الحزب اليساري أداة للطبقة الاجتماعية وليس ملكا لمؤسسيه(4)

نهاد ابو غوش
2021 / 9 / 27

دعونا نتفق أولا على من وما هو اليسار، وما هي المعايير والضوابط والمقاييس الفكرية والعملية التي تحدد ما إذا كان حزب ما، أو شخص ما يساريا. من المؤكد أن الأمر لا يرتبط بما يطلقه الفرد أو التنظيم على نفسه، ولا على ما يدعيه او يدعيه خصومه، ولا على لون اليافطة التي يرفعها الحزب أو التيار، حمراء كانت أو بيضاء أم برتقالية حسب موضة الديمقراطيات الشعبوية الأوروبية الخارجة من بيروقراطيات اوروبا الشرقية. كما أن هوية اليسار لا تتحدد بموجب الماضي الذي كان عليه هذا الحزب أو ذاك، حين كانت لليسار جاذبية ما في أوساط الشباب والشابات خصوصا، وكانت لبعض اعضاء قياداته امتيازات ما في منتجعات أوروبا الشرقية، والمنح التي تقدمها دول الكتلة الشرقية فيوزعها كبار الرفاق على الأبناء والأقارب والمحاسيب.
المعايير التي سنطرحها في هذا المقال ليست خاصة باليسار الفلسطيني أو العربي، بل بكل تشكيل سياسي في مختلف بلدان العالم وعبر العصور.
بداية لا بد من القول أن مصطلح اليسار هو مصطلح نسبي، متغير وتاريخي ومتحرك، أي أنه مرتبط بظروفه ومكانه وزمانه، وليس بالضرورة أن يكون الوصف إيجابيا ويشفّ عن المديح والثناء، فلاديمير ايليتش لينين نفسه استخدم وصف اليسار الطفولي/ الصبياني، ومرض اليسارية الطفولي في الشيوعية، لاتجاهات قائمة في الحركة الاشتراكية الثورية، وهي كانت بالتحديد تطلق على الاتجاهات المغامرة، الإرادوية، المعزولة عن الجماهير والتي لا تثق بدور الجماهير ولا تعتمد عليها بل تؤمن بدور الكوادر الأفراد، كما أنها لا تؤمن بالتنظيم والقواعد الانضباطية الصارمة لعمل الحزب، ولا بتراكم النضال الجماهيري والمطلبي، ويميل بعضها إلى التفكير الانقلابي المغامر الذي قد يودي بالحركة الثورية.
وعن نسبية اليسار يمكن لنا مثلا أن نصف الحزب الديمقراطي الأميركي بأنه يساري بالنسبة للحزب الجمهوري، وحزب العمال البريطاني بالنسبة لحزب المحافظين، ولكن الحزبين اليساريين السابقين هما يمينيان بامتياز قياسا بالتيارات اليسارية والتقدمية والاشتراكية التي يوجد بعضها في هذه الأحزاب ذاتها، ومع أن مصطلحي اليسار واليمين حديثان نسبيا ويرتبطان بالثورة البرجوازية في فرنسا، إلا أنه يمكن لنا ملاحظة نزعات يسارية في مواقف قادة وافراد في عصور سحيقة كما هو الحال مع تراثنا العربي الإسلامي ومواقف شخصيات بارزة مثل علي بن ابي طالب وأبي ذر الغفاري.
أهم صفات اليسار هي الانحياز الطبقي والاجتماعي، للفقراء والمهمشين، وللطبقات الكادحة، والطبقة العاملة بالتحديد، ولا يرتبط الأمر بالإعلانات والمشاعر والنوايا بقدر ما يرتبط بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية، والمواقف من حقوق العمال ومكاسبهم وامتيازاتهم وظروف عملهم، والنضال النقابي المطلبي والتنظيم النقابي للعمال، هذا الانحياز يجب أن يتبين من خلال الإعلان الصريح للهوية الفكرية والطبقية، وليس أمرا متروكا للظروف والانتقائية وحسابات اللحظة المتقلبة، كما ينبغي أن ينعكس في السياسات التشريعية والنضال الاجتماعي والتحالفات الطبقية في المجتمع.
الصفة الثانية تتجسد في الانحياز لأفكار التقدم والتجديد والحداثة، والانحياز للعلم والمعرفة في مواجهة الجهل والخرافة والأساطير والأفكار العنصرية والتمييز، لأن مصلحة الطبقة العاملة هي في هذا التجديد والتقدم، وكسر القيود والقوالب القديمة والمحافظة التي كرستها الطبقات الرجعية لخدمة مصالحها، مع تقدم العلم والصناعة والمجتمعات، وتعزيز الطابع الاجتماعي والجماعي للعمل والإنتاج، تصبح علاقات الإنتاج قيدا على تطور القوى المنتجة، وعلى العلاقات الجديدة التي يستدعيها التطور ويتطلبها.
الصفة الثالثة هي تبني قيم الديمقراطية ومبادىء العدالة الاجتماعية والنزاهة والشفافية والمحاسبة وحقوق الإنسان، والمساواة امام القانون وفي الحقوق والواجبات، والمساواة بين المرأة والرجل، والمساواة بين مختلف المكونات القومية والعرقية والدينية والمذهبية والجهوية لاي مجتمع على أساس دولة المواطنة.
كل ما سبق ينبغي أن ينعكس أيضا في البنى التنظيمية والهيكلية لأي حزب يساري بحيث تتأسس مبادىء حياته الداخلية والتنظيمية على مبادىء الديمقراطية والمحاسبة والمراقبة، ولا يمكن ان يستقيم ذلك مع الحالة التي نعرفها جميعا ونلمسها في واقعنا العربي والشرق أوسطي والفلسطيني من تخليد للقادة وتابيد استئثارهم بالمواقع القيادية الأولى إلى درجة حرصهم على توريث من يختارونهم همحسب الولاء لهم وليس حسب الطاقة والإمكانيات والجدارة النضالية. يواصل هؤلاء القادة التغني بمآثرهم وسيرتهم الأولى، مع أن حقيقة الحال أن بعض القادة التاريخيين والمؤسسين تحولوا إلى عبء على أحزابهم وفصائلهم، وعلى فرصها في التقدم والتغيير وفي أن تتحول إلى قوى مؤثرة بالفعل في حياة مجتمعاتها وشعوبها، فما كان صحيحا في الماضي لا يمكن ان يكون صحيحا في كل وقت، ولا يجرب المجرّب إلا من كان عقله مخربا، ومن فشل في تحويل حزبه إلى حزب طليعي جماهيري لعشرات السنين لا يمكن له أن ينجح في الفترة التي بقيت له من عمره، ومن الطبيعي أن كل جيل جديد، بل كل قائد جديدن يحمل معه من الزخم والحماس ما يمكن ان يؤثر على مسيرة حزبه، بينما استقرار بعض الأفراد في مواقعهم للأبد لا يساعد إلا على التكلس والجمود.
أخيرا فإن المبادرة إلى تأسيس أو المسساهمة في تأسيس حزب كفاحي يساري هي بحق مأثرة ومجد يسجل لصاحبه، ولكن الحزب لا يعود بعد ذلك ملكا شخصيا لمؤسسيه بل هو اداة في يد الطبقة او الشريحة الاجتماعية التي نشا لتمثل همومها ومصالحها وبرنامجها، فهل يتعظ يساريونا العتيدون فيفتحوا ابواب أحزابهم للشمس؟

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية