الفصل التاسع : صراع برسباى وشاه رخ: عام 840

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 22

كتاب مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الخائب الخائن الراهن
الباب الأول : العسكر المملوكى يحافظ على مكانة مصر
الفصل التاسع : صراع برسباى وشاه رخ: عام 840
مقدمة :
في مقدمة تأريخه لأحداث عام 840 ذكر من بين أكابر المجرمين الحُكّام : ( القان معين الدين شاه رخ سلطان ابن الأمير تيمور كوركان صاحب ممالك ما وراء النهر وخراسان وخوارزم وجرجان وعراق العجم ومازندران وقندهار ودله من بلاد الهند وكرمان وجميع بلاد العجم إلى حدود أذربيجان التي منها مدينة تبريز . ) هذه مملكة شاه رخ . ثم قال عن إسكندر السفاح ابن قرا يوسف ، فقال : ( ومتملك تبريز إسكندر بن قرايوسف بن قرا محمد وهو مشرد عنها خوفا من القان شاه رخ‏. ) وقال عن أخيه السفاح الآخر : ( وحاكم بغداد أخو أصبهان بن قرايوسف وقد خرجت بغداد ولم يبق بها جمعة ولا جماعة ولا أذان ولا أسواق‏. وجف معظم نخلها وإنقطع أكثر أنهارها بحيث لا يطلق عليها اسم مدينة بعدما كانت سوق العلم‏. ) ، وقال عن الحاكم العثمانى فيما كان يعرف ببلاد الروم : ( وملك الإسلام ببلاد الروم خوندكار مراد بن محمد بن كُرْشجى بن بايزيد يلدَريم بن مراد بن أُرخان بن أرِدن على ابن عثمان بن سليمان بن عثمان صاحب برصا وكالى بولى‏. ) ، وقال عن ابن قرمان : ( وعلى بلاد قرمان من بلاد الروم إبراهيم بن قرمان‏.
ونتتبع أخبار الصراع بين برسباى وشاه رخ في المناطق الواقعة بينهما . قال المقريزى :
( شهر الله المحرم ) ‏:‏
أخبار الحملة المملوكية المنتصرة في الشرق :
1 ـ رجوع الحملة الملوكية الى حلب : ( في عاشره‏:‏ وصل العسكر المجرد إلى مدينة حلب ونزلها‏. )
2 ـ عدم ارسال حملة مملوكية أخرى من القاهرة : ( وفي ثامن عشرينه‏:‏ جمعت أجناد الحلقة الماًخوذ منهم المال كما تقدم ذكره فى بيت الأمير تَمِرْباى الدوادار ، وأعيد لهم ما كان أُخذ منهم من المال من أجل أن التجريدة بطلت‏. وللّه الحمد‏. )
3 ـ توجه العسكر المملوكى من حلب الى أبليستين : ( وقدم الخبر‏.‏( 29 محرم ) بمسير العسكر المجرد من حلب فى عشرينه إلى جهة الأبلستين‏. )
‏شهر صفر :
رأس الأمير المملوكى الخائن قرمش الأعور تصل القاهرة
( في رابعه‏:‏ قدم قاصد نائب حلب برأس الأمير قَرْمش الأعور‏. وكان من خبره أنه من جملة المماليك الظاهرية برقوق ، وترقى فى الخدم حتى صار من الأمراء ، وأُخرج إلى الشام‏. فلما خامر الأمير تَنْبَك البجاسى على السلطان كان معه ، ثم هرب بعد قتله ، فلم يعرف خبره إلى أن ظهر الأمير جانبك الصوفى إنضم عليه‏. فلما قدم العسكر المجرد إلى حلب ومن جملته الأمير خجا سودن نزل‏ ممن معه على عنتاب ، فطرقه قَرْمش المذكور ، وهو في مقدمة جانبك الصوفى ، فكانت بينهما وقعهْ أُخذ فيها قَرْمش وكمُشبغا من أمراء حلب المخامر إلى جانبك الصوفى فى جماعة ، فقُطعت رأس قرمش وكمشبغا ، وجُهّزتا إلى السلطان ، ووُسّط الجماعة ، فشهرت الرأسان بالقاهرة ، ثم أُلقيتا فى سراب مملوء بالأقذار والغدرة‏.( أي البراز ).
تعليق
هذا الأمير المملوكى صاحب سوابق في الخروج على السلطة المملوكية أثناء اقامته في الشام ؛ إنضم الى ثورة تنبك البجاسى على برسباى ، ثم هرب واختفى بعد مقتل تنبك ، ثم ظهر متحالفا مع جانبك الصوفى . وحارب معه ، وانهزم مع جانبك الصوفى ، وأفلح جانبك الصوفى في الهرب ، ووقع قرمش الأعور في الأسر مع صاحبه كمشبغا وآخرين من المماليك . كانت نهايتهم التوسيط ( القطع نصفين ) ، وأُرسلت رأسا قرمش وكمشبغا الى السلطان ليقيم لهما حفل تكريم في المجارى.
شهر ربيع الأول :
أخبار الحملة المملوكية المنتصرة في الشرق
1 ـ ( فيه عاد العسكر المجرد إلى أبلستين بعدما وصلوا إلى مدينة سيواس فى طلب جانبك الصوفى وابن دلغادر ، حتى بلغهم لحاقهما‏ بمن معهما ببلاد الروم والإنتماء إلى ابن عثمان صاحب برصا ، فنهبوا ما قدروا عليه وعادوا‏. ).
خرجوا لمطاردة ابن دلغادر وجانبك الصوفى . وعلموا بلجوئهما الى العثمانيين ، فنهبوا ما تبقى من أبليستين . هذه بداية العداوة بين برسباى والإمارة العثمانية .
2 ـ ( وفي يوم الجمعة سادس عشرة‏:‏ رحل العسكر من أبلستين، بعد أن أقاموا بها عشرة أيام، وهم ينهبون أعمالها ويخربون ويحرقون . فمازالوا سائرين حتى نزلوا تجاه مدينة سيواس ، وقد رحل العدو المطلوب إلى جبل آق طاغ ،ومعناه الجبل الأبيض، ثم مضوا منه إلى أنكورية‏.( أنقرة ). بعد السلب والنهب عشرة أيام في ابليستين اتجهوا الى سيواس ، ثم الى أنكورية ( انقرة حاليا ). وكان دلغادر وجانبك الصوفى قد لحقا . كانت انكورية ( أنقرة ) في ذلك الوقت خارج السُّلطة العثمانية .
3 ـ برسباى يرسل مكافئات للأمراء المماليك المنتصرين
3 / 1 :( وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه‏:‏ أعيد يونس خازندار نائب حلب الوارد بعود العسكر المجرد إلى أبلستين‏. )
3 / 2 : ( وجهز على يده لنائب حلب فرس بقماش ذهب ، وقباء فوقانى ، وخمسة آلاف دينار أشرفية‏. )
3 / 3 : ( وأنعم على الأمير الكبير جقمق الأتابك بألف دينار‏. )
3 / 4 :( وعلى كل من أمراء الألوف المجردين وعدتهم ستة أمراء خمسمائة دينار‏.)
3 / 5 : ( وعلى أمراء حلب المقدمين الذين خرجوا في التجريدة بألف وخمسمائة دينار، وعدتهم ثلاثة أمراء )
3 / 6 : ( وعلى أميرين من طبلخاناه حلب‏ بمائتى دينار‏.)
3 / 7 : ( وعلى سبعة من أمراء العشرين بحلب لكل أمير منهم‏ بمائة وخمسة وعشرين دينارا ، جملتها ثمانمائة وخمسة وسبعين دينارا )
3 / 8 : ( وأنعم على ستة عشر من أمراء العربان بحلب بألف وستمائة دينار‏.)
3 / 9 : ( وأنعم على خمسة عشر من أمراء الجهات لكل أمير خمسين دينارا‏. )
3 / 10 :( وأنعم على أمراء التركمان ونواب القلاع ممن كان فى التجريدة بخمسة ألاف دينار‏.)
3 / 11 : ( وبلغت جملة هذه الإنعامات تسعة عشر ألف دينار ومائة دينار وخمسة وسبعين ديناراً، سوى ثلاثين قرطية ( القرطية نوع من الابل ) وثلاثين ثوب صوف، وعشرة أقبية سنجاب، كل قباء خمس شقات‏.)
أخبار جانبك الصوفى
( وفي ليلة الإثنين‏ المذكور( الخامس من هذا الشهر )، قُتل جاسوس معه كتب من جانبك الصوفى‏.)
شهر جمادى الأولى :‏
( فيه قدمت رسل مراد بن محمد كرشجى بن بايزيد بن عثمان ملك الروم بهدية . )
عودة قواد الحملة المملوكية المنتصرة في الشرق
( وفي سابع عشرة‏:‏( جمادى الأولى ) قدم الأمراء المجردون لقتال جانبك الصوفى وناصر الدين محمد إبن دلغادر‏. وهم الأمير الكبير جقمق العلاى والأمير أركماس الظاهرى الدوادار وأمير يشبك الظاهرى ططر حاجب الحجاب والأمير قراخجا الحسنى والأمير تنبك السيفى والأمير تغرى بردى البكلمشى المعروف بالمؤذى ، وتمثلوا بين يدى السلطان ، وقبلوا الأرض . فخلع على الأمير الكبير متمر( نوع فاخر من اللباس ) ومن فوقه قباء فوقانى‏ . وخلع على كل من بقية الأمراء المذكورين فوقانى بطرز ذهب‏. وأركبوا جميعهم خيولا سلطانية بقماش ذهب‏. وتأخر من الأمراء الأمير خجا سودن لبطئه في المسير‏. ).
( وفيه أيضا قدم الأمير قرقماس الشعبانى أمير سلاح والأمير جانم أمير أخور والأمير قراجا شاد الشرابخاناه والأمير تمرباى الدوادار الثانى من تجريدة البحيرة وصحبتهم الأمير حسن بك بن سالم الدكرى التركمانى وقد عزل ومحمد بن بكار إبن رحاب وقد دخل فى الطاعة . )
تعليق
من الخبر نتعرف على بعض التشريعات السنية المعلومة من دينهم بالضرورة :
1 ـ السجود للسلطان وتقبيل الأرض بين يديه . فعل هذا برسباى حين كان أميرا ، ثم صاروا يسجدون له حين اصبح سلطانا . رفض هذا التشريع يعنى ردّة عن الدين السُنّى . ولا ننسى أن قُضاة القضاة وكبار الفقهاء في الكهنوت السُنّى كانوا أيضا يسجدون للسلطان ويقبلون الأرض بين يديه .
2 : يسلب السلطان ما لدى الناس من أوعية المطبخ الفضية ليسبكها دراهم فضية مغشوشة ، بينما يُنعم على كبار الأمراء المماليك بفوقانى ( أي قفطان ) مطرز بالذهب ، ويركبون في الموكب خيولا سلطانية بقماش من ذهب . أين هذا من دينهم السُنّى الذى يحرم الذهب والحرير ، بل ويحرّم التختُم بالذهب والفضة ؟
3 ـ العجيب أن كُتُب الفقه النظرى والحديث التي شاع تدريسها في العصر المملوكى حفلت بمئات الصفحات في تحريم الذهب والحرير والتختم بالذهب والفضة ، ابن حجر العسقلانى له عشرات المؤلفات في الفقه والحديث ، وهى مجرد تشريعات نظرية لا شأن لها بما يفعله السلاطين في عصره . ونفس الكتب التراثية هذه لا تزال يتم تدريسها في الأزهر في تناقض كامل مع الواقع . لذا نؤكد ان التشريع السُّنّى الحقيقى ليس في الكتابات النظرية من فقه وتفسير وحديث ، ولكن فيما يتم تطبيقه عملا وفعلا على يد أكابر المجرمين المستبدين وبموافقة أكابر المجرمين من رجال الدين .
جمادى الآخرة
عودة الأمير خجا سودون متأخرا وهو من أمراء الحملة
( وفى ثامنه قدم الأمير خجا سودون أحد المجردين ، فخُلع عليه . )
‏أخبار جانبك الصوفى ودلغادر وابن قرمان وابن عثمان
( وفي ثاني عشرة‏:‏ ورد كتاب الأمير إبراهيم بن قرمان يتضمن أن ناصر الدين محمد ابن دلغادر وجانبك الصوفى نزلا بعد توجه العسكر قريبا من أنكوريه‏.( أنقرة ) , وجهز الأمير سليمان بن ناصر الدين محمد بن دلغادر إلى مراد بن عثمان ، فلقيه على مدينة كالى بولى وترامى عليه‏. ) ( وكان ابن قرمان المذكور قد قاتل حاكم مدينة أماية فقتله ، فغضب ابن عثمان ، وتحركت كوامن العداوة التى بين القرمانية والعثمانية ، وعزم على المسير إلى أخذ ابن قرمان‏... فلما قدم عليه سليمان بن دلغادر جهز معه عسكراً ، وأنعم عليه بالمال والسلاح ، وندب معه حاكم مدينة توقاته ( مدينة بين قونية وسيواس في تركيا الآن ) لمحاصرة مدينة قيصرية وأخذها من ابن قرمان‏. وجهز أيضا الأمير عيسى أخا إبراهيم بن قرقمان على عسكر آخر ، وبعثه إلى بلاد قرمان ، ليسير هو من وراء العسكرين . فأهم السلطان هذا الخبر ، وجهز إلى كل من عنتاب وملطية وكختا وكركر المال والسلاح ، وكتب إلى تركمان الطاعة‏ بمعاونة إبراهيم بن قرقمان على عدوه‏.) .
تعليق
1 ـ كان هذا قبل أن تنضم إمارة القرمانيين الى مراد الثانى العثمانى ، بعد عداء طويل كان بينهما .
2 ـ في هذا الوقت عام 840 كان إبراهيم بن بن قرمان متحالفا مع برسباى ، ويبعث بأخبار جانبك الصوفى ودلغادر الى برسباى . وقد أخبره أنهما توجها قريبا من أنكوريه ( أنقرة الآن ) . وبسبب العداء بين ابن قرمان ومراد العثمانى في هذا الوقت فقد استغل مراد الثانى لجوء دلغادر وجانبك الصوفى اليه ، فجهزهما بالسلاح والعتاد ليحاربا ابن قرمان ، وكان لدى مراد الثانى أمير قرمانى لاجئ هو عيسى بن قرمان أخ إبراهيم بن قرمان ، فأرسله مراد بجيش آخر لحرب إبراهيم بن قرمان . وكل هذا بهدف الاستيلاء على العاصمة القرمانية قيصرية ( هي الآن عاصمة الأناضول ) .
2 ـ أدى هذا الى قلق برسباى فأخذ في الاستعداد الحربى .
3 ـ لمجرد التذكرة : برسباى يصل نفوذه الى وسط الأناضول .. خيبة العسكر المصرى الحاكم اليوم لا مثيل لها .!
شهر رمضان
‏برسباى يستعد لقيادة حملة عسكرية لمناصرة ابن قرمان ضد دلغادر وجانبك الصوفى
( في عاشرة‏:‏ عقد السلطان المشورة . وقد ورد الخبر بأن ناصر الدين محمد بن دلغادر ونزيله جانبك الصوفى زْحفا‏ بمن معهما على بلاد قرمان فقوى العزم على السفر إلى بلاد الشام وأخذ الأمراء في أهبة السفر، ثم إنتقض ذلك فى ثامن عشرة‏. وكُتب بمسير نواب الشام إلى نحو بلاد قرمان ، نجدة لإبراهيم بن قرمان ، فإن القوم أخذوا مدينة أقشهر ( تتبع محافظة قونية الآن في تركيا ) ، ونازلوا قلاعًا أخر‏. )
شهر شوال ‏
( وفي عشرينه‏:‏ قدم نائب حلب إليها وكان قد سار عندما ورد الخبر‏ بمشى مراد بن عثمان ملك الروم على بلاد ابن قرمان فلما تقرر الصلح بينه وبين إبراهيم بن قرمان عاد نائب حلب من مرعش‏.)
( وقدم الخبر بأن أصبهان بن قرايوسف متملك بغداد جمع لحرب حمزة بن قرايلك حاكم ماردين فجمع له حمزة وحاربه فهزم أصفهان بعدما قتل عدة من أمرائه وجنده وأن من بقى معه أرادوا قتله فإمتنع منهم بقلعة فولاد‏. )
شهر ذي القعدة
توقف الحملة المملوكية التي كان مقررا لها أن تساعد ابن قرمان ضد مراد العثمانى
( وفي عشرينه‏:‏ قدم نائب حلب إليها ، وكان قد سار عندما ورد الخبر‏ بمشى مراد ابن عثمان ملك الروم على بلاد ابن قرمان ، فلما تقرر الصلح بينه وبين إبراهيم بن قرمان عاد نائب حلب من مرعش‏. ) . نفهم وقوع الصلح بين مراد العثمانى وابن قرمان . لذا لم تعد هناك حاجة للدفاع عن ابن قرمان .
هزيمة أصبهان بن قرا يوسف حاكم بغداد
( وقدم الخبر بأن أصبهان بن قرا يوسف متملك بغداد جمع لحرب حمزة بن قرايلك حاكم ماردين ، فجمع له حمزة وحاربه ، فهزم أصفهان بعدما قتل عدة من أمرائه وجنده ، وأن من بقى معه أرادوا قتله فإمتنع منهم بقلعة فولاد‏. )
قال أخيرا عن هذا العام 840 :
( وفيها أيضا وقع الوباء بنواحى ديار بكر وآمد وملك الديار ، فمات منها بشر كثير‏. ) ( وفيها كانت حروب ببلاد الروم وديار بكر وما يليها. وللّه عاقبة الأمور‏. )

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي