أراك عصي الدمع

منير المجيد
2021 / 9 / 27

قد تكون المرّة الوحيدة في التاريخ، لا أعرف حالة مُماثلة، قيام مُغنٍ أو مُغنيّة بأداء أغنية واحدة وبألحان مُختلفة ومُلحنين مُختلفين وخلال أربعين سنة، كما فعلت أمّ كلثوم بقصيدة «أراك عصي الدمع». المجموع ثلاث مرّات.

لا تتوقّف الحكاية هنا، لأنّ أول من لحّنها وغنّاها كان عبدو الحامولي في نهاية القرن التاسع عشر، ولم تُسجّل على إسطوانة، لكن أول إصدار لها كان من شركة غرامافون عام ١٩٠٦ من أداء عبد الحي حلمي. وعبد الحيّ إيّاه سجّلها بخمس نسخ مختلفة، فبالإضافة إلى غرامافون هناك أوديون، زونوفون (مرّتين)، وبيضافون.
ثم قام أمين حسنين، زكي مراد، سيد الصفتي، محمد سليم وأخيراً وليس آخراً صالح عبد الحي. هؤلاء وغيرهم أدّوها بطرق مُتباينة بسبب هيمنة الإرتجال وحريّة تقطيع الجمل حينذاك، لكنهم اجتمعوا على إتباع مقام البياتي.
في العام ١٩٢٦ قام شيخ المُلحنين أبو العلا محمد بإعادة ضبطها للنجمة الشابة الصاعدة بقوة أمّ كلثوم. وكان أبو العلا الأكثر حرصاً على إلزام المُغنين باتباع الإطار العام للّحن وعدم الخروج عنه بإطلاق حناجرهم كيفما كان بناءً على رغبة المُستمعين. هؤلاء كانوا ينتمون إلى عصر نهضة الطرب.
استمرّ المغنون في معظم البلدان الناطقة بالعربية، خاصة في تونس والمغرب والسودان واليمن ولبنان والكويت بإعادة ترتيب اللحن، الحاموليّ أو السنباطيّ، أو حتى بلحن مُغاير ليتماهى مع تقاليدهم الموسيقية.
النسخة الأسوأ والمُرعبة والمُشوّهة تعود برأيي إلى السعودي محمد عبده.
وعلى ذكر التشويه، لا بد من ذكر فيلم نيازي مصطفى «فارس بني حمدان» في العام ١٩٦٦ من تمثيل فريد شوقي وسعاد حسني، وفيه تقوم شمس البارودي بتحريك شفاهها على أنغام أمّ كلثوم، وليتها أغلقتهما.
يجدر بالذكر أيضاً أن الشطر الأول من البيت الثاني في القصيدة الأصلية هو كما يلي: «بلى أنا مُشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ»، وليس: «نعم أنا مُشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ». بعض المُغنّين أعجبتهم «نعم» إلى حد أن زكي مراد أضاف بعدها «يا سيدي».
هذه الـ «النعم» غيّرها عبده الحامولي، وليس أمّ كلثوم كما أشاعها الشاعر فاروق شوشة مراراً وتكراراً، مُستنداً إلى معرفته الشخصية بأمّ كلثوم.

أراك عصيّ الدمع هي قصيدة الأمير الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الوائلي المعروف بإسمه الداعشي أبو فراس الحمداني، وُلد في بغداد، أو في الموصل في رواية اخرى عام ٩٣١ أو ٩٣٢، بعد أن راقت سبيةٌ بيزنطية لوالده فجعلها والدته.
هو إبن عم سيف الدولة الحمداني (سيف الدولة كان زوج اخت شاعرنا أيضاً)، حاكم الدولة الذي اتخذ من حلب عاصمة لها، وعُرف عنها حروب الكرّ والفرّ مع البيزنطيين، وأيضاً كعاصمة للثقافة والفنون والآداب. نشأ برعاية والدته وسيف الدولة، والأخير وظّف له المُعلّمين ليدرس على أيديهم العلوم والشعر والفروسية.
بقي، تاريخياً، في ظل المُتنبي الشاعر الأكبر والأهم والحاضر في البلاط الحمداني الحلبي. وإذا كان المُتنبي يفخر بفروسيته تبجحاً وكذباً، كان أبو فراس فارساً حقيقيّاً عُرف بشجاعته. ولأنّه خاض معارك عديدة ضد البيزنطيين وقع عدّة مرّات في الأسر، وحينها كتب قصائده التي تميّزت بعزّة النفس والإقدام، مُستعملاً التورية والرمز. هذه القصائد جُمعت في ديوان حافل سُمّي بالروميات، وفيها القصيدة الأشهر «أراك عصي الدمع».
بعد وفاة ابن عمّه، تولّى إبنه (إبن أخت أبو فراس) الحكم وهو بعمر خمسة عشر سنة، مما أدّى إلى خلافات بينهما أدّت إلى مقتل شاعرنا في معركة حمص عام ٩٨٦. يُقال أن والدته فقأت عينها حزناً.

أعود إلى أمّ كلثوم.
عام ١٩٢٦، كما أسلفتُ، لقّنها أبو العلا محمد أداء القصيدة المُرتكزة على ألحان الحامولي، لُتثبت جديّتها وخروجها من مرحلة «الخلاعة والدلاعة»، وأيضاً قدرتها الإستثنائية في التحكّم في مخارج اللفظ في أداء القصيدة الشعرية، لتشدو بجزالة وفصاحة ممزوجة بالطرب المُسلطن، والذي لم يبلغه أحد منذ تسجيل أول أغنية باللغة العربية وحتى الآن.
عام ١٩٤٤ طلبت أمّ كلثوم من المُلحّن زكريا أحمد أن يضع للقصيدة لحناً جديداً، غلب عليه مقام السيكاه. غنّتها في عدّة حفلات، لكنها، ولسبب لم أتوصّل له، لم يتم تسجيلها، سواءٌ على إسطوانة أو راديو القاهرة، كما كان مُتبعاً.
لكنها وقفت مرّة اخرى في ليلة الخميس في الثالث من الشهر الثاني عشر عام ١٩٦٤ لتُغني القصيدة للمرّة الثالثة، من ألحان رياض السنباطي.
جلست في تلك اللية على كرسيها، كالعادة، مُحاطة بفرقتها الموسيقية، وخلفها نحو اليمين، جلس محمد القصبجي حاملاً عوده، هزيلاً نحيفاً رافعاً رأسه بين الفينة والفينة ليتأكّد من رؤية محبوته ثومة أمام نظّاراته السميكة.
تفاجأ الجمهور ببيانو فخم على الجهة القصوى نحو اليسار، وهو الذي افتتح المُقدّمة التي تنتمي إلى التقاليد الاوركسترالية الغربية الكلاسيكية. كانت هذه أول وآخر مرّة تظهر فيه ست الكل بصحبة بيانو.
أيّ شيطنة خطرت في بال السنباطي؟ فكيف يتلائم البيانو مع نص تاريخي بوزن أراك عصي الدمع؟ «هراء!»، قال بعض خبراء الموسيقى. «لماذا لا يُمكن؟».
أمّا السنباطي فقد دافع عن ذاك الجدل بقوله «لقد حوربتُ في هذا اللحن. قال بعضهم إن اللحن القديم أفضل، أنا أقول أنّ كلاهما جيد».
غادرت أمّ كلثوم كرسيّها وتقدّمت نحو الميكرفون المُعلّق حاملة منديلها، مُرتدية فستانها الطويل وغنّت «أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ، أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ» من مقام الكرد الذي طالما عشقه السنباطي.
«نعم أنا مشتاق وعندي لوعة» ليس سوى حوار بديع بين الكرد والراست. والراست يتبعه في اللازمة الموسيقية التالية، وتتبعه أمّ كلثوم أيضاً في «إذا الليلُ أضواني، بسطتُ يد الهوى». وحينما نصل إلى اللازمة الموسيقية الجديدة يختار السنباطي مقام العجم، وتُكمل السيدّة عليه أيضاً «مُعللتي في الوصلِ والموتُ دونه»، ثمّ «وفيتُ وفي بعض الوفاء مذلّةٌ». وفي «تُسائلني من أنتَ وهي عليمةٌ» تصير الحجاز كار.
أمّا «وقلت كما شاءت وشاء لها الهوى» فقد كان من النهاوند.

المُلاحظ أن السنباطي اقتصد هنا أيضاً في إستعمال الكثير من المقامات، حيثُ كان يُفضّل القفز في رحاب الجُمل الموسيقية المُختلفة عوضاً عن ذلك، لتأتي ألحانه مُتماسكة، ثقيلة بعض الشيء.
قد يكون واحداً من الأسباب التي جعلت أمّ كلثوم تتخلّى عن القصبجي. فإذا (سأعود إلى مُقارنة في مجال الطبخ مُجدّداً) كان القصبجي طاهياً مُحترفاً يُقدّم عشاء الزبائن في خمسة عشر وجبة مُختلفة الشكل، مُتكاملة ومنسجمة، فإن السنباطي كان يكتفي بفاتح شهية، الطبق الرئيسي ثم طبق الحلويات.
الزبائن يثنون على الإثنين، ويتناولون الوجبات، بالرغم من الفارق الكبير بينهما، بشهية ويُغادرون سعداء راضين.
أمّ كلثوم كانت، حتّى ما قبل أغانيها المُلحّنة من محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي مُحافظةٌ تُفضّل التقاليد العريقة في طرب التخت الشرقي، وضليعة في أصول الموسيقى، حتّى أنّها جرّبت، في الواقع، تلحين أغنيتين أيضاً: «على عيني الهجر» عام ١٩٢٨، و«يا ريتني كنت النسيم» عام ١٩٣٦. كلاهما من كلمات أحمد رامي.

ذائقتي الموسيقية تنتمي بقوّة إلى تلك التقاليد العريقة. حاولت، ومازلت في بعض الأحيان، التفاعل مع الموسيقى الحديثة، أو الشبابية كما تُدعى، إلّا أنني أعترف بتخلّفي ورجعيتي. هذه الموسيقى لا تُحرّك فيّ شعرة، لا بل تشعرني بالحقد والضغينة والغصب لما وصلت إليه الأمور. حسناً، ليس في مجال الموسيقى فقط.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية