الفصل العاشر : صراع برسباى وشاه رخ: عام 841

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 24

كتاب مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الخائب الخائن الراهن
الباب الأول : العسكر المملوكى يحافظ على مكانة مصر
الفصل العاشر : صراع برسباى وشاه رخ: عام 841
شهر محرم
نائب دوركى يهاجم بيوت دلغادر وجانبك الصوفى في غيابهما وهما يحاصران قيصرية
( وقدم الخبر بأن نائب دوركى توجه في خامس عشرة في عدة من نواب تلك الجهات وغيرهم، وعدتهم نحو الألفى فارس، حتى طرقوا بيوت الأمير ناصر الدين محمد ابن دلغادره وقد نزل هو والأمير جانبك الصوفى على نحو يومين من مرعش، فنهبوا ما هنالك، وحرقوا. ففر ابن دلغادر وجانبك الصوفى في نفر قليل. وذلك أن جموعهما كانت مع الأمير سليمان بن ناصر الدين بن دلغادر على حصار قيصرية الروم. ).
تعليق
هذا ارهاص بنهاية جانبك الصوفى ، طالما وصلت مطاردته الى بيته .
شهر صفر
نواب الشام وحلب في حملة لمعاونة ابن قرمان ضد دلغادر
( فيه توجه الأمير أينال الجكمى نائب الشام من دمشق يريد حلب. وقد سارت نواب الشام حتى يوافوا قيصرية، مددًا لإبن قرمان على سليمان بن دلغادر . )
تعليق
خطوة تالية ، نائب الشام يصل الى حلب ليتعاون مع نائبها في مطاردة دلغادر وجانبك الصوفى .
نهاية جانبك الصوفى : وصول رأسه ويده الى السلطان برسباى
( وفيه ( 17 جمادى الأولى 841 ) قدم مملوك نائب حلب برأس الأمير جانبك الصوفى ويده، فطيف بالرأس على رمح شارع القاهرة، ثم ألقيت في قناة. وكان من خبره أنه لما كبسه نائب دوركى في شهر اللّه المحرم كما تقدم ذكره فرّ هو وابن دلغادر، فمضى ابن دلغادر على وجهه يريد بلاد الروم، وقصد الأمير جانبك الصوفى أولاد قرايلك ونزل على محمد ومحمود ابنى قرايلك، وأقام عندهم، فأخذ الأمير تغرى برمش نائب حلب في إستمالة محمد ومحمود حتى مالا إليه، وواعداه أن يقبضا على جانبك على أن يحمل إليهما خمسة آلاف دينار، فنقل ذلك لجانبك، فبادر، وخرج ومعه بضعة وعشرون فارسًا لينجو بنفسه، فأدركوه، وقاتلوه، فأصابه سهم، سقط منه عن فرسه، فأخذوه وسجنوه عندهم. وذلك في يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر. فمات من الغد، فقُطع رأسه، وحُمل إلى السلطان، فكاد يطير فرحًا، وظن أنه قد أمن، فأجرى اللّه على الألسنة أنه قد إنقضت أيامه، وزالت دولته. فكان كذلك كما سيأتى هذا. وقد قابل نعمة اللّه تعالى عليه في كفاية عدوه بأن تزايد عتوه وكثر ظلمه، وساءت سيرته، فأخذه اللّه أخذًا وبيلا، وعاجله بنقمته ولم يهنيه. ( يهنئه ))
تعليق
1 ـ بداية النهاية في مسلسل جانبك الصوفى هي في وصول نائب دوركى المملوكى الى بيته . ففرّ هو وحليفه ابن دلغادر. دلغادر سار الى السلطان مراد الثانى العثمانى ، بينما قصد جانبك الصوفى الى ابنى قرايلك ( محمد ومحمود ) وأقام عندهما . عرف جانبك الصوفى أن تغرى برمش نائب حلب دفع رشوة الى ابنى قرايلك ليسلماه ، فهرب ، فأدركه جيش لابنى قرايلك وقاتلوه وقتلوه ، وبعثوا برأسه ، وأُرسل الرأس الى برسباى فكاد يطير فرحا كما يقول المقريزى ، فقد كان جانيك الصوفى منافسا له على السلطنة من البداية ، وسجنه برسباى ونجح في الهرب ، وظهر في الشرق مناوئا لبرسباى ، وظل برسباى يتابعه حتى هذا العام ، العام الأخير في حياة برسبى وفى سلطنته , أي قضى برسباى حكمه كله يحمل جانبك الصوفى همّا ثقيلا ، يؤرقه . ولم يفرح كثيرا ، إذ عاجله المرض فالموت ، وقد انتقم الله جل وعلا شرّ انتقام .
2 ـ والمقريزى يقول عنه : ( فكاد يطير فرحًا، وظن أنه قد أمن، فأجرى اللّه على الألسنة أنه قد إنقضت أيامه، وزالت دولته. فكان كذلك كما سيأتى هذا. وقد قابل نعمة اللّه تعالى عليه في كفاية عدوه بأن تزايد عتوه وكثر ظلمه، وساءت سيرته، فأخذه اللّه أخذًا وبيلا، وعاجله بنقمته، ولم يهنيه . ) والصحيح ( ولم يهنئه )، ،
3 ـ ما قاله المقريزى يحتاج تعليقا :
3 / 1 : المقريزى ــ أخيرا ـ يعبر عن مشاعره تجاه برسباى الذى جعله ظلما وزورا ( سلطان الإسلام ) . ولعل المقريزى كتب هذا الكلام بعد أن مات برسباى وأمن جانبه. وستأتى أقوال أخرى له عن برسباى من هذه النوعية الناقدة .
3 / 2 : لا يزال المقريزى مؤمنا بعقيدة الفاعل الصوفية ، التي تنسب أفعال البشر الى رب العزة بالمخالفة للاسلام ، كان شائعا في ثقافة العصر أنه إذا إكتمل سعد السلطان قربت نهايته ، يقولون ( إذا اكتمل سعده جاء عكسه ). وقد اكتمل سعد السلطان برباى بالقضاء على جانبك الصوفى ، فتكلم الناس بأن هذا دليل نهاية السعد للسلطان برسباى . هذا قول معتاد ومألوف يتفق مع قول الشاعر
ما طار طائر وارتفع إلّا كما طار وقع
المقريزى ينسب لرب العزة جل وعلا أنه جل وعلا هو الذى أجرى على الألسنة أنه انقضت أيامه وزالت دولته .
تقاتل الأخوة ( داخل معسكر السلام للمحمديين )
1 ـ تقاتل ولدى قرا يوسف : إسكندر و جهان ، وهزيمة إسكندر
( وقدم الخبر بأن إسكندر بن قرا يوسف نزل قريبا من مدينة تبريز ، فبرز إليه أخوه جهان شاه، المقيم بها من قبل القان معين الدين شاه رخ بن تيمور لنك ملك المشرق، فكانت بينهما وقعة ، إنهزم فيها إسكندر إلى قلعة يلنجا من عمل تبريز، فنازله جهان شاه، وحصره بها. )
تعليق
هذا السفاح المُفسد إسكندر بن قرا يوسف ملك تبريز ، وتشتت وانهزم ، وذبحه ابنه شاه قوماط عام 841 . قال عنه المقريزى في وفيات هذا العام ( وكان شجاعًا مقدامًا جريئًا، أهوج، لا يرجع إلى دين ولا عقل، بل خرب البلاد، وأكثر في الأرض الفساد. )
2 ـ تقاتل حمزة بن قرايلك وأخيه ناصر الدين ، وقلق برسباى خوفا على حدود دولته
( وأن الأمير حمزة بن قرايلك متملك ماردين وأرزنكان أخرج أخاه ناصر الدين على باك من مدينة آمد، وملكها منه. فقلق السلطان من ذلك. وعزم على أن يسافر بنفسه إلى بلاد الشام، وكتب بتجهيز الإقامات بالشام ثم أبطل ذلك. )
شهر ذى القعدة ( 841 ) برسباى لا يزال يمارس سلطاته رغم مرضه وتولية إبنه العهد .
( وفي حادى عشرة: رحل الأمراء المجردون من أبلستين، ومعهم نواب الشام وعساكرها من غزة إلى الفرات، وجميع تركمان الطاعة، وتوجهوا في جمع كبير يريدون مدينة آقشهر، حتى نزلوا عليها وحصروها. ). الدولة المملوكية ( البرسباوية ) لا تزال في قوتها ترسل حملات الى الشرق لتأكيد سلطانها .
أخيرا
ومات برسباى في 13 ذي الحجة . وبعد موته دخل في حكمه حمزة بت قرايلك الذى كان أبوه من أعدى أعداء برسباى . يقول المقريزى : ( وفيه قدم مراد بك رسول الأمير حمزه بن قرايلك صاحب ماردين وأرزن كان، وصحبته شمس الدين القطماوى، ومعهما هدية، وكتاب يتضمن دخوله في طاعة السلطان، وأنه أقام الخطة وضرب السكة بإسم السلطان الملك الأشرف، وجهز الدنانير والدراهم بالسكة السلطانية. وعلى يد شمس الدين القطماوى كتب الأمراء المجردين. وكان سبب ذلك أن الأمراء لما قدمت حلب، كاتبوا حمزة المذكور يدعوه إلى طاعة السلطان وقدومه إليهم، فأجاب بالسمع والطاعة، وأقام الخطة، وضرب السكة بإسم السلطان، وجهز هديته وما ضربه من المال، فلم يتفق قدوم ذلك إلا بعد موت السلطان، فأكرم الرسولان وأنزلا ثم أعيدا بالجواب، ومعهما هدية وتشريف للأمير حمزة . ).
كان هذا تكريما لهذا السلطان ودولته المملوكية القوية .
يا حسرة على عسكر مصر الخائب الخائن الرخيص الذى لا ينتصر الا على الشعب المصرى الخانع الأعزل ..

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي