جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى ... التماعة 6

محمد نور الدين بن خديجة
2021 / 9 / 27

ـــ التماعات الذاكرة :
جمعية الحياة المسرحية مدرستنا الأولى ...التماعة 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ـــ تداريب مسرحية : أرض الله واسعة ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في تلك السنوات ... كنا نحرث في أرض عجفاء .. بصبر أيوب وبروح فداء من المسيح وبخلق بؤر مقاومة مسرحية على نهج غيفاري ... هكذا قاتل وغامر وجازف المسرحيون المغاربة وخاصة الهواة منهم في إرساء أسس مسرح جاد وعميق .. قبل أن تتفرق السبل ويتنكر له أغلب مجايليه حيث تحولت البوصلات نحوأوهام أتت على إقبار أعظم تجربة مسرحية بتاريخ المسرح المغربي .
... حي دوار العسكر ــ وسمي بهذا الاسم لأنه بدأ بالفعل حيا عسكريا ...ثم توسع ليسكنه المدنيون فيما بعد .. كما أنه كان حيا عماليا بامتياز... هذا الحي المترامي الأطراف سيشهد نهضة مسرحية فترى السبعينات وسيبدأ تميزها مع تأسيس نادي الهواة والدي ستكون نواته من جيل جديد .. جيل تخرج من المدرسة الحديثة وجايل تحولات سياسية واجتماعية وثقافية عاصفة ... كانت جد مؤثرة على اختياراته وتوجهاته الثقافية والفنية والاديولوجية والسياسية ... وكانت رغبة التغيير والتجديد عارمة .. بل واكتوى بنيرانها ..أمام السد المنيع الذي عمقته القوى المحافظة في وجه كل من يريد اخنراقه .
هذا الحي الحديث ..لايتوفر على دار شباب واحدة ولحد كتابة هذه السطور وللأسف . وحتى بعد تأسيس دار للثقافة فإنها اسم على غير مسمى ...
ولبعد دار الشباب ــ عرصة الحامض ــ المتواجدة بالمدينة العتيقة .. فأغلب تداريب المسرحيين بدوار العسكر كانت تتم بالخلاء غالبا . وكذا بدار الشباب عرصة الحامض .. ولكن لكثرة انضواء الجمعيات بهذه الدار كان الوقت غير كاف لاجراء تداريب جدية بها .
ــ جمعية الحياة المسرحية ستعاني نفس المعاناة .. ولكنها معاناة رغم هذا الوضع كانت مفيدة جدا ... فشساعة المكان ساعدتنا في التداريب الصوتية بشكل هائل .. حيث كانت تداريب الايطاليات تتم فيما بين المشخصين بشكل متباعد جدا ...
سيبرز في هذا المجال الشاعر والمسرحي السعيد أبو خالد ذو الصوت الجهوري المتميز والإلقاء المعبر والنطق والأداء الفصيح العربي المتمكن . كما أن الفنان جمال الكرمالي كان موهبة فذة في الحفظ بسرعة بل وحفظ النصوص المسرحية من بدايتها لنهايتها بالنقطة والفاصلة .. هذا الشخص العصامي والعجيب فيما بعد سيشتغل بليبيا وبالمسرح كذلك في عهد معمر القذافي ... ثم يعود للمغرب للاشتغال على مسرح الطفل .
ـــ في التهييء لعرض مسرحية الرجل الطيب بأحد المهرجانات قررنا التدرب قرب أحد المعامل ــ وهو معمل الخميرة ــ وقرب بابه الخلفي حيث كان يسود الهدوء التام إلا بمرور ناذر لبعض المارة ... كان التدريب يمر بسلاسة ويسر إلا من بعض التوقفات المحدودة للاستراحة أو التوجيه ...
فأثناء الاندماج في التشخيص سيمر أحد الأفارقة مع بعض من أصدقائه وبالصدفة ستقول الفنانة مريم الطروشي في حوارها الذي تحذر به أبا ذر من مغبة مجازفته في مواجهة سلطة معاوية بن أبي سفيان : " لن أقول لك إلا ماقاله الناس " فيهب في وجهنا صارخا بأننا عنصريون وبأنه يفهم اللغةالعربية وأننا نعثناه بأنه " قلاوي " وتعني في دارجة مراكش الأسود .. vous etes des racistes
tu m dit qalaoui /// et je sais bien l arabe
شرحنا له الأمر بأنه مخالف لما فهم وبأننا نتدرب على مسرحية فترجمنا له المنطوق .. ولكنه كان يزداد سعارا ... سينفعل المهدي ويصرخ في وجهه : نعم نحن عنصريون وأنت قلاوي ... كاد الأمر أن يتحول إلى عراك لولا تدخل شباب الجمعية وفض هذا النزاع ... اوقفنا التدريب ...وانقلب الوضع إلى نكثة ومفارقة من مفارقات معاناة المسرحيين بهذا البلد السعيد ... كنت أفكر أليس الأمر تكسير جدار رابع ولم أنه تم بطريق استفزازية ... كيف يمكن لمسرحي أن يتحكم في تلقائية الناس ويقحمهم في العرض المسرحي بدون أن يرتبك وتنفلت من يديه خيوط الحبكة المسرحية خاصة إذا كان يزاول مسرح الشارع ؟ ... فها نحن كنا في تمثل حكاية من حكاية العصر الغابر وإذا بنا نقحم في وضع معاصر وقديم في آن العنصرية ... تسترسل الأفكار اين وضع العبيد من صراعات مطلع الاسلام ؟ ما تمثل معارضي الاستبدادأنذاك تجاه وضعية العبيد .؟ أليس هذا الحادث لعبة مسرحية في حد ذاتها ةتلقائية وضعتنا في مأزق ربما يكون حافزا للتفكير للاشتغال عليه في مواجهة أي طاريء يواجه المسرحي في الشارع أو القاعة وفي هذا لاغنى للمسرحي عن التثقيف الشامل والدائم. مسرح الشارع هذا كان زاوله الفنان عبد القادر منير حين اختار شخصية شارلي شابلن فتحلق حوله الناس وأصبحوا يلحقون به مما أدى لاعتقاله ثم إطلاق سراحه ...
الشارع محروس ومسيج والقاعات المسرحية مغيبة ... وتلك كانت أحوالنا وأهوالنا .. ورغم ذالك فالعطاءات كانت مبهرة وخلاقة وهي التاريخ المسرحي الحقيقي لفن المسرح بالمغرب والأسماء الكبيرة من مشخصين وكتاب ومخرجين كلها راكمت بمسرح الهواة بل وتاريخ النقد المسرحي نشأ على ضفاف مسرح الهواة ... حقيقة مسرح الهواة ليس مؤسسة موازية أو على هامش المسرح الاحترافي إذا كان هناك فعلا مسرح احترافي فعلا .. بل هو أس ولب المسرح المغربي ولايمكن حجب الشمس بالغربال .


ــــ منازل الكرام على رحب وسعة ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


... الاجتماعات اجتماعات المكتب الاداري أو اجتماعات تقنية حول العرض المسرحي أو غيره كانت تتم غالبا بالمنازل ... خاصة منزل نجيب عبد اللطيف أو السعيد أبو خالد .. وكانت تستغرق أحيانا وقتا طويلا .. وكانت الأسر جد متمسامحة مع هذا الوضع ومتفهمة بل ومتتبعة أحيانا للعروض المسرحية التي ننظمها بدور الشباب أو بقاعات السينما خاصة سينما السعادة دوار العسكر أو سينما بلاص بجليز الحي الفرنسي العتيق ... كل هذه القاعات التاريخية أغلقت .
الوجه الفني التاريخي بالمدينة يقبر بلا رحمة .
بمنزل نجيب عبد اللطيف خضنا في أحد الأيام نقاشا مطولا كان من أهدافه أن نعمل على التكوين النظري في مجال المسرح وحول المدارس المسرحية البارزة في المسرح الغربي والعربي ووزعنا المهام والمكلفين بانجاز هذه العروض ...في هذه الأثناء كان قد التحق بنا قاسم الأننصاري ــالذي كان نشطا بجمعية ابن بطوطةــ بعد انسحابه منها ... فأصبح يقطع المسافات ليحضر معنا وقد يبيت معي أحيانا ونقضي الليل في القراءات الشعرية والنقاشات المستفيضة .
المهم أثناء الغذاء أحضر لنا ــ طاجين سمك باذخ أجهزنا عليه . ثم إناء رز بالزبدة ...الكل تراجع لكن بقيت أنا وقاسم وعدنان ياسين فأجهزنا عليه ولغرابة الأمر كنا نحيلين لكن أبطال مائدة .
هذه الاجتماعات المطولة ساهمت بشكل كبير في تكويننا الثقافي والفني المسرحي بشكل كبير في غياب معاهد أنذاك للفنون الدرامية ..

مبيت شعبي للفرق المسرحية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



قلت بأن الأسر لعبت دورا كبيرا في احتضان هذا الفن الفرجوي المحاصر ... ولتطوير علاقاتنا الفنية والاستفادة من التجارب الأخرى والترويج للأعمال المسرحية كنا نستدعي فرقا أخرى متميزة من خارج مراكش ..وفي ظل الحصار الخانق للأعمال الجادة كنا غالبا بعد انتهاء العرض نخصص المبيت بمنازل أحد أعضاء الجمعية .. وهذه كانت سنة أغلب الجمعيات فيما بينها ... لأسباب من بينها أنه كان ينظر للمسرحيين الهواة غالبا على أنهم يساريون معارضون .
من هنا لايمكن بالبث نسيان الدور الكبير الذي لعبته الأسر في احتضان هته التجارب الطليعية التي أبدعها أبناء الكادحين حتى صارت حركة ثقافية اجتماعية مؤسسىة لوعي تنويري خلاق ... وبجمهور متتبع ومقتنص بلهفة للحظة فرجوية يشارك فيها بوجدانه ويؤسس من خلالها وعيه السياسي والجمالي والفني بكل تحرر.. مجادلا ومساهما في النقاش والتتبع الدائم بل ومساهما حتى بدعمه المالي لهته المجموعات .
هذه الحركة أي أن يتحول فعل ثقافي إلى حركة اجتماعية هو الغير مرغوب فيه طبعا لأنه يستهدف تثوير وعي الناس عوض تخديرهم .





ـــ محمد نور الدين بن خديجة
27 شتنبر 2021 المغرب مراكش الحمراء

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية