خصوصيّات التّجربة التّونسيّة وعذاباتها

الطايع الهراغي
2021 / 9 / 27

"ثورات الفقراء يسرقها في كلّ الأزمان لصوص الثّورات".
(عبد الوهّاب البيّاتي / 1126- 1999)
"الحكمة هي معرفة ما سيكون بما قد كان".
(ابن رشد / 1126- 1198 )
"الجاهل يؤكّد والعالم يشكّ والعاقل يتروّى".
(أرسطو/ 384ق م- 322ق م)
1- مقدّمـة لا بــدّ منهـا

بعض الكتابات يكون من اللاّئق إدراجها في خانة الإساءة للكتابة والسّطو على متطلباتها قبل أن تكون اعتداء على الذّائقة العامّة وتبليدا لها وترذيلا لمواضيع نبيلة وقضايا أكثر نبلا .
الكتابة الجادّة (تحاليل /مقاربات/قراءات) المسؤولة بالضّرورة،هي تلك التي تمليها اللّحظة وتحتّمها. قد تكون مربكة وصادمة. قد تكون تجديفا ضد تيّار المسايرة والتّنميط والسّعي المحموم لخلق رأي عامّ قطيعيّ.قد تبدو مكابِـرة و"متطرّفة" .ولكن تلك وظيفتها، فالكتابة حالها حال ذبابة سقراط، مهمّتها أن توقظ لا أن تنيم، أن تلدغ لا أن تخدّر، أن تبدّد الأوهام لا أن تشرّع التّسليم،"حوارات سقراط تلدغ البشر وتدفعهم إلى التّفكير والتّبصّر" (أفلاطون)."إنّي العضو المقلق للمجتمع المصريّ،مثل ذبابة سقراط أنبّه الغافلين وأثير الرّاكدين وأقيم الرّاكعين الخاضعين" (سلامة موسى /1887-1958).
2 - عشريّـة اللاّمعقـول

استفحال اللاّمعقول[ وهو في أدنى درجات خطورته الاعتقاد في ما لا يصدّقّه العقل ] وانتعاش بورصة بيع الأوهام والمتاجرة فيها في تونس طيلة عشريّة النّكد، عشريّة تدرّبت فيها فرق التّرويكات الحاكمة المتعاقبة والمتناسلة تناسل الأزمات وتناسخها على صناعة الفشل وإنتاجه وتفريخه وبرعت فيه،هذا الاستفحال سيجعل من التّجديف ضد التّيّار إحدى المهامّ الرّاهنة لمن لم يجرفه بعدُ الإعصار.
عرّفت القائدة الأمميّة روزا لوكسمبورغ( 1871/ 1919 )الثورة بأنّها "هي شكل الحرب الوحيد الذي لا يأتي النّصر فيه إلاّ عبر سلسلة من الهزائم".آية ذلك أنّ الشّعوب تستلهم ممّا راكمته الإنسانيّة من تجارب ومن إرثها النّظريّ والعمليّ .ففي مدرسة المحن والصّراعات تسائل القوى الثوريّة ، طبقات وأحزابا ونخبا (الإنسانيّة المفكّرة والإنسانيّة المتألّمة) التّاريخ وتعمّده دليلها إلى كيفيّة التّعلّم من نجاحاتها ومن أخطائها عسى أن تتلافاها في قادم المحطّات وتطلقٌ أوهامها وتبدّد تردّدها. ذلك هو منطوق مختلف التّجارب الثّوريّة، النّاجحة وما أقلّها،والمجهضة وما أكثرها.هل هي لعنة التّاريخ؟ مكره؟ إكراهاته؟ ورطته؟قانونه؟ أم هي عذابات نخب استبدلت ضبط اتّجاهات التّاريخ والفعل فيها (وهي مهمّة ممكنة وضروريّة) بمغامرة المروق على قوانينه ولوي عنقها (وهي مهمّة لا تاريخيّة) ؟
خطيئة الثورة التّونسيّة أنّها كانت رحيمة بأعدائها، تماما كالثورة الباريسيّة - كومونة باريس (مارس-أفريل- ماي 1871)[مع تباين الفوارق وتباعدها] التي عوّلت على عدالة القضيّة ونبلها بدل الإجهاز على خصومها الطّبقيّين،النّتيجة فرار أعضاء الحكومة ونوّاب البرلمان إلى فرساي والاستنجاد بالعدوّ القوميّ المحتلّ لسحق الكومونة. أيّا كان الحكم على الثورة التّونسيّة فإنّه بالإمكان الجزم بأنّها ظلّت ممزّقة بين تسلّط الدّولة التي نجحت في استبدال طاقم بطاقم جنيس في ما سُمّي بالالتفاف على الثورة دون أن تفلح في إنهاء حركات الاحتجاج المارق على الأشكال التّقليديّة للتّنظّم ،ولم تنجح لا في تقاسم الحكم ولا في مركزته، فأرست بذلك دعائم وضعيّة مأزومة غير قابلة للحكم :عجز النّخب عن تمثّـل المشكلات فما بالك بحلها،وعجز المواطنين عن تحمّل فداحة الأزمة، وعجز الحكومات عن إدارة شؤون الحكم. فكانت النتيجة فقدان كلّ المؤسّسات تنفيذيّها وتشريعيّها وحتّى إداريّها (بقطع النّظر عن تمثيليّتها) شرعيّتها في الوعي الجمعيّ للمواطنين .في هذا الإطار، لا في غيره، يتنزل التّرذيل الذي طبع وبقصديّة الحياة السّياسيّة (وليس فقط المشهد السّياسيّ)،التّشنيع بالفعاليّات السّياسيّة والفكريّة والمدنيّة،التّبرّم بكلّ فعل احتجاجيّ، استعداء المنظّمات الاجتماعيّة، العجز عن تشكيل حكومات (وبعد انتخابات غير مطعون رسميّا في سيرورتها)،هندسة تحالفات فهمها يتطلب الاعتداء على المقدّمات الدّنيا للمنطق حتّى في بعده الصّوريّ، الاحتراب القبائليّ بين السّلط وبين مكوّنات نفس المؤسّسة (المجلس النّيابيّ نموذجا). وليست الملابسات التي صنعت زلزال 25 جويلية وأطّرته ،وما رافقها من إجراءات فوقيّة وما تولّد عنها من تفاعلات حول شكل التّعاطي معها سلبا وإيجابا- بالتّنطّع الكلّيّ أو المحتشم، بالمبايعة القطيعيّة اّو بالمبايعة المشروطة- غير ترجمة أمينة لواقع الانسداد والتّعطّل والانغلاق واللاّقابليّة للحكم .أمّا درجة مسؤوليّة هذا الطّرف أو ذاك من القبائل والشّيع الماسكة بدواليب السّلط فتفاصيل،الإيغال في تتبّعها ورصد تشعّباتها قد يكون مهمّا ولكنّه قد يحجب الجوهر.
3- العشريّـة الضّائعـة والأخطـاء القاتلـة

من دولة الاستبداد والبغي إلى وضعيّة ما دون الدّولة،من دولة البوليس إلى دولة العصابات. من رفض استبداد الدّولة إلى رفض غياب (أو تغييب) الدّولة وسطوة المافيا والكناتريّة.وضع أكثر من سرياليّ.
عشر سنوات من التّنكيل ومن محاولات التّنميط والقولبة،عشريّة من التّنطّع والاحتجاج ومن التّردّد والأوهام أيضا، بشكل يكاد يجعل من التّجربة التّونسيّة عيّنة تطبيقيّة لما يمكن أن تعيشه ثورة من تفسّخ ومساعي إجهاض. تجربة "الانتقال الدّيمقراطيّ" قادتها المنظومة القديمة. ولم تبدأ مع الباجي (المهندس الفعليّ للطّريق السّيّارة لخارطة طريق الانتقام الدّيمقراطيّ) ولا مع"الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السّياسيّ والانتقال الدّيمقراطيّ"التي سمِّيت اختزالا هيئة بن عاشور، وإنّما دشّنها الرّئيس المؤقّت، رئيس برلمان بن علي، فؤاد المبزّع الذي أرسى دعائم المؤقّت الذي يدوم.
"أعتقد أنّ الحكّام العرب هم شتيمة أكبر من أيّ شتيمة" (مظفّـر النّوّاب/السّفير /29 /5 /1983).
في أنظمة الاستبداد المعمّم وحكم العسكرتاريا - حيث الحاكم بأمره جاثم على الحياة السّياسيّة، لا يزيحه عن كرسيّ الرّئاسة غير ثورة القبر أو ثورة القصر،- يصبح خلع رئيس"نصف ثورةّ" يُفترض أن تقود إلى الإجهاز على بقايا المنظومة لأنّ التّاريخ الذي قال عنه ماركس إنّه "العلم الوحيد الذي نعرفه ونعترف به" يهب القوى الثّوريّة فرصة على التقاطها يتوقف مستقبلهم ومستقبل ثورتهم.
بهتة النّخب، تردّدها، عجزها عن تمثّـّل جسامة الحدث جعل من الاحتكام إلى الآليّة الدّستوريّة [مسرحيّة الفصل56 ثم 57 من دستور بن علي] في وضع غير دستوريّ مخرجا يتيما وحتّم على الشّعب التّونسيّ مجابهة المنظومة من داخل المنظومة .ذلك أوّل بند في أجندا الالتفاف على الثورة وأوّل مدخل لتحريفها، غـذّاه وهْــم ضرورة سدّ الفراغ وتجنّب المجهول ووهْـم استحالة عودة القديم. الرّهان على إمكانيّة تذويب القديم المتآكل كجدار تتالت عليه الصّدوع كان على الثّورة وبالا،تماما كالاعتقاد في ضرورة تعايش الأضداد في ما يشبه تنكيد الضّرائر.لقد تصرّف الفاعلون السّياسيون والنّخبة (في تعريفها الواسع) كذوات متذرّرة وليس كجسم.أساءت قراءة إرثها، إن لم تكن تلافته وأدارت له ظهر المجنّ،فأضاعت البوصلة في سباق ملاحقة الأوهام. دونكم العيّنات الأكثر فظاعة:
* توهّمت الأطراف السّياسيّة والاجتماعيّة إمكانيّة إضفاء صبغة قراريّة على هيئة بن عاشور،متناسية أنّها أشبه بصالون لا يجمع بين مكوّناتها غير تسجيل الحضور التّشريفاتيّ، وبعض من عناصرها لا تربطه رابطة بالثّورة ولا بالفعل الثّوريّ،وبعضهم ساهم - وبتبـاه – في صنع "ربيـع" نظام بن علي.
* الأطراف السّياسيّة حميعها تقريبا، التي كانت تجزم بأنّ المجلس التّأسيسيّ، ما لم يُسبق بإجراءات وسياسات انتقاليّة عمليّة، قد يكون بوّابة إعادة إنتاج القديم ورسكلته هي نفسها التي أكسبته هالة من القدسيّة كآليّة مثلى بل ووحيدة للقطع مع عذابات المرحليّ والانتقاليّ.
*نفس المكوّنات التي راهنت على المجلس كمحطّة مفصليّة للإنهاء مع منظومة بن علي (بقطع النّظر عن فداحة الوهم)هي ذاتها التي استأسدت في حصر مهامّه في صياغة الدّستور،متناسية أنّ المجلس حال انتصابه يتحوّل بالقوّة إلى سلطة تنفيذيّة وتشريعيّة ويرسم معالم وآفاق الحياة السّياسيّة .

4-خاتمـة لابـدّ منـها

التّباكي والنّواح على منظومة (الأصحّ جزء من المنظومة )ما قبل 25جويلية طفوليّة سياسيّة وعبث، فإكرام الميّت التّعجيل بدفنه.ولكن هل انتهت الأزمة؟وهل يمكن أصلا حلّ أزمة بطاقم جنيس من داخل منظومة المحكم؟ والاستئثار بالحياة السّياسيّة ومركزة السّلطات في يد "عادل مستبدّ"هل هي فعلا استكمال( إحياء /استئناف/ عودة /إحياء) للمسار الثّوريّ كما يلهج بذلك أنصار"العصفور النّادر"؟
"الذين يقومون بنصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم"( زعيم اليعاقية سان جوست 1767/1794).

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية