوية الانجذاب المعبر عن النظرة المصلحية المادية بحكم استيقاظ الأمل في إعادة توزيع الثروة وفق العدل الاجتماعي والعدالة، فإن المضمون الروحي المعبر عنه بالتعبير عن الكل الذي هو الماهية الجوهرية القابعة في الأعماق والساكنة والتي تتحرك حين يتوفر العنصر الحي المجسد لها موضوعيا في الواقع، يجذب في نفس الوقت منطق المصلحة الفردية وفق سياقها الكلي، أي وفق الدولة بما تعنيه من عدل وقوانين عادلة ولكن بالأساس كحكومة عادلة فاعلة للعدل في الواقع. وهنا تندمج كليا الحياة بما هي طبيعة وثقافة في قفزتها نحو السمو الروحي والمادي. فخير المجموعة لا يكون إلا بعمل المجموعة وفق المصلحة الجماعية التي تـقـتضي ضرورة العدل. لقد قالها ابن خلدون "العدل أساس العمران".
تبدو هذه اللحظة التاريخية في تونس وقد ارتـفع فيها الوعي العام نحو الكلي، الوطني، وكأن كل فرد ينظر إلى نفسه كآخر، كـ"الغاية بما هو قانون كان ليكون من هذا الوجه ككلية تستقيم بالنسبة إلى وعيه"، وفق ما حدده هيغل في كتابه فينومونولوجيا الروح.
الانجذاب الشعبي المهول اليوم إلى الرئيس قيس سعيد باعتبار نبالته أو تمثيله للوعي النبيل المنبعث كالشمس من وراء الظلمات للوضاعة والفساد والرذيلة والأنانية المقيتة قصيرة النظر إلى مصلحتها الحقيقية نفسها والى غاية وجودها، هو انجذاب ثوري بما أن الرئيس حقق إرادة الشعب التي عبر عنها الشعب في عديد المناسبات وبمختلف قواه الحية عبر هذه السنوات التي لم يهدأ فيها منذ بداية الثورة على نظام بن علي، وآخر هذه التعبيرات هي شمول الحالة الثورية لمختلف الفئات من الشعب وخروج من لم يكن يخرج في المظاهرات يوم 25 جويلية 2021، بل كثيرون منهم كانوا يستهزئون فيما مضى بمن كان يخرج للتظاهر في الشوارع قائلين بما معناه أنهم " كلاب تنبح على طائرة"، وخرجوا للنباح في هذا اليوم ضد الفساد وممثله الرسمي في الحكم، حركة النهضة الإسلامية وحلفاؤها في الحكم..
يجب أن نحدد المفهوم الرئيس للما يحدث حاليا في تونس بأنه حالة ثورية، وبأن هذه الحالة قد تعمقت في الشعب بفضل السلطة الوضيعة للإسلاميين والفاسدين على مر هذه السنوات. العنوان الوضيع سياسيا وروحيا واقتصاديا وصحيا واجتماعيا، هو المحفز الضروري لتعمق الثورة وتغلغلها في الأرض إلى غاية ما رأيناه يوم 25 جويلية المنصرم. فهناك حالة ثورة انتشرت شعبيا والثورة هي فعل ثوري ولكن هي أساسا وعي ثوري.
بالعودة إلى المسار الذي تمت صياغته بعد انفضاض اعتصام القصبة 2 في 2011، والذي تمت تسميته بالمسار الديمقراطي بما هو مرحلة انتقالية لتأسيس الديمقراطية، تمت عملية تحويل في العنوان السياسي، من الحرية والعدالة إلى عنوان المسار الديمقراطي. عملية تحويل مطلب الحرية في المسار الديمقراطي والعدالة الاجتماعية بكونها ستتحقق بنجاح هذا المسار. والمسار الديمقراطي تم تحديده ليس وفق بناء الأسس الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي يجب بناؤها لتحقيق الديمقراطية، وإنما بانتخابات في إطار تعددية حزبية مهولة، ولكنها في النهاية إفراز لقوى رئيسية هي حركة النهضة وحلفاؤها، وبالتالي الدخول في منطق الصراع الإيديولوجي والصراع بين الخط الوطني والخط العميل للأجنبي. هذا المسار الذي لم يكن لينتج إلا تـفتـيتا للسلطة لصالح إرادة بناء مفهوم جديد للدولة هو غير ديمقراطي ولكن دولة اسلاموية استبدادية وهنا تمحور الصراع الأساسي على مختلف الأوجه. هذا الصراع الذي تحملته القوى اليسارية ودفعت فيه شهيدين من قياداته وهما شكري بالعيد ومحمد البراهمي، أدى في النهاية إلى شبه توافق أو هدنة بين النظام القديم بمصالحه ومراكز نفوذه وحركة النهضة. هذا التوافق كان على المستوى الاقتصادي إغراق تونس في الاقتصاد الريعي وإغراقها بالتالي في العجز الاقتصادي وتدمير ما تبقى من القوة الإنتاجية المحلية لصالح التجار الجدد الذين غمروا البلاد بالسلع التركية.. هذا المسار الذي أفقر الطبقة الوسطى وأفقر البلاد وهذا المسار الذي أنهك الدولة.. هذا المسار الذي جعل من الدولة كنتونات متوافقة وعصابات متوافقة على نحر الشعب والوطن.
وإعلاميا تم ترسيخ ثقافة التفاهة الحداثوية والتقليدية، وهذا المسار الديمقراطي، سار حثيثا بالبلاد نحو الانحطاط الأخلاقي على كل المستويات. فالحالة متشابكة جدا بين الروحي والمادي وبين الاقتصادي والسياسي والأخلاقي. وبالتالي فالديمقراطية بفضل هذا المسار أصبحت عنوانا للفساد في كل المستويات، وعشر سنوات أصبحت تُـنعت بالعشرية السوداء..
وتحركت جوقة الإعلام المعادي للشعب وللرئيس بالتركيز حول نقطتين وهما غموض المستـقبل في ضل غياب تـشكيل حكومة وموعدا لانتخابات جديدة، والنقطة الثانية التركيز على الدستور وحولت منابر الإعلام الأجواء العامة وكأن الشعب في قاعة محاضرات للسنة الأولى من الحقوق في مدارج القانون الدستوري، للذهاب إلى عدم دستورية إجراءات الرئيس وبالتالي توصيف الأمر بكونه انقلابا على الدستور، وبالتالي هو منقلب على الشرعية، ومن هنا يفقد بدوره شرعيته كرئيس، وبالتالي المطالبة بتـنحيته من الرئاسة، وفعلا تجسد هذا المطلب في المظاهرة الأخيرة ليوم الأحد 22 سبتمبر 2021، في تونس العاصمة، ولكن يا لخيبة المسعى، فبرغم التجيـيش والكذب والأموال فإن المظاهرة لم تتجاوز على أقصى تقدير الثلاثة آلاف مشارك، وهو ما يدلل بعمق على الرفض الشعبي الغالبي لهم ولخطابهم بل لتجاوز الوعي الشعبي لهم ولمختلف وسائلهم التـقليدية البالية.
ومن هنا، إذا أدرجنا توصيفا واقعيا وحقيقيا للأزمة السياسية في تونس، فهي أزمة تمثيلية حقيقية للشعب غائبة، منذ 2011 إلى اليوم. تمثيلية الثورة لازالت غائبة في السلطة والحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي اغلب المنتوج الإعلامي.
وماذا تحقق في النهاية من جوقة المعارضة لرئيس الجمهورية الممثل الأوحد للشعب؟ الذي تحقق أن المظاهرة البائسة الأخيرة التي طالبته بالتنحي، قد أعطت شرعية إضافية للقرارات الاستـثـنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية يوم 22 سبتمبر والتي بمقتضاها حصر كل السلطات بين يديه. ذاك الحصر الذي كان من المفترض من الناحية المجردة أن يثير جميع النخبة المثقفة وقطاعات مختلفة من الشعب، إلا أن الجميع صمت عنها برغم استهجانه لمسك الرئيس لكل السلطات. لماذا باركت النخبة تلك القرارات؟ باركتها لأن الرئيس قام بعمل أساسي وتأسيسي للمرحلة القادمة، والمتمثل بالأساس في إزاحة الأخوان المسلمين المتمثلين في حركة النهضة الإسلامية عن الحكم. لا دولة ولا ديمقراطية ولا مسار سياسي تقدمي وتاريخي ولا ثورة تكون بالإسلام السياسي. هذا العمل هو الذي يمثل المعطى الجوهري والأساسي في انجاز الرئيس وفي شعبيته وفي قوة تمثيليته للغالبية الساحقة من الشعب. الغالبية الساحقة التي كان جزء كبير منها قد رفع حركة النهضة إلى الحكم سنة 2011، وقد أدركوا بمرور هذه السنوات بأنهم أدخلوا البلاد في جحيم مريع. مقابل هذا الجحيم يمثل قيس سعيد المنقذ من الجحيم، فأي رجل يحارب هؤلاء الأغبياء..
المظاهرة الأخيرة ليوم الأحد التي أرادت تنحية الرئيس، هي في النهاية جنازة قاموا بها لدفن أحزابهم وكياناتهم السياسية وجميع الهيكليات السياسية التقليدية التي أثبتت وضاعتها وتمثيليتها لمصالحها فقط على حساب الشعب وباسم الشعب. تمثيليتهم لوضاعتهم باسم الرفعة الإسلامية..
وبلغة الفيلسوف "هيغل"، فالمظاهرة الأخيرة قامت بالتعبير عن عنوان تاريخي متقدم جديد، وهو انتصار الوعي السياسي النبيل على الوعي السياسي الوضيع. انتصار الصدق على الكذب والخداع. انتصار النزاهة على الوساخة. الوعي النبيل الذي يمثله سيادة الرئيس قيس سعيد والوعي الوضيع الذي يمثله راشد الغنوشي ومن يدافع عنه من اليسار واليمين.
قال هيغل في كتابه "فينومونولوجيا الروح ـ ترجمة د ناجي العولني":
" الوعي النبيل هو بطولة الخدمة، أي الفضيلة التي تضحي بالكينونة الفردية لأجل الكلي. هو الشخص الذي يزهد من تلقاء ذاته في التملك والمتعة.."
" الوعي الوضيع يرى في عنف السيادة غلا للكون لذاته واستبدادا به، ولذلك فهو يكره الرئيس، ولا يمتـثل إلا على مضض، ويُعد دوما العدة للمثاورة. هذا الوعي لا ينتهي عبر الثروة إلا إلى الوعي بالفردية وبالمتعة الآفلة فإنه يحبها، لكنه يكرهها أيضا، للوعي بكونها زائلة".
وهذا ما يجعل "قيس سعيد" الممثل للثورة والشعب والدولة.. هو في سبيل تحقيق دولة الثورة. هو في سبيل تحقيق غاية تاريخية عظمى يتملك الوعي التام بها وبالتالي الإرادة الصميمة القوية والهادئة لتحقيقها...

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية