أن نفر حتب ..في قاعة ماعت

محمد حسين يونس
2021 / 9 / 27

الجزء الأول
حملت الريح شذا عطرها الطيب.. المجاديف تضرب الماء بقوة ورتابة ، تسعى متلهفة لترتمى على أعتابها الشريفة.
النفس تحدثنى ، بأننا قد غادرنا جسد"حابى" وأننا نبحر فى طرفه المؤدى للأرض الطاهرة.
والروح فى غياهب الظلمات ترى أشجار الجميز والسنط القائمة على ضفتية.
لقد آن للمبحر أن يلقى بالمرساة .... وللقلب أن ينعم بالوصل .. وللمشتاق أن يصل ، إلى ما أبتغاه .. بوبا ست .. بوبا ست يا مسكن الآلهة والأًبرار .. يا مصدر القداسة والبركات .. يا نعيم الأًذن ، والأًنف والعين .. تجل .. تجل علينا ، فلقد برح بى الوجد ، وطال الانتظار .
طيور وجنادب الحقل تهلل ، بعدما تلألأت فى الأفق النجمة التى تعلو هامة أول ملاحى القارب المقدس خارجاً من " التيوات ".
الكون يغنى- بكامله- طرباً .. احتفاء بفاطر الوجود .. نور السماء مانح الدفء والنفس الاله الأًكبر من كل إله رع حيرو خوتى.
نسمة رطبة ، خارجة لتوها من منخارى " تم " تحتوينى فتشفى روحى وتطلقها تحلق مخترقة الحجب والأًستار ، تعب من آيات الحسن والأسرار التى وضعها " خيبرا " بحكمته فى كل ماخلق وصور .
القرص الالهى يظهر بعد ولادة الرب وبدء رحلته فى المحيط الأًزلى فيتبدى فى نوره المعبد الكبير وسط كتلة الخضرة الزيتونية منتصباً .. شامخًا .. ثابتاً على الأرض .. نافراً إلى عنان السماء .
المجاديف تضرب الماء بقوة ورتابة .. تقرب الغائب وتطفى الأًشواق وتصل بالقلب الغريب إلى مبتغاه .. ها هى بوابة المعبد ترتفع لعشر خطوات .. ها هى نغمات تسابيح الكهنة وابتهالتهم تشنف الآذان .. ها هو نقش الربتين الحاميتين " ياتشت " و " نخبيت " تتضح تفاصليه .. ها هو القارب يرسو فى الميناء المقدس .. لقد أصبحنا فى مدينة النور .. دقات قلبى تتسارع .. أهتف من الأًعماق .. يا الله .. يا خالق الوجود يارب
حملت الثوب الكتانى الجديد .. والصندل الأًبيض المطهر وإنائى العطر والبخور .. وساق خدامى الكبش الأًشهب المسمن .. وحملوا سلال الكعك والفطير الطازج وأقفاص الفاكهة الممتلئة ببشائر ثمرات الحديقة .
إنه اليوم الذى عشت من أجله .. لقد أمرت .. فأطعت’ .. وطلبت فاستجبت’ وستنظر لما أحضرت .
استقبلنى الكاهن المناوب أمام البوابة يبتسم ابتسامة ترحاب عريضة.
قال : جئت فى موعدك يا آن نفر حتب .
قلت : وهل أستطيع التأخر عن مولانا .
لقد أحببت فاشتقت .. فواظبت لعشرات السنين على أن أشارك فى موسمها .. موسم الربة " باست " أتبرك بأعتابها .. أجثوا تحت أقدامها وأغذى القلب بكلمات مواعظ خادمها الأًعظم.
قادنى عبر الحديقة الواسعة .. يا للسعادة .. لقد رضت عنى فاخترقت حجبها .. لقد نظرت لما أحضرت ففكت إزارها .. وها أنا أقف على شاطىء بحيرتها المقدسة أغتسل من مائها الطاهر ثلاث مرات وأتمضمض بنطرونها ثلاث مرات .. وأضع الزيت الالهى خلف أذنى .. أرجل شعرى وأرتدى ما أحضرت من ثياب ثم أتبعه طاهراً مطهراً إلى مقر صاحب القداسه .
كنت أسير خفيفاً طرباً كما لو كانت أجنحة " حيروخوتى " قد نبتت حول صدرى .. ما أحلى الانتصار .. كنت أبحر كل طلعة هلال قاصدآ معبدها حاملآ هداياى .. مع كل أوبة كنت أعود خائب الرجاء .. حتى نظرت لما أقدمه .. فأوحت لخادمها الأًكبر أن يقابلنى ويرعانى .. ما أحلى الانتصار .. لقد آن للقلب الغريب أن يبلغ حماه .. وللشاة أن تنعم براعيها .. وللبذرة المغروسة فى عمق الحقيقة أن تؤتى ثمارها .. ياالله .. يا خالق الوجود يارب .. يسر ولا تعسر واجعلنى من عبادك الأبرار ساكنآ فى قاربك للأًبد .. للأًبد.. للأًبد.
الحجرة واسعة ذات إضاءة معتمة .. رطبة رغم حرارة الطقس حوائطها بنيت من حجارة الأًزل .. تزينها رسوم لم أر صنواً لجمالها .. تتناثر بها مناضد صوانية محملة بأكوام الكتب والتمائم والأًحجبة والجعارين .
عندما رأيتة لأًول مرة كان يقف بصحن معبدها ، يعظ بكلمات تنقش على قلوب السامعين تضوى إلى أبد الآبدين .. همت به حباً .. آمنت بكل ما نطق وددت لو أقضى ما تبقى من أيامى الزائلة أتبعه ... أنهل من علمه .. أتبرك بما يدوس عليه من تراب .. أخدمه .. أتزود من ضياه .. كان يقول :
" أيها الأًحباب .. لقد أراد – من وسع برحمته الكون - .. أن يضم تحت عباءته النوارانية كل الأًبرار من خلقه .. إن قارب " ملايين السنين " الذى لم يبحر فيه منذ زمن رع إلا آلهة وملوك من نسله .. سيدخله اليوم من استطاع منكم أن يكون من المطهرين .. هؤلاء الذين عرفوا السر وما يخفى ، هؤلاء الذين دانت لهم كلمات القدرة والأًسماء المحفوظة فى الستر وكانوا فى حياتهم مقسطين .. هؤلاء الذين رضى عنهم فنظر فى وجوههم فنعموا.بنوره – سبحانه – فأصبحوا من النورانيين .. من جعل منكم الضياء طريقه .. وحفظ ودفن على سنة بارئنا المفدى .. فسينعم بحياة البهجة والحبور يضوى فى الأًعالى مكتسياً
بحلة من نور .. طعامه نور .. شرابه نور .. يحيطه من كل جانب نور .. نور على نور للأًبد .. للأًبد .. للأًبد .. "
منذ ذلك اليوم سيطرت علىّ رغبة عارمة فى أن أكتسب الخلود النورانى أتبع بارئى وإلهى حيثما ذهب .. أبحر فى معيته .. أموت عندما ندخل أرض الظلمات بالتيوات .. وأولد فى الأًفق عندما يولد .. أسعى فى بحار الضوء .. أنعم بالطمأنية والأًنس .. أحيا حياة الآلهه والملوك ... وهكذا أصبح شغلى الشاغل أن أؤمن لنفسى مكانا فى قاربه مهما عانيت . سبحانك أنت الذى تقدر وتهدى .. ولن يخيب برجائك المهتدون .
جلست على الأًرض اللامعة النظيفة أفكر فيما سأقوله .. كان القلب يقفز فرحاً أو خوفاً .. والريق قد جف فابتلعت بصعوبة ما تبقى منه . لقد قال إمامنا : " الأًبرار منكم " لذلك سأقول له : " لقد كنت دائماً صالحاً تقياً .. أعطيت خبزى لكل الجائعين .. وكسوت من كان عرياناً .. وتسببت فى أن تمتلىء شواطىء النهر بقطعان الماشية الكبيرة .. والسهول بالصغيرة منها . وأشبعت باللحم الطازج كل من اشتهاه حتى ذئاب البرارى وجوارح الطير .. ولم أظلم ضعيفآ أو قويآ حتى أجعله يشكونى أو يدعو علىّ . لقد قلت الصدق .. ونطقت بالعدل والحق .. وأحسنت للأًرامل وذوى القربى واليتامى بما فى حظائر ماشيتى وما فى مساكن صيادى الطيور .. وكنت محبوبآ من والدى .. ممدوحاً من والدتى .. سامى الخلق مع أخى ودودآ لأًختى .. وأديت الطقوس جميعا .. وتعلمت الحكمة من الكهنة وحفظت أسماء الآلهة .. واكتسبت المعرفة من الكبير والصغير .. فمن هذا الذى يحق له أن يحتل مكاناً أعز من مكانى فى قاربه ؟.
ظللت أردد ما فكرت فيه ، أجود من نطقه وأعدل من ألفاظه حتى غمر الحجرة سحابات ورائحة البخور العطرة.. وتبدى وسطها نور عظيم يتوسطه إمامنا وكاهننا الأعظم .. فسجدت قائلأً : المجد لك أيها القوى القادر خادم العتبات الشريفة .
فوضع كفه المبارك فوق رأس ورد قائلآ : انهض يا آن نفر حتب .. انهض يا بنى فهم راضون عنك وأنا راض عنك .
اهتز كيانى .. حاولت أن أتحكم فى دفقات السعادة التى عمت جسدى ولكنها ظهرت فى صوتى : يا بشير السعد أدام رع عزك وجعلك فى أفضل حال .
- ما الذى دفع بك إلينا ؟.
- اليقين .. اليقين يا صاحب السعادة .. أبحث عن اليقين .
- هو كالنور يتسلل الى قلبك يضيئة فلا تشعر إلا بنعمته .
- يقولون أنه لن يبحر فى قارب ملايين السنين إلا آلهة وملوك .
- ومن حاز رضاه من أبرار خلقه .
- يقولون أن لهم النور ولنا حقول الأًليسيان.
- أفك وضلالة .
- يقولون أننى لن أبحر معهم.
- علم هذا عند " تحوت " علامّ الغيوب .
- كنت دائماً تقياً .. أعطيت خبزى لكل الجائعين ...
قاطعنى سعادته برفق غير سامح لى بالاسترسال : أعرف هذا يا آن نفر حتب .. وهم أيضاً عارفون .
- دلنى على الطريق يا مولاى .
- الطريق واضح لا يحتاج دليلاً .. سلح نفسك بمعرفة الناموس . وأمن دفنك ليصبح
على سنة إلهنا الشافع .
- أوصى بما يكفى من تركتى لكفنى ولبيت آخرتى ولحراسته من البغاة . أما المعرفة فكيف السبيل .. السبيل .. اليها ؟.
رد بصوت يفيض حبا .. يفيض رقة وحناناً .. : عندى مراداك وما تبغى .. عندى مرادك يا آن نفر حتب .خادمك يرجو عطفك ويطمع فى إحسانك .
- عليك بسفر " ماذا يحدث هناك ؟ ".
- أغثنى يا من فداك أبى وأمى .
- لحسن حظك متوفر لدينا الآن نسخة طيبة كتبها تحوت بأصابعه ، شرح بها كل الخطوات التى سيخطوها المحظوظون فى ملكوته ، وذكر بها الأًسماء المستورة مبوبة بحيث يسهل معرفتها وذكرها .
- يا بركة الالهة .. امنحنى إياها جزاك "رع" عنى كل خير .
- إن ثمنها ريع خمسمائة هكتار مزروعة فاكهة تنفق على خدمته .
- هذا ثمن لا يقدر عليه الا ملك متوج على الارضين .
- هناك نسخة اخرى اقدم رسمتها " ماعت " من أجل آمر المقاطعة يمكننى أن أعطيها إياك مقابل ريع ثلاثمائة هكتار فقط .
- خادمك فقير يا صاحب الجلال المقدس .
ثم بدأت ابكى حظى العاثر .. لقد تبخرت احلامى .. لكن الرجل الطيب قال مبتسما : لا تيأس يا بنى .. ماذا بوسعك دفعه ؟
- ريع مزرعتى حتى رحيلى الى الرحاب الالهى .
- انت عبد طيب يا آن نفر حتب .. سنعطيك مقابل هذا مخلصاً وافياً بطول ذراعين يحتوى على اهم الفصول ومنقوش عليه بعض الرسومات المنقولة عن نسخة أصلية ألفها " تحوت" ورسمتها "ماعت"
ثم أنه ربت بكفه المقدس على رأسى فانزاحت الغمة وعم البشر والحبور .
وقعت على وصية الدفن وبناء منزل الآخرة وحراسته .. وتنازلت عن ريع مزرعتى فاستلمت كنزى الثمين .. عدت به اكاد ان أطير فرحاً .. أتعجل يوم رحيلى الى رحابه الاعلى .. تفرغت من جميع مهامى زاهداً فى كل ما حولى إلا قراءة الاسفار وتلاوة الصلوات بالنغم الذى يكفل أفضل تأثير ، حتى تحققت من استيعابى لها .. فانتقلت لأعيش بجوار منزل آخرتى منتظراً ساعتى (نكمل قصة أن نفر حتب قريبا ).

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية