في العراق .. ثراء فاحش وفقر مدقع وغياب العدالة الاجتماعية

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 24

في نظام الطبقات الاجتماعية الذي يركز على نماذج من التراتب الاجتماعي الذي يتم من خلاله تصنيف الناس الى مجموعة من الفئات الاجتماعية الهرمية , وان اكثر الطبقات الاجتماعية شيوعا هي : الطبقة الغنية ( البرجوازية) والطبقة المتوسطة والطبقة العاملة . ووفقا لماركس فإن ( مفهوم الطبقية) يحدد عن طريق علاقة الفرد مع وسائل الانتاج ( علاقاتهم الانتاجية), وينطوي المفهوم الماركسي لـ ( الطبقة ) على مجموعة من الأفراد داخل مجتمع ما يتشاركون مصالح اقتصادية مشتركة . ويرى ماركس ان الطبقة هي مجموعة من الميول والاهتمامات الفطرية التي تختلف عن ميول واهتمامات جماعة اخرى في المجتمع, فالأساس هو تضاد جوهري بين تلك الجماعات , فعلى سبيل المثال ان من مصلحة العمال ان تزيد اجورهم وحوافزهم بينما من مصلحة الرأسماليين زيادة ارباحهم وفوائدهم على حساب اجور وحوافز العمال , ومن هنا يبرز التناقض في النظام الرأسمالي .
اما لينين فقد عرف الطبقات الاجتماعية بأنها (( جماعات كبيرة من الأشخاص المختلفين عن بعضهم البعض من حيث المكان الذي يحتلونه في نظام الانتاج الاجتماعي المحدد تاريخيا وحسب ارتباطهم بوسائل الانتاج وحسب دورهم في المؤسسة الاجتماعية للعمل ومن ثم حسب ابعاد نصيبهم في الثروة الاجتماعية وكيفية الحصول على تلك الثروة )) .
وفي النظرية الماركسية تتميز البنية الطبقية بالصراع بين فئتين رئيستين : البرجوازية ( الرأسماليون) الذين يملكون وسائل الانتاج والطبقة العاملة التي عليها بيع قوة عملها وطاقتهم.
في العراق فإن الطبقية لم تغب عبر تاريخ العراق ففي عصر الاقطاع تشكلت طبقتين اساسيتين حيث تركزت السلطة والمال بأيدي رؤوس الاقطاع في المجتمع الريفي , اما الطبقة الاخرى فهي طبقة الفلاحين الذين مستغلين وعوائلهم من قبل الاقطاع ومالكي مساحات الأراضي الزراعية الكبيرة . ولم تكن هناك بحسب المصادر طبقة تتوسط طبقتي الاقطاع والفلاحين.
اما الطبقة الوسطى في العراق فقد ظهرت مع قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وشهدت توسعا مطردا بعد ذلك حيث شكلت بحسب تعداد 1977 حوالي ( 35%) من سكان المدن و( 22% ) من اجمالي سكان العراق وهي تضم المهنيين والأطباء والمحاميين والمهندسين والمدرسين وضباط الجيش وموظفي الخدمة المدنية واساتذة الجامعات والمستويات الوسطى في القطاع التجاري . والطبقة الوسطى تقع بين الطبقة العاملة والطبقة الثرية. وفيما يتعلق بالطبقة البرجوازية في المجتمع العراقي فقد تأسست بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921. ومع تقادم العقود والحكومات من العهد الملكي الى الجمهوري بدأت تتناوب الطبقات الاجتماعية مواقعها , فتارة تنتعش في مرحلة ما وفي اخرى تتدهور وتميل الى الذبول خصوصا في ظل انظمة الاستبداد حيث تكونت طبقة حاكمة ثرية واخرى معدمة , وكانت الطبقة الوسطى تتراوح بين الوجود والضمور او الضعف وتعود الأسباب الى هذا التذبذب الطبقي المزمن الى الصراع على السلطة بالدرجة الاولى.
بعد 2003 وسقوط النظام الدكتاتوري كان الأمل معقودا على تكريس الديمقراطية الحقيقية وتقليص الفجوة الواسعة بين الطبقتين الثرية والفقيرة عبر انعاش الطبقة الوسطى ومنحها القدرة على خلق التوازن المجتمعي في عصر الديمقراطية الجديد . الذي حصل انه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 تعرضت مؤسسات الدولة الى موجات هائلة من النهب والسلب والهجوم على البنك المركزي العراقي رغم تحصيناته والهجومات المتكررة على المصارف الحكومية حتى بلغ الثراء لدى بعض الأشخاص والعائلات كبيرا مؤديا الى نشوء طبقة ثرية مفاجئة او غير محسوبة نتيجة السرقات , وبعد ذلك وبحسب بيانات حكومية فقد زادت نسبة الفقر وتشير الوثائق الى ان الطبقة الحاكمة اصبحت الأكثر ثراء من بين العراقيين. وفي غضون عشر سنوات تكونت لدينا طبقة جديدة قفزت من الفقر الى الثراء الفاحش نتيجة نهب المال العام. ولم تنتعش الطبقة الوسطى كما كان مأمولا لها في ظل تقزم الديمقراطية وتذبذبها . واليوم نعاني من انتعاش الطبقية في ظل تضخم طبقة حاكمة ثرية حصلت على ثرائها على حساب حقوق الشعب ما يعني تدهور المنهج الديمقراطي للدولة المدنية . واليوم ازدادت الطبقة الفقيرة في العراق فقرا وازداد ثراء الطبقة الحاكمة.
بالنسبة للطبقة الوسطى في العراق فإنها كانت قوية الوجود بين افراد المجتمع العراقي حينما كان الاقتصاد العراقي قويا والبلد يعد من البلدان المستقرة , غير انها بدأت بالتلاشي تدريجيا لعدد من الأسباب. وقد بدأ تاريخ ولادة الطبقة الوسطى في العراق مع ولادة الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ثم شهدت توسعا مطردا حيث شكلت بحسب تعداد 1977 حوالي 35% من سكان المدن و 22% من اجمالي سكان العراق وتضم الطبقة الوسطى المهنيين والأطباء والمحامين والمهندسين والمدرسين وضباط الجيش وموظفي الخدمة المدنية واساتذة الجامعات والمستويات الوسطى في القطاع التجاري .
لقد عرف عالم الاجتماع الالماني ( ماكس فيبر ) الطبقة الوسطى بكونها الطبقة التي تجلس وسط الهرم الاجتماعي وتقع بين الطبقة العاملة والطبقة الثرية. وقد تعرضت الطبقة الوسطى في العراق الى ضربة قاصمة ابان النظام الدكتاتوري المقبور الذي اختزل المجتمع والدولة العراقية. ويشير الخبير الاقتصادي د. مظهر محمد صالح الى ان الطبقة الوسطى في العراق تنقسم عموما بين طبقة وسطى عليا ومتوسطة ودنيا والذي يفرق بينهم مستوى الدخل والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية . وتمثل الطبقة الوسطى العليا 15% من اجمالي الطبقة الوسطى وهم رجال الأعمال وكبار موظفي الدولة والتكنوقراط واصحاب المهن الحرة من صناع السوق حيث يزيد متوسط دخل الفرد فيها على 12 ألف دولار سنويا , وان مجموع الدخل الأسري السنوي لهذه الطبقة هو بنحو 50- 60 ألف دولار. اما بالنسبة للطبقة الوسطى المتوسطة فتمثل السواد الأعظم من موظفي الدولة وشرائح مشابهة تعمل في نشاط السوق من مهندسين وفنيين واداريين وشريحة محددة من المتقاعدين وغيرهم وبنسبة 50% من اجمالي الطبقة الوسطى , وان متوسط الدخل السنوي للفرد فيها هو بنحو 7000 دولار, وان دخل الاسرة السنوي لها هو ما بين 30 – 35 ألف دولار. اما الطبقة الوسطى الدنيا فتمثل صغار الموظفين والشرائح العاملة في السوق المماثلة لها من الشغيلة وبعض فئات المتقاعدين والعاملين من ذوي المهارات المحدودة ويمثلون نحو 35 % من الطبقة المتوسطة , ويبلغ متوسط دخل الفرد السنوي بنحو 5 آلاف دولار واجمالي الدخل السنوي الاسري حوالي 20 -30 ألف دولار , وهي تعيش فوق خط الفقر .
اما بالنسبة لطبقة المترفين في العراق فكانت سابقا مرتبطة ببيوتات وعوائل كبيرة منذ العهد الملكي منهم تجار واقطاعيون سابقون واصحاب عقارات وآخرون من اصحاب الحرف المهمة في العراق ومؤسسو الشركات والمعامل فكان الثراء المفرط محصور ببضع مئات العوائل فقط . لكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 برزت في المجتمع فئات جديدة من الحواسم تعتبر من اوجه الفساد في البلاد اذ تضاعف ثراؤها كثيرا نتيجة السرقات ونهب المال العام في حين تراجعت حال والشخصيات الغنية المعروفة في البلاد وتحولت الى الطبقة الوسطى ان لم تكن الفقيرة. ويعتبر السياسيون المتنفذون ورجال الدين وضباط الأمن وزعماء الميليشيات يمثلون اليوم الطبقة فاحشة الثراء وهو ما تترجمه قصورهم الفخمة وسياراتهم الفارهة واملاكهم في الداخل والخارج. وظهرت في العراق طبقة ثرية ثراء فاحشا تتميز بالجهل ومن غير المتعلمين ومن الطائفيين التي اغتنت بالسرقة والتي دمرت المجتمع العراقي . وتقدر بيانات الأمم المتحدة اجمالي المبالغ التي سرقت من الخزينة العامة للدولة بنحو 450 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية ومصيرها مجهولا حتى اليوم وكذلك طريقة اخراجها من الخزينة, واصبحت الطبقة السياسية المتنفذة اليوم في العراق من اكثر الطبقات ثراء وكثيرا ما يطالب العراقيون في تظاهراتهم محاسبة السياسيين الفاسدين وتطبيق مبدأ ( من اين لك هذا ؟) ولكن دون استجابة .
اما بالنسبة للطبقة الفقيرة في المجتمع العراقي فقد كان للأحداث التي اعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق وتغير النظام بعد عام 2003 الأثر الكبير في ظهور طبقات جديدة وكبيرة من الفقراء واخرى غنية في الوقت نفسه, وتوعز اسباب الفقر في العراق قبل وبعد الاحتلال الأمريكي الى عوامل كثيرة ومتشعبة منها حرب الثمان سنوات مع ايران واجتياح الكويت والاثنا عشر عاما من الحصار الذي اعقب اجتياح الكويت والاحتلال الأمريكي الذي دمر المزارع والحقول والمصانع والبنى التحتية وشجع الفساد اضافة الى عدم العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية وضعف الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد 2003 والى اليوم والتي غابت عنها وفارقتها خطط التنمية الاقتصادية – الاجتماعية والمشاريع الاقتصادية اضافة الى الحروب الطائفية المذهبية العنصرية وعمليات الفساد الكبيرة التي اثرت على التنمية ودخل الفرد الى جانب اعتماد المحاصصة. كل هذه العوامل وسعت من مساحات الفقر الذي اصبح مخيفا بعد ان شكلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 25% من سكان العراق وهي نسبة مرعبة لبلد نفطي تشكل احتياطاته النفطية نحو 135 مليار برميل نفط. كما يعتبر الفساد في العراق الذي احتل المراتب الاولى بين دول العالم الأكثر فسادا حسب منظمة الشفافية الدولية احد اهم العوامل لإشاعة الفقر وتخريب مؤسسات الدولة وتدمير المجتمع والسلم الأهلي وأمن المواطنين وتدمير مشاريع البناء والاعمار والاستثمار والتجاوز على الأنظمة والقوانين واسقاط هيبة الدولة . ويعود تفشي الفساد في العراق الذي ينشر الفقر هو نتيجة غياب المساءلة والشفافية والرقابة البرلمانية التي بسببها هدر المال العام واصبح سائبا ومباحا. وفي ظل تفشي الفساد ازدادت البطالة بين الشباب والخريجين بما فيهم اصحاب الشهادات العليا في الوقت الذي زادت فيه ثروات الطبقة الحاكمة وامتيازاتها وازداد تمسكها بالسلطة والنفوذ والمغانم من خلال تفصيلها القوانين لصالحها بهدف ابعاد القوى الوطنية الاخرى مثل قانون سانت ليغو الأخير الذي تم اقراره بنسبة 1,9 .
والسؤال هو متى يتم القضاء على الفساد بأشكاله المختلفة؟ وقد شبعنا من الوعود التي اطلقت لمكافحة الفساد دون تطبيقها على ارض الواقع .
كل هذه الحالات اسهمت في تدمير الطبقة الوسطى التي اختفت وذابت وازدادت طبقة الاثرياء ثراء وطبقة الفقراء ازدادت فقرا ليصبح التفاوت الطبقي كبيرا جدا بين اغنياء السلطة والفقراء المعدمين الذين ما زالوا يعيشون على البطاقة التموينية البائسة.
كما تلعب المؤسسات الرأسمالية الدولية المتمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين دورا كبيرا بفرض سياسات اقتصادية وشروط ظالمة على الدول المقترضة ومنها العراق الذي غرق بالديون الخارجية والذي عليه الالتزام بالسياسات الاكثر ليبرالية وانفتاحا والتي تؤدي الى تحجيم الدولة التي تعثرت كثيرا واصبح اقتصادها عاجزا عن تطوير نفسه وعن توفير فرص العمل للمواطنين.
كما غابت في العراق العدالة الاجتماعية وزاد الفقراء فقرا والأغنياء غنى وفقدت حقوق الانسان وتراجع دور التعليم والصحة والخدمات بشكل عام , وكل هذا بفضل الطبقة الغنية الحاكمة والمتنفذة .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية