التجارة في السودان في ضوء برنامج الحزب الشيوعي السوداني

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 23

ترتبط التجارة عموما ارتباطا وثيقا بالحضارة حيث ظهرت مع تحضر الانسان وتوسع احتياجاته وعدم اقتصارها على المأكل والمشرب والمسكن , وتعتبر التجارة من الوسائل التي استخدمتها الشعوب لتلبية احتياجاتها المختلفة اذ لا يستطيع البلد توفير جميع احتياجاته من السوق الداخلي المحلي لذلك فإنه يحتاج الى تبادل السلع بينه وبين البلدان الاخرى .
لقد شهدت التجارة في السودان في ظل الحكومات المتعاقبة تدهورا وفوضى وتلاعب كبير تشهده اسواق تصدير المحاصيل تحديدا , حيث سبق للنظام المقبور ان منح مئات الأجانب الجنسية السودانية واغلبهم يعمل في التجارة والاستثمار , وعمد هؤلاء على شراء كميات كبيرة من المحاصيل ويتم تصديرها الى خارج البلاد دون ان يعود ريعها الى خزينة الدولة في بنك السودان , مما دعا وزارة الصناعة والتجارة السودانية مؤخرا الى اصدار قرار بمنع الأجانب من ممارسة التجارة في السودان . ويرى المؤيدون لهذا القرار بأنه قرار ينصف التجار السودانيين ويضع حدا للتلاعب الكبير الذي تشهده اسواق تصدير المحاصيل .
لقد اهتم الحزب الشيوعي السوداني في برنامجه المقر من المؤتمر الوطني السادس للحزب في عام 2016 بموضوع التجارة بشقيها الداخلية والخارجية حيث يرى الحزب في مجال التجارة الداخلية :
1) لها اهمية في عملية تجديد الانتاج واكمال الاقتصاد الوطني بكل مكوناته لدورته .
2) تؤثر التجارة الداخلية على حياة المواطنين ومعيشتهم , لذلك ينبغي ان لا تكون التجارة بعيدة عن رقابة الدولة , اذ ينبغي للدولة ان تنهض بمسؤوليتها في حماية المستهلك من الأضرار المادية والصحية الناجمة عن استخدام السلع والمنتجات غير المستوفية لشروط الاستهلاك . فرقابة الدولة ضرورية خاصة على جودة السلع وصلاحيتها للاستخدام وعدم انتهاء صلاحيتها , وتحديد اسعار السلع الأساسية التي تلبي حاجة معظم افراد المجتمع السوداني كمياه الشرب والحبوب والخبز ومستلزمات العلاج والتعليم وغيرها .
3) ضرورة حماية المستهلكين وصغار المنتجين ورفض الجبايات العديدة غير المبررة المفروضة على صغار التجار لغرض تمويل الانفاق البذخي لأجهزة الحكم . ولا بد في هذا المجال من تنظيم الأسواق التجارية وضبط ومراقبة تدفق السلع من السوق المحلية واليها مع ضرورة تنسيق عمل مختلف الأجهزة الحكومية بالتعاون مع قوى وهيئات المجتمع المدني ذات العلاقة لضمان سلامة المنتجات المستوردة ولتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية من خلال فحص المنتجات المستوردة وتنشيط دور التفتيش والسيطرة النوعية وتطبيق الشروط الصحية وشروط السلامة العامة ومكافحة التهريب ومحاربة المتاجرين بالمواد الممنوعة وغير المشروعة , وضرورة تقديم الدعم للنشاطات والقطاعات الانتاجية القادرة على التصدير بما يشجعها على الارتفاع بمعدلات الانتاجية ومستويات الجودة ويؤهلها للمنافسة .
وفي مجال التجارة الخارجية يؤكد الحزب الشيوعي السوداني في برنامجه على :
1) تطوير القاعدة الانتاجية وتنويع منتجاتها وتعزيز قدرتها التنافسية باستغلال المزايا النسبية التي تتمتع بها السودان في انتاج بعض السلع وهو الركيزة لتحسين تركيبة صادرات البلاد وزيادة حصيلتها من العملات الأجنبية .
2) البحث عن اسواق جديدة في كل القارات فضلا عن تعزيز العلاقات التجارية مع البلدان الأفريقية والعربية وغيرها من البلدان النامية .
3) تشكل تحويلات السودانيين العاملين في الخارج اضافة ذات شأن في حصيلة البلاد من العملات الأجنبية ما يستدعي استحداث الوسائل والأساليب التي تزيد من ارتباط المغتربين بالوطن وتعزز مساهمتهم في عملية التنمية .
4) الاهتمام بالسياحة وتطوير بناها التحتية لتساهم في اضافة موارد مالية لخزينة الدولة .
5) اعادة النظر في تركيبة الواردات وكبح الزيادة المنفلتة في الاستيراد .
6) اخضاع الواردات لأولويات التنمية بتفضيل السلع الانتاجية وتقليص الواردات الكمالية والبذخية .
وبهذا الصدد يؤكد الحزب الشيوعي السوداني على ضرورة الحفاظ على السيادة الوطنية عند التعامل مع دول العالم والبنك والصندوق الدوليين , مؤكدا على خفض الغلاء في الأسعار واعادة تنظيم البيت الداخلي واعادة الجنيه السوداني لقوته وتخفيض سعر العملات الأجنبية اعتمادا على العرض والطلب , مع النظر في مدخلات الانتاج حيث ان العجز بالميزان التجاري يتراوح ما بين ( 3 – 6 ) مليار دولار وهذا يعود لاستيراد الكماليات , اذ من الضروري اتخاذ قرار رسمي بوقف استيراد الكماليات مما يوفر على السودان نحو ( 3 ) مليارات دولار وخفض الطلب على الدولار , والعمل على خفض تكلفة الانتاج والتضخم .
ويرى الحزب الشيوعي السوداني ان استيراد السلع يعمل على ضرب الصناعة المحلية لذلك لا بد من ايجاد حلول جديدة خلال الفترة الانتقالية التي هي من مطالب الثورة . وبعيدا عن سياسة البنك وصندوق النقد الدوليين ينبغي الغاء سياسة التحرير الاقتصادي والنظر لحياة الناس واحتياجاتهم والعمل على تخفيض الأسعار واسترداد الأموال المنهوبة مع تصفية شركات النظام البائد العائدة ( للمؤتمر الوطني ) وكافة شركات التصنيع الحربي ومؤسسات الجيش , واعادة النظر في الاستثمارات الموجودة من ذهب وبترول وغيره وخفض الضرائب من السلع الأساسية.
وحتى تنجح عملية التجارة فإنها تحتاج الى عدة عناصر متكاملة تتمثل بـ : 1) الاعداد: من خلال اعداد دراسة شاملة تتضمن معرفة نسبة نجاح التجارة في السوق واستغلال فرص نجاحها .
2) الأداء : ويعني تطبيق الدراسة التي تم اعدادها في مرحلة الاعداد على ارض الواقع وذلك بالبدء بالنشاط التجاري .
3) المراجعة : أي دراسة التداولات المالية سواء اكانت تداولات فردية او شاملة على مستوى السوق .
4) اعادة التنظيم : وذلك من خلال تطبيق الأفكار الجديدة للتجارة التي تم التوصل اليها من خلال المراجعة وتفادي الأخطاء التي كانت موجودة في السابق ليكون الأداء الجديد افضل .
لقد شخص الحزب الشيوعي السوداني انتهاج الحكومات المتعاقبة في السودان لسياسات اقتصادية فاشلة اهملت مهام بناء مقومات الاستقلال وانتشال البلاد من وهدة التخلف والارتقاء بنوع حياة المواطنين في السودان وكانت نتيجة ذلك تكريس الفقر واحكام تبعية الاقتصاد السوداني لدوائر الاستعمار الحديث حيث صنف السودان بعد نصف قرن من الاستقلال ضمن اكثر البلدان فسادا واقلها تنمية ويعيش اكثر من 95 % من السودانيين تحت خط الفقر , وهذا ما دعا الجماهير الشعبية وقواها الوطنية والديمقراطية وعلى رأسهم جماهير الحزب الشيوعي السوداني الى الانتفاض السلمي ضد النظام والذي ادى الى سقوطه . وكما قال ابو ذر الغفاري او الامام علي: ( (عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه )), وهذا ما فعلته الجماهير الشعبية السودانية سلميا .
كانت حصيلة التنمية الرأسمالية التابعة الفشل الذريع في انتشال السودان من وهدة التخلف وفشلت في توحيد البنية الاقتصادية المفككة وفي اقامة السوق الوطنية الموحدة مترابطة الأطراف وفي تحقيق الاستقلال الاقتصادي , بل كرست التخلف والتبعية لمراكز الرأسمالية العالمية .
وكما قال الشاعر السوداني الراحل ( محجوب شريف ) في قصيدة (حب لعبد الخالق) :
(( الفارس معلق , ولا الموت معلق
حيرنا البطل
يا ناس الحصل
طار بي حبلو حلق
فج الموت وفات , خلى الموت معلق
في عينينا بات
وسط الناس نزل
بالحزب الشيوعي ...))

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية