جائحة كورونا وإعادة انتاج الحياة الاجتماعية تأملات سوسيولوجية لمعطيات واقعية

محمود فتحى عبدالعال ابودوح
2021 / 9 / 27

مقدمه :
مر المجتمع الانسانى بالعديد من الاوبئة الفتاكة والتى نخرت في بنيتة الاجتماعية والاقتصادية وغيرت من شكله ومن ملامح الحياة بداخله ، فبالرغم من وطئة هذه الاوبئة على المجتمع الانسانى وما خلفته من آثار مدمرة ، إلا أنها ساهمت بشكل أو باخر فى إيجاد معطيات واقعية ساهمت بدرجة ما فى تغير الحياة الانسانية ،بل وتغير البنية الاجتماعية تغيرا جوهريا فى الكثير من الاحيان .
ويمكن تأمل تأثير الاوبئة على المجتمع الانسانى فى ضوء كونها ظرف استثنائى تمر به المجتمعات يعمل على اختراق الحياة الاجتماعية ويدفع قدما نحو تسيير الحياة الاجتماعية وجهه مختلفة عما كانت عليه ، مما قد يساهم فى تعديل وتغير شكل الحياة الاجتماعية بصورة إجبارية – يظهر تاثيرها على المجتمع فيما بعد – إذ تفرض الاوبئه على المجتمعات قيوداً جبرية – فى الكثير من الاحيان – على عملية التفاعل الاجتماعى داخل المجتمع ، مما يترتب عليه شل تدريجى لحركة المجتمع الانسانى على جميع مستوياته الاجتماعية والاقتصادية ....، فضلا عن كونها تدفع المجتمع الانسانى إلى إحداث تغيرات جوهرية من أجل الخروج من دائرة الانغلاق والتيه والظلمه التى يوشك أن يدخل فيها من جراء تاثير الاوبئه ، فتعمل المجتمعات على استنفار و استدعاء كل ما لديها من طاقات بشرية وتقنية من أجل إعاد إنتاج عملية التفاعل الاجتماعى ؛ والتى تعد مؤشرًا على بدء خروج المجتمع من دائرة الانغلاق والتيه التى فرضتها الاوبئة ، ومؤشرا فى ذات الوقت على إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بمعطيات جديدة .
وبالرغم من وطئه وصعوبة الاوبئة التى مر بها المجتمع الانسانى قديمًا والتى أودت بحياة الكثير من البشر ، إلا أن فيروس كورونا ( كوفيد 19- جائحة كورونا ) يعد الاكثر تأثيراً فى حياة البشر، ويمكن تأمل ذلك من خلال أكثر من بعد :
البعد الأول : العجز الكامل للمجتمع الانسانى فى التصدى لهذا الوباء_ حتى الآن رغم المحاولات الجادة للوصول إلى مصل أو عقار للوقاية منه _ وأن كان هذا شان التصدى للفيروسات على مر العصور، وذلك لما تتمتع به الفيروسات من تركيبات معقدة ( الشفرة الوراثية ) يتطلب فكها بعض الوقت_ رغم أن الصين قد أعلنت عن الشفرة الوراثية بعد بداية الانتشار بمدة قصيرة _ ، إلا أن ما وصل اليه المجتمع الانسانى من تقدم تقنى فى مختلف المجالات يجعل هذا العجز أمراً مرفوضًا من قبل المجتمع الانسانى ؛ إذ يمتلك المجتمع الانساني الآن أقوى الأنظمة التقنية رفيعة المستوى من حيث الدقة والسرعة على جميع المستويات خاصة الطبية والوقائية ، والتى ولدت قناعة عامة _ داخل المجتمع الانسانى _ بأن بنو البشر قادرون بما لا يدع مجالا للشك على التصدى لاي وباء أو فيروس يهدد البشرية ؛ بفضل ما وصل إليه المجتمع الانسانى من تقدم تقنى .
وما يزيد الأمر تعقيدًا هو سرعة انتشار الفيروس حول العالم ، إذ تتسع رقعته الجغرافية بشكل متواصل ليشمل أغلب دول العالم ، ففى غضون شهرين_ وقد كان أول انتشار له فى ووهان الصينية فى آواخر ديسمبر 2019_ اجتاح الفيروس أغلب دول العالم محققًا عدد كبير من الاصابات والوفيات ، وما يجعل الامر مربكًا هو ظهور الفيروس فى موجات متتاليه ، فبعد أن أعلنت الكثير من الدول انخفاض الاصابات فيها أو انعدامها يعادو الفيروس الانتشار من جديد محققاً اصابات مرتفعة مرة اخرى .
وقد ترتيب على كل ذلك حدوث حالة من الرعب والذعر بين بنو البشر من مغبة الوقوع فريسة لهذا الوباء ، إذ يحصد الفيروس آلاف الارواح كل يوم ، ومئات الآلف من الاصابات _خاصة فى الدول المتقدمة ( دول العالم الاول ) _ ويظل المجتمع الانسانى بكل ما يمتلكه من قدرات تقنية وعلمية عاجزا لا سبيل امامه لايقاف هذا العدو الخفى فى الفتك ببنو البشر ، وما يزيد من حالة الرعب والذعر هو إتساع انتشاره فى دول الصف الأول الأكثر تقدمًا فى كل شيئ والتى ينظر اليها العالم باعتبارها المثل الذى يحتذى به ، فضلا عن نظره العالم إلى هذه الدول باعتبارها خط الدفاع الأول عن العالم فى حال انتشار الاوبئة والكوارث .
البعد الثانى : الاستهانة والتقليل من مخاطر الفيروس من قبل انسان العصر الحالى ، فبالبرغم من أن الانسان الحالى هو أكثر من عَمر الارض وعيا وثقافة بفعل ما توفر بين يديه من وسائل تكنولوجية وتقنية تضع الحقائق بين يديه فى ثوان ؛بفضل سرعة نقل المعلومات التى تدعم وعيه ، إلا أن هذا الانسان هو السبب المساعد فى انتشار هذا الوباء ، رغم أن سرعة معرفته بمخاطر الفيروس أسرع من وصول خطر الفيروس اليه ، والغريب فى الأمر أن انسان (دول العالم الاول ) وهو الأكثر تقدمًا ورقيًا وثقافةً ووعيًا هو من جاءت الفجوة من خلاله ؛ اذ أن مواجهة هذا العدو الخفى _ كورونا _ وخط الدفاع الأول لمواجهته هو وعى الانسان بمخاطره وطرق انتشاره فعدم وعى الانسان بمخاطره يزيد من سرعة انتشاره ، الأمر الذى يضع أمام انسان هذا العصر ضرورة ملحة وهى مراجعة حياته وممارساته .
البعد الثالث : أن هذا الفيروس قابل للتطوير الجينى والذى يجعل السيطرة عليه مستحيلة أو غير ممكنة فى الوقت القريب ، وأن كان هذا السيناريو غير وارد ، إلا أنه يحتمل الحدوث ، فقد يكون زريعة لتصفية حسابات سياسية او عسكرية بين الدول ذات المصالح المتشابكة .
وبالرغم من الآثار المدمرة لفيروس كورونا والتداعيات السلبية التى خلفها على مستويات الوجود الانسانى ، إلا أن المقالة الحالية سوف تنظر إلى الجوانب الايجابية المحتملة لهذا الفيروس على واقع المجتمع الانسانى ، انطلاقا من كون اى خطر يواجه الانسان يحمل فى طياته جانبًا ايجابيًا بدرجة ما .
إذ تتناول المقالة الحالية " جائحة كورونا" باعتبارها قد اضحت لاعبًا اساسيًا فى حياة الشعوب والمجتمعات لها تجليات عميقة الاثر ؛ اذ نتج عنها معطيات واقعية ساهمت فيما يمكن أن نطلق عليه " بتجميد الحياة الاجتماعية السابقة على وجودها- اى أنها بمثابة اشعار قوى بايقاف الحياة الاجتماعية بممارساتها القديمة - وطرح معطيات واقعية جديدة من شأنها أن تفرض ممارسات قوامها إعلاء قيمة الانسان والعلم وتمجيد النظافة بكل مستوياتها ، والتعاون على جميع الاصعدة والتكاتف والتازر على الصعيد العالمى بين الدول للخروج من تلك الأزمة .
وتنطلق المقالة الحالية فى تأملها للمعطيات الواقعية من تساؤل مؤداه " هل تساهم جائحة كورونا فى إعادة إنتاج ممارسات يومية من شأنها أن تعمل على إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بشكل مختلف ، أم أن الأمر لا يعد أكثر من كونه مرحلة عابرة في تاريخ الشعوب ؟
وتنطلق المقالة الحالية من منهجية ذات مستويين :
المستوى الأول ( نظرى )
يستمد منطقه من نظرية انتونى جيدنز " تشكيل البينة" ، وتعتمد المقاله هنا على استخلاص عدد من المقولات التى تجدها ملهمة لها فى تحليل وفهم وتأمل المعطيات الواقعية :إذ أكد جيدنز على عدد من المقولات اهمها :
ينظر جيدنز إلى ممارسات الحياة اليومية باعتبارها المادة الخام لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية ، فالممارسة تشير إلى ضروب السلوك والتفاعل التى ينتجها الفاعلون الاجتماعيون ، وهو يكشف عن الطريقة التى تتشكل بها الحياة الاجتماعية ، فهذه التفاعلات – أو الممارسات – تنتج فى النهاية علاقة وطيدة بين الفرد والجماعة ، فالممارسة هى التى تكشف عن الطريقة التى تتخلق من خلالها ضروب السلوك بدءًا من نماذج السلوك الفردية وحتى انماط الجماعات الاجتماعية ، وما يترتب على هذا من نتائج وعلاقات مستقرة ، وتكشف الممارسة – ايضا – عن الشروط التى تنتج فيها هذه العمليات وما يترتب عليها من نتائج ، وهى شروط ضرورية لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية ، كما أن استمرار الحياة الاجتماعية ضرورية لاستمرار هذه الشروط .( زايد:70:1996 )
ويتخذ "جيدنز" - فى ضوء ذلك – من الانشطة الاجتماعية نقطة البداية بالنسبة له ، إلا أنه يصر على ان تلك الأنشطة متكررة أى أن الأنشطة لا تظهر إلى الوجود بواسطة الفاعلين الاجتماعيين ، ولكنها تتجدد بواسطتهم من خلال الوسائل الفعلية التى يعبرون بها عن أنفسهم كفاعلين ، ويقوم الفاعلون فى أنشطتهم ومن خلالها بإنتاج الظروف التى تجعل هذه الأنشطة محتملة الحدوث , وبالتالى فإن نقطة البداية الانطولوجية عند "جيدنز" ليست الوعى – أى التشكيل الاجتماعى للواقع - وليست هى البناء الاجتماعى ، وإنما الجدل بين الانشطة والظروف التى تحدث فى الزمان والمكان ، ويهتم "جيدنز" بالوعى أو الانعكاسية ، إلا أن الفاعل الإنسانى بانعكاسيته لا يكون واعياً بذاته فحسب ولكن يراقب أيضاً التدفق المتواصل للأنشطة والظروف , وقد أتاحت انطولوجية الزمان والمكان لـ "جيدنز" أن يدرس التميز بين الظواهر الكبرى والصغرى بطريقة تاريخية وديناميكية .( عبدالجواد :2002 :366)
يؤكد جيدنز أن فهم الممارسة يمكننا من ان نفهم الطريقة التى يتشكل بها المجتمع ، فالمجتمع الانسانى يخلق ويعاد إنتاجه لا من خلال فرد واحد ولكن من خلال كل المشاركين فى كل موقف اجتماعى ، فالافراد هم الذين ينتجونه من خلال ممارساتهم الحياتية .( زايد:1996 : 70)
إذ يبدأ جيدنز" بالفاعلين الذين يراقبون أنشطتهم بصفة مستمرة بالإضافة إلى بيئاتهم الطبيعية والاجتماعية ويكون الفاعلون قادرين أيضاً على الترشيد أو تطوير العمليات الروتينية التى يصبحون بموجبها قادرين على الفهم المتواصل لأسباب أفعالهم ، كما يؤكد "جيدنز" ان لدى الفاعلين دوافعاً للفعل ، وهذه الدوافع تحتوى على الرغبات التى تحث على الفعل , وعلى الرغم من أن المراقبة الإنعكاسية يتضمنها الفعل بصفه مستمرة ، فإنه من الأفضل ان نفكر فى الدوافع على انها بمثابة قوة دافعة للفعل ، وتحدد الدوافع الغايات العامة للفعل ، إلا أن معظم أفعالنا لا تحركها الدوافع بشكل مباشر, وان كانت مهمة بالنسبة للسلوك الإنسانى.( عبدالجواد :2002: 367).
كما يربط جيدنز بين الممارسات الاجتماعية والمعرفة المتبادلة والتى تشير فى اعتقاده إلى ضروب المعرفة المشتركة والتى تمكن الافراد من اختيار اسلوب الاداء الملائم ، فالمعرفة هنا فى الاصل معرفة القواعد السلوكية ، فهى هنا تتعلق بالإجراءات المفهومة ضمنيًا إى التى يعرفها الأفراد ويعرفونها حق المعرفة ويشتركون فى معرفتها جميعا ، ولقد ميز جيدنز بين جانبين من القواعد :
الأول : هو الجانب الدلالى أو الاشارى والذى يرتبط بالمعانى أو الدلالات اللصيقة بالممارسة الاجتماعية .
الثانى : هو الجانب المعيارى ، والذى يشير إلى نفس الممارسات من وجهة نظر الحقوق والواجبات والتى تحدد بدورها الطابع الشرعي أو اللا شرعى لهذه الممارسات وكذلك الاساليب الملائمة او غير الملائمة لاداء هذه الممارسات . .( زايد:1996 : 71)
كما يؤكد جدنز أن كل ممارسة تشتمل على مجموعة متداخلة من القواعد ، فكل ممارسة يمكن تفكيكها إلى عدد كبير من القواعد ، وطالما تداخلت القواعد على هذا النحو فإن الممارسات تتداخل ، ويؤدى تداخلها فى ضوء المعرفة المتبادلة الى تشكيل بنية لها قدرة على اعادة انتاج نفسها باستمرار .
و يكشف ربط جيدنز المعرفة الاجتماعية بالممارسات من ناحية ، وبالقواعد من ناحية أخرى يميز طبيعة الوعى الذى يتحدث عنه جيدنز ، فليس هذا الوعى وعيًا بمشكلات المجتمع أو بالوضع الطبقى أو بامكانبة التغيير ، ولكنه وهى يرتبط بالمهارة فى اداء السلوك أو بما يطلق عليه جيدنز مهارات الممارسة( زايد:1996 : 72)
ثم ينتقل "جيدنز" من الفاعلين إلى الفعل أى الأشياء التى يقوم بها الفاعلون ، ولا يتعلق الفعل بنوايا الفاعلين ولكن يتعلق بما يقوم به الفاعلون فعلاً , "يتعلق الفعل بالأحداث التى يصوغها الفرد ، وما حدث لم يكن ليحدث ما لم يتدخل فيه الفرد ، وقد بذل "جيدنز" جهداً واضحاً ليفصل الفعل عن النوايا (المقاصد) لأنه كان يريد أن يوضح ان ما ينتهى إليه الفاعلون غالباً ما يكون مختلفاً عما كانوا يقصدونه , وبعبارة أخرى فإن الأفعال المقصودة غالباً ما يكون لها نتائج غير مقصودة ، إضافة إلى ذلك يربط "جيدنز" بين الفعل والقوة مؤكداً ان الفاعل لديه المقدرة على التأثير ، وانه يكف عن كونه فاعلاً إذا افتقد المقدرة على التأثير ، والقوة – فى رأى "جيدنز" – تسبق الذاتية منطقياً ، لان الفعل يتضمن القوة أو القدرة على تغيير الموقف ومن ثم يعترض "جيدنز" على النظريات الثنائية التى تنزع إلى مطالبة القوة إما مع نية الفاعل (التفاعلية الرمزية) ، أو مع البناء (الوظيفية) ( عبدالجواد :2002: )
إضافة إلى ذلك يؤكد "جيدنز" أن مفاهيم البناء والنسق وازدواجية البناء تشكل جوهر نظرية التشكيل البنائى ويعرف البناء "بأنه تلك الخصائص البنائية (القواعد والموارد) التى تسمح بعقد الصلة بين الزمان والمكان فى إطار النسق الاجتماعى , وهى خصائص تجعل من الممكن للممارسات الاجتماعية الملاحظة أن توجد عبر مجالات زمانية ومكانية مختلفة وتضفى عليها شكلاً منتظماً " , ويقصد بالأنساق الاجتماعية الممارسات الاجتماعية التى يعاد إنتاجها أو العلاقات التى يعاد إنتاجها بين الفاعلين أو الجماعات ، تلك العلاقات التى تنظم كممارسات اجتماعية مطردة ، والأنساق الاجتماعية ليست لها ابنية ولكنها تتصف بخصائص بنائية ويتجلى البناء فى الانساق الاجتماعية فى الممارسات التى يعاد إنتاجها ويطوقها الزمان والمكان وفى بقايا الذاكرة الموجهة لأفعال الفاعلين ، ومن ثم يربط "جيدنز" البناء كقواعد وموارد – بكل من المستويات الكبرى (الأنساق الاجتماعية) والصغرى (الذاكرة) ، ويرى ان هذا التكامل مهم ، حيث يقول ان "أحد الافتراضات الأساسية لنظرية التشكل البنائى هى ان القواعد والموارد المعتمدة على إنتاج وإعادة الإنتاج للفعل الاجتماعى هى فى نفس الوقت وسائل إنتاج وإعادة إنتاج النسق (ازدواجية البناء) ( عبدالجواد :2002: 368)
وفى ضوء ما سبق يمكن القول بان نظرية التشكيل تقوم على فكرة مؤداها أن تشكيل الفاعلين والأبنية ليسا ظاهرتين مستقلتين (اى ثنائية) ولكنهما يمثلان ازدواجية , فالخصائص البنائية للأنساق الاجتماعية هى بمثابة وسيلة ونتيجة للممارسات التى تنظمها بصورة مكررة , كما ان لحظة إنتاج الفعل هى أيضاً لحظة إعادة إنتاجه فى سياق الأحداث اليومية للحياة الاجتماعية ، كما أكد "جيدنز" ان البناء ليس خارجاً عن الفاعل ، فهو موجود فى كل من بقايا الذاكرة والممارسات الاجتماعية ، كما أوضح "جيدنز" بشكل حاسم أن البناء دائماً ما يعيق الفرد عن تحقيق ما يريده من ناحية و يمكنة من تحقيق ما يريده من ناحية أخرى , وبذلك يبتعد "جيدنز" عن المفهوم الدوركايمى للبناء بانه يعيق الفرد عن تحقيق ما يريده ومع ذلك فإن الفاعلين يمكن أن يفقدوا السيطرة على الخصائص البنائية للأنساق الاجتماعية مع امتداد الزمان والمكان ، إلا أن فقدان هذه السيطرة ليس أمراً حتمياً .( عبدالجواد :2002: 369)
المستوى الثانى ( منهجى ) :
تتخذ المقالة من التاويل مدخلا منهجيا لها فى فهم الممارسات اليومية الحالية والكشف عن جوهرها والمعانى التى تخفيها ، اذ ان فلسفة التعمق خلف ما هو ظاهر من تعبيرات وعلامات ورموز للكشف عن المعانى الكامنة والجوانب غير المتعينة من الخبرة أو التجربة فى محاولة لفهم المجهول بالعلوم ، حيث تبدأ عملية الفهم دائماً من المعلوم فى تجربتنا لتنفذ إلى المجهول فى محاولة لفهم التجربة التاريخية ، فجوهر عملية التأويل هو الكشف عن ما يكمن خلف الأشياء الظاهرة من دلالات ومعان ، ومحاولة كشف الغموض البادئ فى الظاهرة بالتعمق خلفه والكشف عن آفاق للمعانى لا ندركها من مجرد النظرة الظاهرية الخارجية ( زايد :6:2006).
ومن ثم فإنه يمكن القول بان الاستعانة بمنهج التأويل فى علم الاجتماع قد يترتب عليه تولد فهم جديد لمفهوم الموضوعية فى العلوم الاجتماعية , حيث ان عالم التأويل لا ينظر إلى العملية موضع الدراسة نظرة موضوعية يصورها كياناً مستقلاً يمكن أن يخضع للإختبار وفق أساليب العلوم التجريبية وإنما يتصور نفسه داخل هذه العملية فيطلق رؤية ذاتية. ( روبنسون:2002: 4)
بمعنى أن منهج التأويل بطبيعته منهج ذاتى ، وهو لا يستطيع أن يتخلى عن هذه الذاتية للبحث عن موضوعية زائفة ومن ثم فإن منهج التأويل يعتبر البحث عن الموضوعية تكمن فى الذاتية نفسها وليس فى شئ أخر ، وبهذا يأتى منهج التأويل بمفهوم للموضوعية مغاير لما كان عليه فى السابق من حيث تبنى موقف محايد ومستقل تجاه الحقيقة الاجتماعية والتأكيد على أن الظواهر الاجتماعية جزء لا يتجزأ من العالم الموضوعى للطبيعة وأن لها قوانينها العامة التى يجب على الباحث أن يكشفها بنفس أساليب منهج العلوم الطبيعية ( زايد :29:2006). .
وتحاول الدراسة الحالية ان تتخذ من التكامل فى المنهجية المتبعة اساسا لها ترتكز عليه فى تناولها لفهم وتأمل وتأويل المعطيات الواقعية ، وذلك من خلال الاتساق بين المدخل النظرى والمدخل المنهجى انطلاقا من تأكيد "جيدنز" ان التأويل يحيط بالنظرية الاجتماعية من كل جانب ، فمهمة العالم الاجتماعى هى مهمة تأويلية ، كما ان الموضوع الذى يفسره يتأسس فى تشكيله على تأويل للأفعال اليومية فى الحياة الاجتماعية ، وهذا ما يطلق عليه" جيدنز "التأويل المزدوج" double hermeneutics فالحياة الاجتماعية بما فيها من تفاعلات تتشكل فى ضوء تأويلات متبادلة للسلوك ذى المعنى تتجلى فى صيغ رمزية لغوية وعندما ينخرط الباحث الاجتماعى فى هذا العالم محاولاً دراسته لابد وأن يتمثل نسق المعانى داخله وأن ينخرط فى صور الحياة التى تشكله وتلك مهمة تأويليه بالدرجة الأولى ، ففهم المجتمعات البشرية لا يتطلب تأويلاً للأفعال الاجتماعية فحسب بل يتطلب فهماً للطريقة التى تتشكل من خلالها تأويلات الناس وبنائهم لمعانى أفعالهم ، وهذا هو جوهر التأويل المزدوج ، والتأويل من قبل الباحث وفهم التأويلات التى تبنى عليها الحياة الاجتماعيه ذاتها ويؤدى ذلك بالتالي إلى خلق علاقة بين لغة الحياة العادية ولغة العلم ، فالعلم الاجتماعى ذاته هو صورة حياة بما فيه من مفهومات فنية وعلاقات مهنية ، والعلاقة يجب أن تكون وثيقة بين لغة العلم ولغة الحياة فهى تقوم على رابطة منطقيةlogic tie تمكن الباحث من أن يفهم لغة الحديث العادية وأن يؤسس عليها مفهوماته العلمية. ( زايد :66:1996). .
وتحاول المقالة تناول موضوعها من خلال عدد من العناصر الاتية :
اولاً : تشكل ملامح جديدة للحياة الاجتماعية داخل المجتمع الانسانى .
ثانيا : العزل الاجبارى وإعادة تشكيل العقل الانسانى ( مولد عقل انسانى جديد )
ثالثا : إعادة انتاج الحياة الاجتماعية ( معانى ومؤشرات ) .
اولا: تشكل ملامح جديدة للحياة الاجتماعية داخل المجتمع الانسانى :
يكتشف المتأمل لواقع كورونا داخل المجتمعات أن هناك حالة من حالات التشكل الجديدة داخل المجتمعات ؛ تلك الحالة التى يمكن النظر إليها باعتبارها إعادة رسم لملامح المجتمع الانسانى ؛إذ أضحى المجتمع الآن أكثر توجهًا وجنوحًا إلى ممارسات يومية ملزمة_ مبشرة فى حال استمرارها بتشكل نمط حياة جديد - ويمكن النظر إلى هذه الممارسات فى حال - ديمومتها - إلى أنها نقطة البدء فى إعادة تشكل بنية مجتمعية جديدة قوامها إعلاء قيم انسانية وأخلاقية، ويمكن تصنيف هذه الممارسات تصنيفا عاما يشتمل بداخله على مجموعة متداخله من الممارسات ، وذلك على النحو التالى :
- الممارسات الاحترازاية :
وهى تشير فى مجملها إلى إعلاء قيم انسانية وأخلاقية رفيعة ، كاتخاذ النظافة أسلوب حياة يندرج تحتها عدد من الممارسات ، إذ فرضت جائحة كورونا مجموعة من التدابير الاحترازية الخاصة بالنظافة وطرقها ومستوياتها( مثل غسل اليدين ، والتعقيم الدائم ، وعدم لمس الاسطح الخارجية، و ارتداء الكمامات ) ؛ وذلك كمدخل للوقاية والحماية من الإصابة بمرض كورونا ، والإنزلاق فى مغبة التبعات المرضية والتى قد تودى بحياة الانسان، كما اشتملت ايضا التدابير الاحترازية ممارسات التبعاد الاجتماعى وما يشمله ذلك من الحد من علاقات الوجه بالوجه ؛ والحد من التصافح والتقبيل وغيرها من عادات التقارب الاجتماعى والألفة بين الناس ، اضافة إلى ممارسات أخرى لابد للإنسان من اتباعها إذا ما أراد حماية نفسه واسرته ؛ منها عدم الاختلاط بأى مصاب ، الحدمن التنفل من مكان لآخر ، عدم الوجود فى الأماكن المزدحمة ، وغيرها من الاجراءات الأخرى والتى تمارس فى أساسها على المستوى الشخصى وتنطلق لتصبح اسلوب خياة يشترك فيه أغلب البشر على وجه المعمورة .
والمتأمل لهذه الممارسات يجد أنها تعلى من قيمة النظافة وتمجد الالتزام بها فهى بمثابة تدريب لأفراد المجتمع على إتخاذ النظافة أسلوب حياة ، وإعتبار النظافة الشخصية والعامة هى المرتكز الاساسيى للوقاية والحماية من الإصابة بالفيروسات والميكروبات والجراسيم ، وبالرغم من ذلك إلا أنها تعكس بعدًا له مدلول اجتماعى بشير إلى أن إعلاء قيمة النظافة _ الشخصية والعامة _يصب فى صالح المجتمع ؛إذ يساعد على ازدهاره وخلوه من الأمراض والأوبئة ، إذ أن إعتماد النظافة كاسبلوب حياة يجعل المجتمع خالى من الامراض والاوبئة، ويجعل أفراد المجتمع فى صحة جيدة ، مما يننعكس اثره على زيادة انتاجية أفراد المجتمع ؛إذ تتوفر لهم بيئة مريحة للعمل ، فضلا عن تحسين العلاقات الاجتماعية بين الافراد وتعزيز الثقة بالنفس مما يساعد على تخفيض حده التوتر بين الأفراد، وتقليل البغض والكراهيه الناتجة من عدم الثقة بالنفس، الأمر الذى يتجلى اثره فى تخفيض حده الصراع داخل المجتمع ، ومن ثم فإن إتخاذ النظافة اسلوب حياة بين افراد المجتمع و داخل المجتمعات من شأنه أن يدعم وجود مجتمع خالى من الأمراض ،ويدعم التعايش السلمى الآمن بين افراد المجتمع .
- الممارسات القرابية :
وتشتمل على العلاقات الاسرية والعلاقات القرابية القائمة على علاقة الدم ، كما يمكن النظر إلى العلاقات القرابية ايضا على إعتبار أنها تشتمل على علاقات الجيرة والتى تصبح قرابية فى ضوء طول مدة العشرة ، و تشير الممارسات القرابية فى مجملها إلى إعادة إنتاج العلاقات الاسرية والقرابية والتى اوشك الكثير منها إلى أن يتحول إلى علاقات عادية ، ويتمثل ذلك فى توطيد العلاقات الاسرية ، وزيادة عدد ساعات التقارب بين افراد الاسرة _ من خلال زيادة ساعات المكوس فى المنزل _ تبادل الأحاديث القرابية والاسرية مما يزيد من التراحم و التقارب الاسرى والقرابى ، غعادة ترتيب الحياة الاسرية وإعادة التفكير بها ، زيادة درجة التلاحم الاسرى والقرابى ممكا ينعكس اثره على زيادة اللحمه والترابط بين أفراد الاسرة الواحدة . .
ويمكن النظر إلى هذه الممارسات على أنها تعمل على تدعيم العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع ، إذ انتاج العقلاقات القرابية والاسرية من شأنه أن يدعم العلاقات الاجتماعية بشكل عام داخل المجتمع ، إذ من المحتمل أن تسود علاقات التفاهم والتراحم والتقارب وتقل علاقات الصراع والتباغض _ الى حد ما _؛ وذلك انطلاقا من أن الظروف الصعبة قد تجعل افراد المجتمع اكثر قربا وتماسكا ؛ ونستنج من ذلك أن الممارسات القرابية قد تدعم تماسك البناء الاجتماعى ، وتغذيه بعلاقات اجتماعية صلبه ، تجعله قادرا على مواجهة التحديات التى يفرضها انتشار فيروس كورونا داخل المجتمعات .
- الممارسات التقنية
وهى تشير فى مجملها إلى استدعاء الوسائل التقنية والتكنولوجية من أجل إعادة انتاج عملية التفاعل الاجتماعى ، والاعتماد عليها فى تسيير شئون الحياة الاجتماعية ،كبديل ناجع لعلاقات الوجه بالوجه ، وتشتمل هذه الممارسات على توظيف التكنولوجية الرقمية فى دعم واستمرار العمل ( العمل عن بعد )، دعم واستمرار التعليم (التعليم عن بعد) ، وعقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات واللقاءات ، وتوظيفها فى التبادل التجارى وعرض المنتجات ، والبيع والشراء ..... الخ .
وبالنظر إلى هذه الممارسات نجد أنها تعمل على نحت بنية اجتماعية جديدة قوامها الاعتماد الكامل على التكنولوجيا الاتصالية والرقمية ، فهى ممارسات تدعم التحول التقنى بكل ما يحمله من تفاصيل ، وهذا من شأنه أن يحدث تحولات بنائية داخل المجتمع الانسانى تتجلى بوضوح فى الاعتماد على التكنولوجية الرقمية والاتصالية كاسلوب حياة و فرض قيم تكنولوجية تضاف الى القيم المجتمعية ، كل ذلك يساعد المجتمع على أن يخرج إلى آفاق أوسع وأن يدخل فى اطار اوسع من العلاقات ، ويحقق الاندماج الكامل بين فئات ومكونات المجتمع الانسانى ، ويدفع إلى إنتاج وإعادة إنتاج عملية التفاعل الاجتماعى بسهوله ويسر ، كما أن توجه المجتمعات إلى التحول الرقمى قد يخلق خصائص لعملية التفاعل الاجتماعى تختلف فى مضمونها عن خصائص عملية التفاعل الاجتماعى القائمة على علاقة الوجه بالوجه .
وفى ضوء ما سبق يمكن النظر الى هذه الممارسات فى ضوء اكثر من مستوى :
المستوى الأول : يتمثل فى كون هذه الممارسات تحمل فى طياتها نقدًا مباشرًا لواقع الحياة الاجتماعية السابقة - قبل كورونا - وممارسات الحياة اليومية بداخلها والتى كانت تعد أقل شأنًا فى عمقها من الممارسات الجديدة المفروضة .
المستوى الثانى : يتمثل فى كون هذه الممارسات اليومية تحمل فى طابعها العام التكامل والاتساق ، فهى ممارسات متجانسة تسير فى مسار واحد وتنبع من نبع واحد وهو إعلاء قيم أخلاقية وانسانية عالية المرتبة فى السلم الاخلاقى والقيمى ، فالنظافة كاسلوب حياة والوقاية والحماية والحرص على أن يسود النظام داخل المجتمع كل ذلك يمثل اساسًا من الممكن أن يتم الارتكاز عليه والاتكاء عليه فى تشكل اسلوب حياة جديد .
المستوى الثالث : يتمثل فى كون هذه الممارسات هى ممارسات تحمل فى طياتها "التعود الاجبارى " لفترة زمنية معينة وهى فترة اجبارية لا خيار فيها ، فالتعود هنا هو منبت السلوك وداعمه القوى ، ومن هنا نتوقع أن تُكون مثل هذه الممارسات فى ضوء فكرة التعود سلوكيات لها صفة الديمومة فى حياة الأفراد، الأمر الذى يفتح المجال معه للقول بإمكانية تشكل نمط حياة جديد.
المستوى الرابع : يتمثل فى كون هذه الممارسات نتجت عن وعى وإدارك كاملين نابع من كون هذه الممارسات أضحت لا غنى عنها فى نظام الحياة اليومية ، وهذا يدعو إلى القول بأن هناك قدر من المعرفة مرتبط بهذه الممارسات وهى معرفة مرتبطة بالقواعد السلوكية المشتركة والتى يعرفها الأفراد ويفهونهما حق المعرفة .
ويقود تأمل ما سبق إلى تساؤل هام : هل كل ممارسات الحياة اليومية تصلح أن تساهم فى إعادة انتاج الحياة الاجتماعية ؟ويمكن الاجابة عن هذا التساؤل فى ضوء الآليات والمحددات التى وضعها جيدنز والتى يجب أن تتوفر فى الممارسات التى من شأنها أن تساهم على إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية .
الآليات الواجب توافرها فى ممارسات الحياة اليومية .
وضع جيدنز عدد من الآليات والمحددات التى يجب توافرها فى الممارسات التى من شأنها أن تساهم فى إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية ، إذ أكد جيدنز فى هذا السياق " أن اعادة إنتاج الممارسات الاجتماعية هى الطريق نحو تكوين البنية المستمرة عبر الزمن ، فوجود البشر سويًا ، وتفاعلهم سويًا ، وتخليقهم الدائم لأساليب جديدة يولد آليات استمرار هى التى تجعل النظام الاجتماعى ممكنًا ، وهى التى تكسب البناء استمراره عبر الزمن ـ ولقد حدد جيدنز اربع آليات أساسية تساهم فى عملية إعادة الانتاج هذه وهى ( المعرفة –الروتينية –الثقة – الكوابح ).( زايد ، 1996:ص77)
ويمكن تأمل الممارسات سالفة الذكر فى ضوء الآليات والمحددات التى طرحها جيدنز على النحو التالى :
على مستوى المعرفة : فالممارسات التى تم ذكرها ( الممارسات الاحترازية زالممارسات القرابية والممارسات التقنية ) تمتاز بتكرارها بشكل كبير، وياتى ذلك من خلال كونها ممارسات اضحى المجتمع يعرفها حق المعرفة ، اذ ان هناك ظرفا اجتماعيا يفرض ذلك ويدعمه ، ولد حولها تعارف مشترك بين افراد المجتمع صاحبه فهما موازيا لشروط تطبيقها ، فالممارسات الاحترازية اضحت جزءا من الحياة اليومية لأفراد المجتمع ، يقومون بها بشكل متكرر فى حياتهم اليومية فضلا عن وجود فهم مشترك لطرق تتنفيذها ، أم الممارسات القرابية فيوجد حولها معرفة ووعى باهميتها وضرورة التساند والترابط فى العلاقات الاسرية والقرابية ، وفهمًا موزايا لأهمية هذا التساند فى الدعم النفسى والاجتماعى للانسان خاصة فى اوقات الازمات ، ونجد ايضًا أن الظروف الواقعية قد ضغطت بشكل كبير على أفراد المجتمع لمعرفة طرق واساليب لإعادة انتاج عملية التفاعل الاجتماعى واستعادتها مرة اخرى ، مما دفع افراد المجتمع إلى أن تكون الممارسات التقنية جزء من حياتهم اليومية يستخدمونها فى التواصل بينهم ، وفى العمل ، وفى التعليم والتعلم ، ويسعون جاهدين لمعرفة كل ما يحيط بها من معارف ويصاحب ذلك فهما لكيفية الممارسة .
على مستوى الروتينية : يعد التكرار هو السمة المميزة للممارسات سالفة الذكر ، إذ اضحت تلك الممارسات تمارس بشكل تلقائى نتج من التعود على ممارساتها ، سرعان ما تحول لشكل نمطى ، فالفاعلون الأفراد يستخدمون نماذج منظمة أو جاهزة فى مجرى حياتهم الاجتماعية ، خاصة فى المواقف المعتادة أو المتكررة ،( زايد:79) فعلى مستوى الممارسات الاحترازية نجد ان أفراد المجتمع قد اضحى لديهم نمطية فى ممارسة النشاط الاحترازى وقد نبع ذلك من الديمومة فى الممارسة، وينطبق الامر كذلك على الممارسات القرابية و التقنية ،ويؤكد جيدنز فى هذا السياق أن الممارسات الاجتماعية النمطية تلعب دورا هاما على مستوى الاستقرار النفسى للافراد فهى تقلل المصادر اللى واعية للتوتر وتمكن الفاعلين من الشعور بالأمن الوجودى ، وتولد لدى الافراد ضرورة الالتزام والمحافظة على روتين الحياة ومن ثم دفعهم الى الالتزام بإيقاع الحياة الاجتماعية وهذه الايقاعية تعود عليهم باستقرار بنائهم النفسى وتكوينهم الشخصى ( زايد :79)
على مستوى الثقة :تمتاز الممارسات سالفة الذكر بكونها تولد شعوراً جمعياً مشتركاً بين أفراد المجتمع ؛ وذلك لالتفافهم حول ممارسة عدد من الانشطة المشتركة والمتشابهة الى حد كبير ، ويساعد ذلك على تشكل نوع من الترابط واللحمة بين الافراد من خلال اندماج ذواتهم سويا فى بناء نفسى واحد ، ويتولد عن ذلك ثقة الافراد بما يقومون به من انشطة ، إذ أن الاشتراك فى ممارسة الانشطة والديمومة عليها يولد ذلك ويدعمه ويطرح الشك والخوف جانبا ً، ويؤكد جيدنز فى هذا السياق أن " الثقة تتخلق غبر الايقاعية المنتظمة للحياة الاجتماعية ، وتظهر الثقة هما بمثابة اللحمة التى تربط الافراد من خلال اندماج ذواتهم سويا فى بناء نفسى واحد ، يخلو من الشك والريبة والخوف والقهر ، وتتضح أهمية الثقة فى استمرار الحياة الاجتماعية عندما ننظر فى المواقف التى تفقتد فيها الثقة .( زايد :79)
على مستوى الكوابح : يمكن القول أن ممارسة أفراد المجتمع للانشطة بشكل معتاد ومتكرر ساهم بشكل كبير فى تولد الكوابح ، إذ تشكل حول هذه الممارسات نظامًا نتج عن تبلور تلك الممارسات فى شكل مؤسسى أى علاقات مؤسسية أوجدت بناء نفسى مشترك بين أفراد المجتمع ، ومن ثم أضحى هناك ارتباط نفسى واجتماعى قوى يربط الأفراد بما يمارسونة من أنشطة ، الأمر الذى يجعل اختراق هذه الانشطة أو تجاوزها أمر مرفوض يعرض صاحبة للعقاب المادى او المعنوى ، ويؤكد جيدمز ذلك بقوله " ان الكوابح تتخلق عبر عملية التفاعل ، فالكوابح تعمل على استقرار عمليات التفاعل على النحو الذى يرغب فيه معظم افراد المجتمع "( زايد:80:1996)
ثانيا :العزل الاجبارى واعادة تشكيل العقل الانسانى ( مولد عقل انسانى جديد )
مما لاشك فيه أن العزل الاجبارى للأفراد حول العالم _ إلزم بيتك وهى أيقونه ذلك الوقت لمواجهة التجليات السلبية لجائحة كورونا _بفعل ما يفرضه كورونا على الدول والشعوب من إجراءات مشددة ، سوف يساعد على تشكيل عقلية انسانية جديدة ، تمتلك وعيًا وادراكًا يتولدان من تلك الازمة بأهمية حماية الانسان من مغبة الانزلاق فى التجليات السلبية لجائحة كورونا من ناحية ، والبحث عن مخرج من احتمالية التعرض لهذا التحديات فى المستقبل من ناحية أخرى، ومن ثم فأن التجليات السلبية لجائحة كورنا سوف تعمل بشكل ايجابى على تشكيل عقلية جديدة تسعى باستمرار إلى البحث عن حماية دائمة ومستمرة للانسان من أى خطر قادم _خاصة وأن أى خطر وبائى قادم سوف يكون أكثر وطئة على حياة البشر بفعل التطور فى صناعة الاوبئة _ ، لكن السؤال هنا كيف يتشكل هذا العقل ؟ وهل من السهل إعادة تشكيله ؟
ولكي نجيب على هذا التساؤل فعلينا تأمل المعطيات التى يمر بها الانسان فى تلك الفترة العصيبة ودورها فى إعادة تشكيل هذا العقل ، فالمتأمل لذلك يجد أن هناك مراحل يمر بها الانسان فى تلك الفترة المرحلة الأولى وتتمثل فى الشعور بالخوف والقلق والذعر من مغبة الوقوع فريسة فى مخاطر كورونا والذى قد يودى بحياة الانسان ، كما ان هذا الذعر يتاتى ايضا من واقع مظلم مرير شديد الوطاة على الانسان إذ لا بوادر لانفراج هذا الأمر مما يؤصل الذعر والقلق ويدعمه ، فضلاً عن الخوف من تطور جينى مفاجئ قد يطور من مخاطر كورونا على البشرية.
وتجدر الاشارة هنا إلى أن هذا الخوف والهلع والقلق الذى ينتاب الانسان الان حتما سوف يولد لديه الحذر الدائم ، اذ لا يأمن عدم تكرار تلك المعاناة فى المستقبل ، فيصبح الخوف متوطنا فى عقلية الانسان من مغبة تكرار ما هو أسوأ . إذا فعليه أن يتجنب فى المستقبل كل ممارسة تضعه فى وضع قلق ، و يولد ذلك الحاجة إلى ضرورة الحماية الكاملة للانسان من أى مجهول قد يدمر أمنه واستقراره ، ويتشكل فى ضوء ذلك وعياً بضرورة ايجاد تطور معين _ والأمر هنا يتجه نحو تطور تكنولوجى محتمل _ يحقق هذا الامر للانسان ويحيطه به ، فيخلق ذلك كله ضرورة لإعادة التفكير فى طرق الحماية للانسان والمجتمع الانسانى من الاخطار الوبائية ، فتكون إعادة طرق التفكير مدخلا لاعادة تشكيل عقلية جديدة .
وتأتى المرحلة الثانية مدعمة ومساندة لما سبق وهى الاجبار على ممارسات يومية وقائية ، وهذا الاجبار يولد معه التعود_ منبت السلوك _ومن ثم يتشكل سلوك جديد لدى الانسان هو بمثابة اسلوب حياة يعمل على تعديل فى نوعية حياة البشر من جراء تلك الاجراءات .
وتأتى المرحلة الثالثة متممة للمعطيات التى تدفع إلى إعادة تشكيل العقل البشرى وهى العزلة الاجبارية ، فهى مرحلة من مراحل الهدوء التي تجعل الانسان يتأمل كل ما يدور حوله بهدوء تام وفيها تكتمل الصورة اذ يتشكل العقل الكورونى بدرجة من الدرجات قد تكون عميقة وقد تكون سطحية ويختلف ذلك باختلاف ثقافة الفرد وشده تعرضه لمخاطر كورونا . يكتشف المتأمل للعزل الاجبارى للافراد داخل منازلهم أن هى إلا فرصة للبشر كى تستقيم حياتهم ، وأن يتأملوا ماضيهم ، وأن يتحركو فى الاتجاه الذى يخدم مصالحهم ويحقق امنهم الدائم واستقرار حياتهم .
كل ذلك يساعد على بداية تشكل وعى جديد لدى الانسان وعى يقود إلى التاأيد على حماية نفسه من المخاطر المجهولة التى قد تتعرض لها البشرية فى السنوات المقبلة ، خاصة وأن إنتشار هذا الفيروس بهذا الشكل منذر باحتمالية تكراره بشكل أكثر بشاعة _ خاصة اذا ما افترضنا انه الوسيلة للحد من تفوق دولة على دولة او مجتمع على مجتمع فى مجال ما-.
وقد يساهم كل ذلك فى تشكيل عقلية انسان كورونى واعى ومهتم فى ظل اجراءات اجبارية لا خيار فيها فاما ان تلتزم أو ترحل، ومن ثم تتشكل عقلية _ تدفع الانسان إلى ضرورة أن يتأمل ذاته ووضعه ، وأن يعمل على تعديل حياته _ جديدة تحرك المجتمع نحو ضرورة ايجاد بدائل حمائية كخط دفاع اول ضد الاوبئة .
ثالثا : اعادة انتاج الحياة الاجتماعية ( معانى ومؤشرات )
تسعى المقالة الحالية إلى التوصل إلى فهم لمعنى إعادة انتاج الحياة الاجتماعية من أجل ان تنطلق منه فى تحليلها لهذا المحور ، وقد تراءى فى ضوء ما تم عرضه وتاسيسًا عليه بأن إعادة انتاج الحياة الاجتماعية يشير إلى " قدره المجتمع على استنفار قواه فى استدعاء وسائل واساليب قادرة على دعم استمرار التفاعل الاجتماعى رغم صعوبة استمراره " ونخرج من هذا الفهم بتأكيدين :
- أن جوهر الحياة الاجتماعية والأساس الذى ترتكز عليه هو التفاعل الاجتماعى ، فتجميد الحياة الاجتماعية هو فى الأساس تجميد وايقاف للتفاعل الاجتماعى .
- تعتبر عملية التفاعل الاجتماعى الوعاء الحاضن الذى تتم من خلاله ممارسة الانشطة الاجتماعية وإعادة انتاجها .
فالتفاعل الاجتماعى هو العملية التى بمقتضاها تتيح للأفراد الذين يتصلون ببعضهم أن يؤثر كل منهم على الآخرين ويتأثر بهم فى الأفكار والأنشطة على السواء .( الجوهرى:2007/38) ، ومن ثم فإن التفاعل تاثير وتأثر، وفى ذلك تبادل للخبرات والافكار اثناء عملية التفاعل ، ومن هنا فإن تلك العملية هى بمثابة بداية تكرار الانشطة وإعادة انتاجها مرة اخرى ، فالفرد يترك اثناء عملية التفاعل مع الاخرين ، خبرته فى ممارسة الانشطة ، وهذه الخبرة لم تكن لدى المشاركين فى عملية التفاعل ؛ فيتم تلقيها وبلورتها وإعادة انتاجها فى السياق الذى يعيش فيه كل فرد ، ومن ثم تتم ممارسة الأنشطة بشكل مختلف وباسلوب مختلف ، وهنا تبدا عملية إعادة انتاج الانشطة مرة اخرى ، وهكذا ، ونستنج من ذلك أن إعادة انتاج الانشطة عبر عملية التفاعل هو إعادة انتاج الحياة الاجتماعية .
وفى ضوء ذلك يمكن القول بأن جائحة كورونا قد ساهمت بشكل كبير فى ايقاف عملية التفاعل الاجتماعى ، وقد ترتب على ذلك تجميد للحياة الاجتماعية وايقاف لملامحها ، الامر الذى جعل المجتمع الانسانى يبحث عن مخرج لذلك ويبحث فى مخزون الخبرة الانسانية كى يصل الى الوسائل والاساليب الداعمة له فى الخروج من تلك الازمة ، فبدأت المجتمعات فى تطوير وسائل تقنية تساعد على استمرار عملية التفاعل الاجتماعى بصورة دائمة .
وبالفعل بفضل الوسائل التقنية وخصائصها التى تتيح للفراد الدخول فى عملية تفاعل اجتماعى آمن ، وتسمح لهم بالتفاعل عن طريق علاقة الوجه بالوجه بسهولة ويسر ، وعلى أثر ذلك بدأت المجتمعات تدعم عملية التحول الرقمى بكل قوة وتحث الافراد على ضروة اتباعها ومعرفة قواعدها وفهم اساليبها ، وبدأ الانسان يدخل فى عمليات من التفاعل الرقمى على مستويات عده اذ بدات تظهر مستويات للتفاعل لم تكن معهودة من قبل وهى :
- العمل عن بعد : اذ يقوم الافراد بفعل الوسائل التقنية بممارسة اعمالهم ومزاولة نشاطهم المهنى من المنزل ، وعقد الاجتماعات وتسيير الاعمال وتوزيع التكليفات .
- التعليم عن بعد : فيقوم الفرد بمتابعة ما يقوم بدراسته فى المدرسة او فى الجامعة ، اذ طورت الانطمة التعليمية من نفسها فى هذا الشان وكونت بنية تقنية تدعم ذلك فوفرت مواقع ومنصات تعليمية تتيح التفاعل بين الملقى والمتلقى .
- التعلم عن بعد : وفى هذا المستوى يستطيع افراد المجتمع ممارسة عملية التعلم كاخذ دورات واكتساب مهارات فى مجالات مختلفة .
- البيع والشراء عن بعد : إذ بدا افراد المجتمع فى التفكير خارج الصندوق من اجل الهروب من حالة الكساد الاقتصادى والتى صاحبت انتشار كورونا داخل المجتمعات واحدثت خسائر اقتصادية غير مسبوقة ؛ وذلك من خلال تطوير مواقع ومنصات الكترونية لعرض المنتجات ، وتسهيل عمليات البيع والشراء من المنزل ، وتطوير عملية توصيل المنتج وتجويد خدمة ما بعد البيع .
ونستنج من ذلك كله أن الوسائل التقنية قد ساهمت فى دعم واستمرار عملية التفاعل الاجتماعى ، ودعم عملية التاثير والتاثر ونقل الخبرات والافكار بين افرادر المجتمع ، الامر الذيى بمكن ان نقول معه انها ساهمت فى إعادة انتاج الحياة الاجتماعية بشكل كبير حتى اشعار اخر .
ومن المؤشرات الداله على بدأ إعادة انتاج الحياة الاجتماعية داخل المجتمع الانسانى فى ظل جائحة كورونا :
- انتشار ممارسات تقنية داخل مستويات الوجود المختلفة كعقد الاجتماعات أو عقد الندوات والمحاضرات وإقامة المؤتمرات، وعقد المقابلات الشخصية للعمل
- ظهور الاعتمادية فى ممارسة الأنشطة التقنية وتكرار الممارسة بين أفراد المجتمع ولد معارف مشتتركة باساليبها وفهمًا موازيصا بتأثيرها وطرق تنفيذها .
- الاعتماد على الوسائل التقنية فى عملية التفاعل الاجتماعى بشكل كبير جدًا ، إذ ساعد التوسع فى استخدامها إلى أن تصبح اسلوب حياة لدى الكثيرين من أفراد المجتمع.
- وبمكن القول ايضصا بأن ممارسة الأنشطة المختلفة عن طريق الوسائل التقنية قد توفرت حولها معارف مشتركة بين افراد المجتمع ، إذ اصبح أغلب أفراد المجتمع لديهم الخبرة الكاملة فى التعامل عبر نلك الوسائل فى الكثير من الأمور الحياتية والمهنية على السواء ، كما اتخذت ممارسة الأنشطة الرقمية نوعًا من الروتنية ، إذ ساعد انتشار الأستخدام إلى وجود تكرار مصاحب لممارسة الأنشطة ؛ فهى تمارس بشكل لحظى بفعل تطور وانتشار اللوحات الرقمية بين أفراد المجتمع ، فضلاً عن أن كثره وانتشار الممارسة قد ولد نوع من الثقة لدى أفراد المجتمع فى ممارسة الأنشطة المختلفة عن طريق الوسائل التقنية ، يضاف إلى ذلك بأن ممارسة الانشطة الاجتماعية المختلفة عبر الوسائل التقنية ولد معه الحاجة إلى ضرورة أن يكون هناك ضوابط حاكمة لتنيظم وضبط السلوك أثناء الممارسة ، فظهر نوع من الكوابح لضبط ممارسة أنشطة التفاعل على مستويات محددة ( مثل التعليم عن بعد والتعليم عن بعد والعمل عن بعد ،والبيع والشراء عن بعد ) وأن كانت هذه الكوابح محدودة الى حد ما حتى اشعار اخر .

الخلاصة
وتاسيسا على ما سبق يمكن القول بأن توفر المعطيات التى تساعد على إعادة إنتاج حياة اجتماعية جديدة قوامها توفير الحماية الكاملة للانسان فى ضوء ممارسات يومية حذرة ووقائية مع تولد وعى تام و عقلية تساند ذلك ؛ لهو أمر يأذن بالقول باحتمالية اعادة تشكيل البنية الاجتماعية للمجتمعات .
والمتأمل لذلك يجد أنه فى ضوء المعطيات الواقعية _ المتمثلة فى الاجراءات الاحترازاية والتشديد على الوقاية الدائمة والحرص الشديد على الالتزام بالجلوس بالمنزل وإعاد تأمل العلاثات القرابية والاعتمادية على الوسائل التقنية فى عملية التفاعل _ فإن البنية الاجتماعية المعاد تشكلها سوف يكون من أهم خصائصها أنها بنية اجتماعية حذرة قلقة تضع نصب عينيها خطرًا قادمًا ، وهذا من شانه ان يعزز ممارسات اكثر احترازية لدى الدول والشعوب ، ويمكن تصور ذلك على النحو التالى :
• وضع قيود على انتقال الافراد بين الدول تتمثل فى اجراءات وقائية مشددة ، إذ أن انتقال وانتشار الفيروس حول العالم جاء نتيجة لانتقال الافراد بسهولة بين الدول و بأريحية شديدة .
• الدفع قدمًا نحو إيجاد بدائل تكنولوجية فى طرق التعامل بين البشر وقد يترتب على ذلك عدد من الإجراءات وهى :
- إيجاد وسائل تكنولوجية تحمل فى خصائص بنائها القدرة على التنبؤ بالفيروسات والاؤيئة ، وتكون هي خط الدفاع الأول للتعرض لهذه الاوبئة قبل بنو البشر .
- التوسع فى استخدام التكنولوجية الاتصالية للحد من التعامل بين البشر فى الازمات وقد يتم فى ضوء ذلك التوسع فى تطوير أدوات تكنولوجية تدعم العمل من المنزل ، أو التوسع فى استخدام تقنية الهولى جرام فى التواصل الفعال ، أو التوسع فى استخدام الربوت الالكترونى والتعلم عن بعد ، وغيرها من التطورات التكنولوجية التى تعقب الازمات ، وكلها وسائل دفاعية وقائية لحماية الانسان فى المستقبل من احتمالية تعرضه لمخاطر من هذا النوع .




المصادر والمراجع :
- زايد ، أحمد(1996) ، آفاق جديدة فى علم الاجتماع نظرية تشكيل البنية ( نظرية البنينة )، المجلة الاجتماعية القومية ، المجلد 33 ، العدد الاول والثانى ، يناير.
- زايد ، أحمد(2004) ، الهرمنيوطيقا وإشكاليات التأويل والفهم فى العلوم الاجتماعية ، إضافات ، العدد الخامس ، آيار / مايو. .
- روبنسون ، دوجلاس ( 2002 )، آليات التأويل ، مجلة الألسن للترجمة ، العدد الثالث ، يوليه/ ديسمبر ، 2002،
- عبد الجواد ، مصطفى خلف ( 2002) ، قراءات معاصرة فى نظرية علم الاجتماع ط1 ، ( مراجعة وتقديم محمد الجوهرى ) مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بالقاهرة .
- الجوهرى ، محمد (2007 ) المدخل الى علم الاجتماع ، القاهرة ،

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية