من سيصلح وضع الاقتصاد العراقي المخرب ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 24

بعد عام 2003,تعرض الاقتصاد العراقي الى التدمير والخراب ونهبت الكثير من المعدات والآلات لكثير من المعامل وتحت أنظار المحتل الامريكي, كما كان للحروب التي خاضها العراق والصراع الطائفي والتهجير الذي شهدته الساحة العراقية بعد 2003 أثرها في خسارة العراق لكوادره الصناعية الماهرة اضافة الى أصحاب رؤوس الاموال. وتميزت الفترة ما بعد 2003 بالضعف الهيكلي للاقتصاد العراقي حيث اتسم القطاع العام بتضخمه وضعف انتاجه كما اتسمت الخدمات العامة بالضعف, اضافة الى ان القطاع غير النفطي لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من النشاط الاقتصادي والخدمات حيث تعرض الى الاهمال والتهميش ويعاني الكثير من المشاكل والمعوقات ,واعتماد كثير من القطاعات الاقتصادية على الانفاق الحكومي الى جانب ارتفاع نسبة البطالة وافتقار العمالة العراقية الى المهارات الاساسية مع تميز بيئة انشطة الاعمال بالضعف. وكل ذلك وضع العراق في ذيل الترتيب العالمي في مناخ ممارسة انشطة الاعمال اضافة الى ان اعتماد الاقتصاد العراقي الكلي على تصدير النفط الخام جعله خاضعا للتأثر وبشدة لتقلبات أسعار النفط في السوق العالمية كما نلمس ذلك اليوم من خلال الازمة المالية التي يتعرض لها العراق من جراء انخفاض اسعار النفط. ولذلك فان التنوع الاقتصادي يشكل تحديا امام الحكومة العراقية من حيث خلق فرص العمل وتعزيز فرص تحقيق الدخل لأغلبية الشعب العراقي.
يمتلك العراق صناعات متنوعة ولكنها اليوم مهمشة مثل صناعات السجاد والجلود وتجميع السيارات والصناعات الدوائية والاسمدة والبتروكيمياوية والصناعات الخشبية والالكترونية والصناعات الاستخراجية والبلاستيكية والاسمنت والصناعات الكهربائية وصناعة التمور والالبان والغذائية والطابوق والصناعات الانشائية والعديد غيرها ,يمكن ان تلعب دورا مهما في الحياة الاقتصادية في ظل الازمة المالية الحادة الناجمة عن جراء انخفاض اسعار النفط الخام في اسواق النفط العالمية . كما تمتلك وزارة الصناعة نحو (75 ) شركة عامة متضمنة 276 مصنعا متخصصا تتوزع على مختلف القطاعات : الهندسية والكيمياوية والغذائية والانشائية والنسيجية والخدمات وغيرها, كما ان للقطاع الصناعي الخاص عدة نشاطات صناعية في قطاعات الكهرباء وادوات الري والانابيب والبلاستك والصناعات الجلدية والخشبية والغذائية والانسجة والملابس والقطاعات الخدمية وغيرها. الا انه يلاحظ تدني انتاج هذه المؤسسات وتوقف قسم كبير منها واعتماد العراق على الاستيراد لسد حاجة السوق للمنتجات الصناعية المختلفة.
وما ادى الى تراجع الصناعة العراقية يعود الى التدهور الامني والطائفي واحتلال داعش لثلث الاراضي العراقية وخروجها عن سيطرة الدولة قبل تحريرها , الى جانب ازمات الوقود والكهرباء ورداءة الانتاج العراقي وكلفته العالية وعدم قدرته على المنافسة مع المنتج الاجنبي اضافة الى سياسة الاغراق التي اعتمدتها الدولة بعد عام 2003 وتقادم وسائل الانتاج وضعف او انعدام البحوث العلمية والتكنولوجية الخاصة بالصناعة وضعف تأهيل وتدريب الايدي العاملة العراقية وعدم تشجيع الاستثمارات المحلية والاجنبية في القطاع الصناعي واستشراء الفساد المالي والاداري والبيروقراطية اضافة الى القوانين والتشريعات المعرقلة للتطور الصناعي وعدم وضع الخطط والبرامج لتطوير الصناعة.
يمكن القول ان الدولة تتحمل الجزء الاكبر من فشل الصناعة وتخلفها حيث ان تحقيق النهضة الصناعية يعتمد بالدرجة الاولى على دور الحكومة والبرامج والخطط التي تضعها لتحقيق هذا الهدف ذي الابعاد الاجتماعية.
وضمن مجال الاصلاح الاقتصادي , سبق وان قدم عدد من الخبراء والاكاديميين العراقيين مذكرة الى الحكومات السابقة تضمنت عدة مقترحات تهدف الى اصلاح الاقتصاد العراقي عموما وانتشاله من فخ الريعية واعتماده الكبير على قطاع النفط في تمويل موازنة الدولة ومجمل النشاط الاقتصادي وتفعيل القطاع غير النفطي واصلاح الادارات الحكومية وتطويرها ومكافحة الفساد وهي عوامل مهمة للنهوض الاقتصادي في البلاد.
أمامنا تجربة اليابان يمكن الاستفادة منها حيث خرجت باقتصاد مدمر وشعب منهك بعد الحرب العالمية الثانية , وعلى الرغم من عدم امتلاكها الموارد الطبيعية والنفط الا انها تمكنت من تحقيق معجزة في التطور حتى اصبحت منتجاتها تغزو اسواق العالم المختلفة ويعد اقتصادها من الاقتصادات القوية في العالم , وكل ذلك كان بفضل التدخل الاقتصادي للحكومة اليابانية ووضعها البرامج والخطط والتعاون بين المصنعين والموردين والموزعين والبنوك واتحاد نقابات الصناعات والعلاقات الطيبة مع الموظفين الحكوميين وضمان العمل طوال العمر (العمالة الدائمة) في الشركات الكبيرة وفي المصانع العمالية المنظمة جدا الى جانب احترام وقت العمل .كما ساهمت الحكومة اليابانية بدفع النمو الاقتصادي في القطاع الخاص اولا من خلال سن القوانين وتشريعات الحماية التي ادارت الازمات الاقتصادية ادارة فعالة والتركيز بعد ذلك على التوسع التجاري ,كما اتبعت اليابان سياسة الصناعات الثقيلة. وبالمقارنة مع اليابان فان العراق غني بثرواته الطبيعية وتربته الخصبة وتنوع مناخه وامتلاكه النفط والغاز الطبيعي ولكن بقي اقتصادنا متخلفا ويعاني شعبنا من آفات الفقر والجهل والمرض وذلك لأننا لم نحسن ادارة ثرواتنا,. فهل تتمكن الحكومة الحالية من تحقيق النهضة الاقتصادية الاجتماعية وتنويع مصادر الدخل القومي وتجاوز الاقتصاد الريعي .؟ ولو انها حكومة مؤقتة ولكنها يمكن ان تضع الأساس وتبدأ بالخطوة الأولى الصحيحة . وكما يقول القول الصيني المأثور ان ( رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة صغيرة ..) , فالوصول الى الهدف الذي يسعى اليه الانسان يحتاج الى الخطوة الاولى التي تدفع الانسان الى نقطة البدء في العمل , لأنه دون خوض الخطوة الأولى للعمل لن يكون هناك اي عمل من الأساس . وهكذا ننتظر من حكومة رئيس الوزراء السيد الكاظمي ان تخطو الخطوة الاولى في الاصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد بكافة اشكاله وانجاز ما تعهد به للجماهير المنتفضة وللشعب العراقي عموما .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية