الجامعة اللبنانية دخلتها متأخرا وخرجت منها مبكراً

محمد علي مقلد
2021 / 9 / 27

الجامعة اللبنانية : دخلتها متأخراً واستقلت منها باكراً
في عمر الأربعين صرت أستاذاً في ملاك الجامعة اللبنانية. كان ذلك عن طريق الصدفة وبتحفيز من رفيقة عمري دنيا. ذلك أنني كنت راضيا بما حصلته، مكتفيا بشهادتي الجامعية وبراتبي في التعليم الثانوي. لم يكن الحزب مسؤولاً عن إفراغ ما في داخلي من حيوية، وعن قتل قلق متجذر في نفسي يصح فيه قول المتنبي، على قلق كأن الريح تحتي، غير أنه أقنعني، واكتشفت لاحقاً أنه أوهمني، بأن مسار الأحداث سينقلنا إلى حيث تكون الجامعة تفصيلاً ثانوياً، وسيكون من شأن التغييرات الجذرية تأسيس حكم وطني ديمقراطي يفسح في المجال أمام انتقاله إلى الاشتراكية (عنوان وثيقة المؤتمر الثالث التي دخلت أنا وزوجتي إلى الحزب بعد صدورها). بهذا البديل المتخيل أسلس الحزب قلقي وروضه، من غير أن يقتله، ولاسيما بعد أن أقنعنا جورج حاوي في عام 1981 بأن نستقيل من وظائفنا ونمضي في تفرغنا للعمل الحزبي إلى حيث تنتظرنا مهمات كبرى ستتولاها حركة ثورية من طراز جديد.
أشهد أن زوجتي دنيا هي التي مسحت عن ناظري هذا الوهم الجميل، وحالت دون ارتكابي تلك الحماقة، وكانت تقف بحزم ضد نزوتي الثورية حين نكون وحدنا، وهي التي واجهت حرص الرفيق علي العبد على تنفيذ قرارات الحزب، واقتناعه بما كانت تجود به علينا مخيلة الأمين العام، واجهت ذلك بحرص أكبر على مستقبلي. قال لها مرة محاولاً ثنيها عن موقفها، أيهما أفضل في نظرك، أن يكون أستاذاً في الجامعة أم مسؤولاً عن أساتذة الجامعة ؟
عام 1987 ناقشت رسالة الدكتوراه في السوربون أمام لجنة رباعية يرئسها المستشرق الفرنسي دومينيك شوفالييه الذي يعرف لبنان جيداً ووضع كتاباً عن تاريخ جبل لبنان في زمن السلطنة، أما استاذي المشرف، ميشال باربو، فكان هو الآخر مستشرقا قضى بعضاً من عمره الأكاديمي في سوريا. استاذي المشرف أعجب برسالتي المعدة لنيل شهادة الدكتوراه الحلقة الثالثة، وحين استلمها للاطلاع عليها كاملة في خريف عام 1986 كان قد صدر قرار فرنسي يعيد تنظيم الدراسة الجامعية، ألغي بموجبه نظام الدكتوراه القديم ذو الحلقتين، حلقة ثالثة ودكتواره دولة، واستبدل بشهادة واحدة، هي شهادة دكتوراه من غير صفة ملحقة بها. عرض علي أستاذي عرضاً سخياً من شأنه أن يعفيني من كتابة رسالة أخرى لنيل شهادة دكتوراه دولة، وأشار إلي أن أكتب له طلباً يتضمن رغبتي في تحويل رسالتي إلى النظام الجديد، فوافقته شاكراً.
ليست المرة الأولى التي يكون فيها ميشال باربو في مثل هذا السخاء والرعاية الحقيقية لطالب لبناني تعيش بلاده في ظروف قاسية جداً وتخضع للاحتلال. ففي خريف 1983، حين تسجلت في قسم الدراسات العليا كنا قد أتينا من بودابست إلى باريس، أنا وزوجتي وصديقي الدكتور شبيب ذياب وزوجته ميريانا، في سياحة قسرية بعد أن أقفل الاجتياح الاسرائيلي مطار بيروت، وعندما وجدت نفسي مرغماً على تمديد الإقامة بانتظار إعادة فتح المطار، استقبلني الدكتور باربو بترحاب ووافق على موضوع اقترحته عليه يتعلق بدراسة عن علاقة الشعر بالسياسة.
كانت دراسة الدكتوراه تتطلب الإقامة في باريس ومتابعة محاضرات الأستاذ المشرف، على الأقل في السنة الأولى التحضيرية، سنة الدراسات العليا. بعد مرور شهرين، فتح المطار مدارجه، غادرت باريس عائداً إلى لبنان تلبية لنداء الواجب، وهو نداء داخلي ، فأنا الذي بادرت من تلقاء نفسي وقررت العودة، ولم تأتني الدعوة من القيادة، وتخليت عن متابعة الدراسة لأنها لم تكن ضمن أولوياتي أصلاً، بل إنني تخليت عن عروض سخية من صديقي وعديلي شكيب قاطبي للإقامة على حسابه في فرنسا أو لموافاته إلى الغابون في أفريقيا، وتعهد لي بتعويض ما يمكن أن أتقاضاه من رواتب في وظيفتي. كان ذلك حرصا منه على حياتي لأنه يعرف أنني سأعود للمشاركة في النضال الصعب ضد الاحتلال.
دومينيك شوفالييه، رئيس لجنة المناقشة، كان يشبه الحزب في منهجه التكفيري، فهو لم يخف تعصبه للمركزية الأوروبية التي لا تعترف بحق شعوب المستعمرات في استخدام المصطلحات ذات المنشأ الأوروبي، كمصطلحي الإقطاع والفاشية، ولهذا كان قد أطلق على الإقطاعي في بلادنا إسم "مقاطعجي"، واستكثر أن تنطوي حربنا الأهلية على بذور فاشية. اكتشفت لاحقاً أن شوفالييه ربما كان محقا في الثانية لأن المتقاتلين في الحرب اللبنانية كانوا أدوات صغيرة بين إيدي الكبار. فيما لم ينتقص تعصبه للمركزية الأوروبية من كونه عالماً وباحثاً كبيراً. أما ميشال باربو فقد أخذ بعين الاعتبار أوضاع بلادنا وعاملني بمحبة وبرر غيابي عندما بعثت إدارة الجامعة تطلب مني الخضوع لامتحان باللغة الفرنسية لكي توافق على تسجيلي رسمياً في صف الدراسات العليا. حين وصل الطلب إلى مقر إقامتي في فرنسا، استلمته زوجتي وبررت لأستاذي عودتي المفاجئة إلى لبنان لأسباب عائلية متعلقة بظروف الحرب والاحتلال، فتعهد بأن يعفيني من الامتحان وأن يغطي غيابي أمام إدارة الجامعة.
نقاش الرسالة تم في الحادي والثلاثين من آذار وبطاقة العودة إلى لبنان في الأول من نيسان. كان من المستحيل الحصول على إفادة من الجامعة في اليوم ذاته لأحملها معي في اليوم التالي، فتكرم طوني داغر زميلي وصديقي من أيام الثانوية، وهو مقيم في باريس ويعد رسالة دكتوراه في الرياضيات، بأن يمر على السوربون صباحاً ويوافيني إلى المطار حاملاً معه إفادة عن شهادتي الجامعية.
فور وصولي إلى صيدا استقبلتني حكمت صباغ الخطيب، المديرة السابقة للثانوية، وزوجها نزيه الخطيب ونحن نشاركهما السكن في المبنى ذاته، وتوليا الاتصال من هاتفي المنزلي برئيس الجامعة يومذاك الدكتور ميشال عاصي زميلهما في الدراسة ورفيق دربنا في الحزب الشيوعي وطلبا منه تسهيل حصولي على تعاقد بالساعة في الجامعة اللبنانية، استغرب بتحبب ولياقة لأن الشهادة عمرها يومان فحسب، ووعد بتلبية الطلب في العام التالي.
بريد الجامعة بين فروع الجنوب والإدارة المركزية كان يتولاه مرة في الأسبوع موظف من منطقة الشوف. ذات نهار سبت وجد في بريده طلباً بإسم محمد علي مقلد ولم يكن على علم مسبق به، سأل فأجابه الدكتور علي شعيب، ممثل الأساتذة في كلية الآداب، بإن الطلب يخص مصطفى سعد. للحقيقة لم يكن الزعيم الصيداوي على علم بذلك. ولذلك قررت أن أزوره بمعية الدكتور علي شعيب لنخبره حتى لا يتفاجأ بالخبر يأتيه عن طريق الجامعة. وللحقيقة أيضاً أن الزيارة حصلت بعد حادثة توفيق التقي، ووجدت نفسي مرغماً عليها للتغطية على "فعلة" الصديق علي شعيب. قبل بداية العام الدراسي حصلت على عقد للتعليم بالساعة وبعدها بسنوات على عقد بالتفرغ مهد لدخولي استاذاً في ملاك الجامعة اللبنانية.
مع أن التجديد الأكاديمي الفرنسي قد وصل إلى لبنان واعتمدته الجامعة اللبنانية لأول مرة في منح شهادة الدكتوراه، إلا أن المسؤولين عن معادلة الشهادات الأجنبية في وزارة التربية أصيبوا بالارتباك، كما أن إدارة الجامعة أصرت على تصنيف شهادتي حلقة ثالثة لا دكتوراه دولة.ما حصل معي حصل أيضاً مع أحد زملائي. هو اعترض على تقويم الجامعة لشهادته وأنا لم أعترض. وأرشدني إلى طريقة الاعتراض النموذجية في لبنان. هو توسط لدى المفتي، أما أنا فقد هيأت نفسي لكتابة رسالة جديدة تخولني الحصول على شهادة دكتوراه دولة من الجامعة اللبنانية. لرسالة جديدة عزمت على إعدادها لنيل
أعددت تصميماً واخترت أحد زملائي ليكون مشرفاً وسلمته مخطط البحث وموضوعه عن حركة الإصلاح الديني ودورها في عملية النهضة. بعد مضي أكثر من عام، لم يأتني جواب من إدارة الجامعة، فلجأت إلى عميد الكلية طالباً منه إعادة النظر بتصنيف شهادتي، فكلف لجنة ثانية لقراءة رسالتي ثم ثالثة لأن القارئ الثاني أطلق حكماً سياسياً ضد منحاها اليساري، وحصلت على معادلتها بدكتوراه دولة. تلك كانت البداية، متاهة إدارية وأكاديمية استنسابية لا تحترم المعايير ولا القوانين. الأدهى من ذلك، أن توقيع العقد مع الجامعة يتم دونما حاجة إلى معادلة الشهادة.
فوجئت حين وصولي إلى بيروت بأن بعض قياديي الحزب، الذين سبق لهم أن اتخذوا قرارهم الهمايوني ذاك وعمموه على قواعد الحزب وعمموا معه حظراً على التواصل معي، تاركين لكل واحد من رفاقي حرية تأويل القرار وتفسير موجباته، وهي كلها تدور حول سياسة التكفير المعتمدة في كل الأحزاب الشمولية كما في الأديان، أن هؤلاء صاغوا إشاعة أغفلت سبب غيابي لشهر ونصف في باريس من أجل نقاش رسالة الدكتوراه. هكذا استقبل الحزب إنجازي الأكاديمي ورماني بتهمة الهروب من "حفلة" الاغتيالات التي طالت رفاقاً أعزاء استشهدوا على أيدي الظلاميين. لكن، رب ضارة نافعة، دفعني ذلك القرار إلى تعميق انتمائي إلى البحث العلمي وإلى البحث في الوقت ذاته عن عاهات القيادة الحزبية.
رب ضارة نافعة: من هو الشيوعي ومن هو الماركسي؟
أطروحتي الجامعية أخذتني إلى قراءات جديدة كان من أهمها ما صدر في المغرب، بعد أن تحولت حرية النشر نحو الدار البيضاء، وصارت ساحة للتفاعل مع الفكر الغربي. محمد عابد الجابري، في ثلاثيته عن الفكر العربي، فتح أمامي أفقاً جديداً شجعني على طرح السؤال: من هو الماركسي ومن هو الشيوعي؟ ذلك لأن قراءة الجابري التراث، وهو بدا مطلعاً على الماركسية من غير أن يدعي الانتساب الفكري إليها والالتزام بها، كانت أكثر إقناعاً لي من قراءة حسين مروه والطيب تيزيني، اللذين أنعم حزبهما عليهما بشهادة الانتماء إلى الشيوعية والماركسية، وتيقنت من أن إفادة ممهورة بخاتم الحزب الشيوعي لا تكفي لمنح الماركسي "شهادة" بماركسيته، لأن الذين يحملون الختم هم أقل ثقافة من الفلاسفة والمفكرين الذين يستحقون الشهادة و يفنون حيواتهم في البحث العلمي.
أكد لي هذا الاستنتاج نص في مجلة الطريق كتبه رفعت السعيد، وكان يشغل منصب الأمين العام للحزب الشيوعي المصري، يروي فيه عن لسان حسن حمدان، مهدي عامل، أن الاختلاف الذي ظهر في حوارهما على مدى ست ساعات، وكلاهما يحمل شهادة حزبية بانتمائه إلى الماركسية، ناجم عن قراءتها بطريقتين مختلفتين: حسن حمدان قرأها من مصادرها الأجنبية ، بينما قرأها رفعت السعيد بعين سوفياتية.
تنويع مصادر القراءة أتاني من غسان الرفاعي الذي طلب إلينا، نحن شلة من العاملين في الحقل الثقافي في الحزب الشيوعي، سناء أبو شقرا، شفيق شعيب، مفيد قطيش، أحمد بعلبكي، نزار مروة، أن نقرأ نصاً لباحث مغربي لم أعد أذكر إسمه(ربما هو كمال عبد اللطيف) في نقد منهج حسين مروة، وعلى وجه التحديد، في نقد قراءته للتراث خلال كتابه عن النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية، وأن نبدي رأينا فيه. ومن جميل الصدف أن هذا النص الذي قرأته في نسخة مصورة ونسيت عنوانه والمجلة التي نشرته، هو الذي أحالني على الجابري وحفزني على ملاحقة ما يكتبه عن التراث العربي، بحثا عن سبيل للنهضة العربية المتعثرة، فوجدت نفسي في بيئة جديدة متحررة من ستالينية الثقافة الحزبية، ينتمي كتابها بأشكال شتى إلى الماركسية وطيفها الفكري ويتأثرون بالجابري أو يجايلونه أو يتتلمذون عليه أو يعارضونه (محمد الوقيدي، جورج طرابيشي، كمال عبد اللطيف، عبد الإله بلقزيز، صادق جلال العظم، كتنويعات وردود ماركسية على كتابات حسين مروة والطيب تيزيني).
فتحت لي هذه القراءات الجديدة الباب على فلسفات شاكست الماركسية وناكفتها من غير أن تضاهيها من بينها منهجا التحليل النفسي والبنيوية، وجعلتني أميل إلى البحث عن أسباب التخلف في بنية المجتمع العربي، في داخله لا في خارجه، وإلى اعتبار العوامل الخارجية عوامل إضافية وثانوية، وتوصلت إلى استنتاج لم أتمكن من البوح به في حينه ولمحت إليه في كتابي عن الأصوليات الصادر عام 1998، وهو أن الفكر التقدمي العربي الذي تبنيناه كان عبارة عن توليفة يسارية وقومية، وأن النزعة القومية الشوفينية تلقحت بالستالينية فأفسدتا منهج البحث العلمي عن الأسباب الحقيقية لتخلف العالم العربي، ما غلب الطابع السياسي الإيديولوجي على الطابع المعرفي في كتابات المفكرين الحزبيين.
رحت أميل بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن الالتزام بالبنية التنظيمية الحزبية الستالينية يشكل في حد ذاته عائقاً أمام حرية التفكير والتحليل، وربما كان هذا هو ما دفعني إلى الاعتقاد بأن إحجام قيادة الحزب عن توفير احتضان معنوي لي عند نيلي الدكتوراه وانتقالي إلى حقل التعليم الجامعي، بل تعاملها معي بجفاء ورعونة، قد حرّراني من أعباء كان يفترض أن تمليها علي موجبات النضال اليومي.
لست أزعم أنني صرت متخصصاً في فكر هؤلاء الفلاسفة، لأن ما كنت ألاحقه في كتاباتهم لم يكن هماً فلسفياً، بل هو بالدرجة الأولى البحث عن إجابة على سؤال شكيب أرسلان المطروح في أواخر القرن الأسبق: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وقد ساعدني على خوض غمار هذه المسألة المعقدة التي بلغ عمرها مئتي عام ونيف، أن محاضراتي الجامعية تركزت على مادتين هما من صميم اهتماماتي اليومية في حقل النضال السياسي والفكري. المادة الأولى تتعلق بدراسة "حضارة البلدان العربية في العصر الحديث" والثانية تتعلق بمنهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية عامة وفي الأدب على وجه الخصوص. أملت عليّ محاضراتي الجامعية أن أتابع ما يكتب عن النهضة العربية وعوائقها، وبعضاً مما يكتب في حقل المنهجية.
في ما يتعلق بحقل المنهجية، خرجت من الجامعة حزينا لسببين، أولاً لأنني لم أكتب محاضراتي ولا نشرت كتاباً ولا بحوثاً في الموضوع، مع أنني، على ما أزعم، كنت أول من أدخل هذه المادة بصيغتها الجديدة على الجامعة اللبنانية (مناهج وليس تقنيات)، وحين وضعت توصيفها طلب مني عميد كلية الآداب في حينه، الدكتور ناصيف نصار، أن أزوّده بهذا التوصيف ليعممه على فروع الجامعة، وثانياً لأنني حين استقلت من الجامعة كان لا يزال علم المنهجية يدرس فيها متأرجحاً بين أن يكون مادة في تعليم التقنيات أو أن يكون مادة في دراسة الأصول الفلسفية لمناهج البحث، وكان قلة من الزملاء قد ولجوا هذا الحقل وهم على أبواب سن التقاعد.
إن أنس لن أنسى أن رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية، الفرع الخامس في الجنوب، طلب من أحد الطلاب الذي كان يعتقد أنه"يمون" عليه حزبياً، أن ينظم مع زملائه عريضة ضدي بدعوى أنني حشرت السياسة في مادة المنهجية حين ضمنتها منهج البحث الاجتماعي ومدخله التعرف على أفكار ماركس وتلامذته من أتباع مدرسة الواقعية الاشتراكية. لم يكن ذاك الجاهل يعرف أن ماركس يدرس في أرقى الجامعات الأميركية، ولم يكن يحسن التمييز طبعاً بين المصطلحات ولا سيما بين العلم والإيديولوجيا.
كما أنني لا أنسى أن مدير الكلية أصيب بالعجب حين علم أن باحثاً عراقياً إسمه عبد الغني الملاح نشر دراسة تحمل عنوان، المتنبي يسترد أباه، حاول أن يثبت فيها أن المتنبي هو إبن المهدي المنتظر، ثم ارتفعت وتيرة عجبه حين علم أنني قررت أن تكون هذه الدراسة المنشورة في كتاب مادة في حلقات التدريس في صفوفي الجامعية. كنت أخبر طلابي في أول العام الدراسي أنني سأطرح عليهم سؤالاً واحداً وأطلب منهم الجواب عليه في امتحان آخر العام : ماذا لو تعارض منهج البحث العلمي مع معتقدكم وماذا لو تطابقا ؟ كتاب المتنبي يسترد أباه نموذجاً. وكنت أطمئنهم إلى أنني لن أحاسب على الأفكار بل على منطق المعالجة، أي على منهج البحث، وهو عنوان المادة التي تتناولها محاضراتي الجامعية.
أما في شأن النهضة العربية فقد صغت، بالتعاون مع طلابي في السنة الرابعة، محاضرات وجمعتها في كتاب يحمل عنوان المادة ، قضايا حضارية عربية حديثة ومعاصرة ،وعند صدوره، تمّ نقل رصيد هذه المادة إلى السنة الأولى الجامعية ولم تعد بالسلاسة ذاتها في نظر طلاب لم يعتادوا بعد على طرح الأسئلة، بل كل ما كان يهمهم كيف يحفظون وكيف يستظهرون نصوصاً ويفرغونها كآلات التسجيل يوم الامتحان. توصلت من خلال أبحاثي الجامعية إلى أن الأصوليات الإسلامية لم تكن أقل مسؤولية من الأصوليات الماركسية أو القومية، التي شخصت عوامل التخلف تشخيصاً خاطئاً فوصفت لها بالتالي علاجاً خاطئاً.
الجميع رمى مسؤولية التخلف على الغرب، بما هو غرب مسيحي في نظر الأصولية الإسلامية، وبما هو غرب استعماري في لغة الماركسيين والقوميين. وقد وجدت أن هذا الاستنتاج غير صحيح، حتى لو أجمع مفكرو الأمة وأحزابها كلهم عليه. ذلك أن الأمة العربية دخلت مرحلة التخلف في أوائل الألفية الثانية، أي بعيد انهيار الدولة العباسية وقبل مجيء الاستعمار بألف عام، وتوالى على السيطرة عليها والعبث بحضارتها الصليبيون والتتار وهولاكو وتيمورلنك والمماليك والعثمانيون.إذن علينا أن نبحث عن أسباب تخلفنا في مكان آخر، داخل البنية لا خارجها، من غير أن يعني ذلك تبرئة الغرب من مسؤولية ما، يمكن أن يتحملها، عن عوائق النهوض لا عن أسباب التخلف.
توصلت في أبحاثي إلى تشخيص مختلف خلاصته التالي: عرضت الرأسمالية ،التي انطلقت من أوروبا، على أهل الكرة الأرضية، من القارة الأميركية في الغرب حتى الصين شرقاً، الدخول في نموذجها الحضاري الجديد: اقتصاد صناعي بدل الزراعة، جامعات وبحث علمي بدل العقل الغيبي والكتاتيب، وحكم ديمقراطي بدل الحكم الوراثي. اليابان وحدها وافقت على العرض من غير عنف، أما سائر مناطق العالم فقد فرضت الرأسمالية عليها الدخول في نموذجها من الباب الاقتصادي على الأقل، وتساهلت في البابين الآخرين. لذلك ظلت الأمية في بلادنا هي السائدة ( 80% في اليمن، و60 % في السودان و20% في لبنان بحسب إحصاءات رسمية في حينه) وظلت الأنظمة وراثية، بما في ذلك في الجمهوريات التقدمية، بالرغم من دخول هذه البلدان جميعا في عصر اقتصاد السوق. تذكرت حكايات أمي عن الاستبداد!
لم يكن ممكنا أن ينتصر الاقتصاد الرأسمالي في البلاد التي نشأ فيها لولا نجاحه على الصعيد السياسي في إقامة الديمقراطية، حكم الشعب، في سياق عملية معقدة وطويلة، أي أن ذلك لم يحصل بين ليلة وضحاها، بل كلف البشرية سلسلة من الحروب لم تكن الحربان العالميتان أخر حلقاتها. بعدهما أخذت دول العالم تستكمل مسيرتها الديمقراطية، في اليونان وإسبانيا، داخل أوروبا الغربية، ثم في بلدان أوروبا الشرقية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ثم في أميركا اللاتينية وأفريقيا. أما الأمة العربية فقد كرست الأصوليات فيها أنظمة استبدادية وسدت أبواب التقدم ووضعتها أمام خيارين، إما الاستبداد إما الحروب الأهلية. إذن عدونا موجود في داخلنا أولا، إنه الاستبداد. هذه الفكرة هي في أساس خلافي واختلافي مع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني.
أما لماذا الخروج المبكر، فإلى المقطع القادم.
مقطع من سيرة ذاتية

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية