أحمد الريسوني يبارك لطالبان ويشيْطن قيس سعيد 2/2.

سعيد الكحل
2021 / 9 / 27

مشاهد تدافع عشرات الآلاف من المواطنين الأفغان داخل مطار كابول وتعلق العشرات منهم بعجلات الطائرات فرارا من بطش وهمجية طالبان ، دليل على كون الحركة تنظيما دمويا قاسى الشعب الأفغاني الأمرّين من طغيانها خلال حكمها قبل انهيار نظامها سنة 2001 . فالجرائم والاغتيالات المنظمة التي ترتكبها حركة طالبان بعد السيطرة على السلطة تفرض على الدكتور الريسوني والاتحاد الذي يرأسه إدانة الحركة والحكم ببراءة الإسلام منها ومن جرائمها بدل الثناء عليها . كل هذه الوحشية والرعب الذي خلقته طالبان في وسط الشعب الأفغاني لم يثن الريسوني عن استقبال وفد طالبان في الدوحة وتقديمه الدعم "الشرعي" لمواصلة القتل وتهجير ملايين الأفغان إلى الدول المجاورة (ما يقارب 3 ملايين لاجئ لتحتل أفغانستان المرتبة الثالثة عالميا بعد سوريا وفنزويلا) . وكما أغمض الريسوني عينيه عن جرائم طالبان بعد السيطرة على كابل ، تنكّر لما كتبه من قبل حول شروط الحكم الشوري (فما جاءنا عن طريق الشورى ومؤسساتها، من اختيار وتولية وبيعة، أو من عزل وإعفاء وإلغاء، أو من "حل وعقد" فهو شرعي ومشروع، وهو من الإسلام وإليه، لكونه مأمورا به في القرآن والسنة، ومعمولا به في سنة الخلفاء الراشدين)( لاحظوا لم يشر الريسوني إلى الديمقراطية ومؤسساتها كمصدر لشريعة ومشروعية أي حاكم أو نظام). فأين كل هذا مما ترتكبه طالبان في حق الشعب الأفغاني ؟ لم يناقش الريسوني في بيانه طريقة دخول طالبان إلى العاصمة كابل وسيطرتها على القصر الرئاسي ،هل هي تتماشى مع التعاليم الدينية وتقوم على الاختيار والبيعة أم تقوم على القتل والترهيب والإكراه؟ كما أنه لم يخضعها لمعيار الشرع وميزانه ليؤسس لفتواه إما بشرعية نظام حكمها أو بعدم شرعيته. بل نجده يبارك ويهنئ ويستبشر ؛ وحبذا ، وهو يرى عودة النظام الإسلامي في الحكم إلى أرض أفغانستان ، أن يدعو أعضاء اتحاده وعموم الدعاة الذين يتهمون ويحكمون على أنظمة بلدانهم السياسية "بالطواغيت" إلى الهجرة للعيش في كنف إمارة طالبان لينعموا بخيراتها ويتنفسوا حرياتها . لقد تناسى الشيخ الريسوني ،أمام ابتهاجه بسيطرة طالبان على السلطة، قوله (فلذلك يجب القول شرعا إن تولي الحكم عن طريق القوة والغلبة والاستيلاء قد انتهى زمانه وتمحض بطلانه) ؟ مجريات الأحداث تثبت أن حركة طالبان أعادت الزمان إلى الخلف بالاعتماد على "القوة والغلبة والاستيلاء" للوصول إلى السلطة . فما الذي منع الريسوني من مواجهة وفد طالبان بهذه الآراء والفتاوى وبيان مخالفتهم للشرع بفرض السيطرة والحكم بقوة الحديد والنار وقد كان بإمكانهم تشكيل حزب سياسي وخوض الانتخابات مثلما كان يدعوهم حامد كرزاي؟ هل يمكن للريسوني أن ينصح طالبان بإشراك الشعب الأفغاني وقواه السياسية في وضع دستور واحترام الديمقراطية ، وإن لم تفعل "فقد فقدت كل مسوغ لبقائها كما سبق وكتب ( ولئن كان لولاية التغلب والاستيلاء مسوغات معقولة في العصور الماضية، على الأقل في بعض حالاتها، فإنها اليوم -في ظل شيوع الدساتير والمؤسسات، ويسر تنظيم الاستفتاءات والانتخابات- قد فقدت كل مسوغ لبقائها، بل هي اليوم تعد أسوأ من الرق والقرصنة، لأن الرق والقرصنة كانا يصيبان أفرادا وأطرافا من المجتمعات، أما الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة وبدون ضرورة ملجئة فهو استرقاق للأمم وقرصنة للدول). لا شك أن خطاب الريسوني الموجه إلى الشعب التونسي ورئيسه قيس سعيد بعد إجراءات تعطيل البرلمان وحل الحكومة دون استعمال للقوة أو اللجوء إلى اعتقال مناهضي قراراته ، ليس هو خطابه إلى طالبان . فالريسوني لا يرى أي مخالفة للشرع وثوابت الدين فيما تمارسه طالبان والقرارات التي اتخذتها ومنها حرمان الإناث من حقهن في الدراسة وإرغام الأسر على تزويج بناتها لمقاتلي طالبان .ففي بيان لطالبان انتشرت صورته على المواقع الالكترونية نجد هذا الأمر: " يجب على جميع الأئمة والملالي في المناطق التي تمت السيطرة عليها توفير قائمة بأسماء جميع الفتيات فوق سن 15 عاما، والأرامل الأصغر من 45 عاما، كي يتم تزويجهن من مقاتلي طالبان". وتتداول الصحافة الدولية وقائع إجبار الأسر على تزويج بناتها كرها إلى مقاتلي طالبان مما اضطر كثيرا منها إلى الفرار خوفا على مصير بناتها. لن ير الريسوني هذه الجرائم ولن يندد بها ولن يفتي بحرمتها ما دامت من فعل حركة طالبان . بينما نجده يدين ويندد ويحرض ويفتي ضد قرارات قيس سعيد كالتالي “الانقلاب على إرادة التونسيين والمؤسسات المنتخبة واتخاذ إجراءات أحادية، أمر خطير ولا يجوز شرعاً ولا أخلاقاً ولا عرفاً، وهو منزلق قد يفاقم الأزمة الحالية ويضاعف تداعيات الكورونا”. لا تهم الشيخ الريسوني، إذن، حرية الشعب الأفغاني ومؤسساته المنتخبة ولا دستوره ولا السيطرة المسلحة على السلطة هناك ، بينما تهمه حرية الشعب التونسي التي لا يهددها أي خطر أو مصادرة ، ورغم ذلك قال إنه “مع حرية الشعب الكريم وكرامته وننتظر منه أن يقول رأيه، كما يجب على الجيش التونسي أن يظل وفياً لقرار الشعب حيادياً يدافع فقط عن الشعب لا ينال من كرامة أي تونسي كما حصل في زمن بن علي” . فالريسوني ينتصر للتنظيم ولا ينتصر للشعب والوطن . ففي تونس صارت حركة النهضة هي الخاسر الأكبر بسبب قرارات الرئيس ، لهذا اصطف الريسوني إلى جانبها وطالب بعودة الديمقراطية واحترام المؤسسات المنتخبة وكأن تونس جرى بها ما جرى بأفغانستان . بل إنه استعمل الوجه الثاني للدين الذي لم يستعمله مع طالبان ، وهو وجه "التحريم" بفتواه التالية (“الانقلاب على إرادة التونسيين والمؤسسات المنتخبة واتخاذ إجراءات أحادية، أمر خطير ولا يجوز شرعاً ولا أخلاقاً ولا عرفاً، وهو منزلق قد يفاقم الأزمة الحالية ويضاعف تداعيات الكورونا” “بناء على كل ما سبق فإن فتوانا واضحة، وأن تقديرنا عظيم للشعب التونسي وإرادته الحرة وحريته وكرامته ودفاعه عن حقوقه المشروعة، ونجاح ثورته وتجربته الديمقراطية وانتقاله السلمي في بناء دولة جديدة”.
لم يشر الريسوني إلى الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها طالبان ولازالت ترتكبها في حق الشعب الأفغاني بكل فئاته ، كما لم يطلب من كل مكونات الشعب الأفغاني ما طلبه من مكونات الشعب التونسي "ومنظماته وأحزابه وعلماءه ورجاله ونساءه إلى الوحدة والتوافق وتجنيب البلاد المخاطر المحتملة بسبب الفراغ والفوضى والانقسام”. فالريسوني يخشى أن تفقد حركة النهضة سلطتها على الدولة ومؤسساتها المنتخبة بسبب قرارات الرئيس ، بينما في أفغانستان الوضع لا يدعو إلى الخشية والقلق مادامت طالبان متمكنة من السلطة والحكم. لهذا لن يدعو مكونات الشعب الأفغاني إلى الدفاع عن "إرادته الحرة وحريته وكرامته ودفاعه عن حقوقه المشروعة". فلا حرية ولا كرامة ولا إرادة إن كانت تقود إلى الثورة ضد حكم طالبان ، بينما هي مطلوبة في حالة تونس للانقلاب على قرارات الرئيس. هنا يثبت الريسوني أنه لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالحرية ولا بالكرامة . وكيف لمن يفتي بوجوب فرض الولاية على المرأة وتحريم ولايتها على نفسها في الزواج أن يفتي بحرية الشعب الأفغاني في تقرير مصيره واختيار من يحكمه ويدير شؤونه ؟ مرة أخرى يثبت الإسلاميون أنهم يتطلعون إلى تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الدينية على أنقاض النظم الديمقراطية.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية