الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 3 من 3 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 20

الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 3 من 3 )
ج 3
برسباى يأمر بخروج حملة عسكرية
قال المقريزى : ( وفي يوم السبت سابعه: رسم بخروج تجريدة إلى بلاد الشام، وعين من الأمراء المقدمين ثمانية، وهم الأمير قرقماس الشعبانى أمير سلاح، والأمير أقبغا التمرازى أمير مجلس، والأمير أركماس الظاهرى الدوادار، والأمير تمراز الدقماقى رأس نوبة النوب، والأمير يشبك حاجب الحجاب، والأمير جانم أمير أخور، والأمير خجا سودن، والأمير قراجا الأشرفي)
ثم عودة رسول برسباى خائبا ، لم يرسل ابن دلغادر معه جانبك الصوفى ، بل سلب دلغادر ما معه، فتحتم الاستعداد للحرب. قال المقريزى : ( وفي حادي عشره‏:‏ قدم الأمير شاد بك المتوجه لأخذ جانبك الصوفي من عند الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر وقد أخذ ما على يده من المال وغيره و لم يمكن من جانبك الصوفي فشق على السلطان ذلك وعزم على السفر وجمع الأمراء وحلفهم على طاعته .)
شهر شعبان
الحملة المملوكية المتجهة لقتال بن دلغادر
1 ـ ( وفي ثالثه‏:‏ أنفق السلطان في الأمراء المجردين من القاهرة إلى الشام ومن معهم ، سبعة عشر ألف دينار‏. )
2 ـ ( وفي سابع عشرينه‏:‏ سار الأمراء المجردون إلى الشام بمن معهم ، وقد كانوا برزوا خارج القاهرة في خامس عشرينه‏. وهم الأمير جقمق الأتابك ، والأمير أركماس الدوادار الكبير ، والأمير يَشْبك حاجب الحجاب ، والأمير تنبك نائب القلعة ، والأمير قراجا ، والأمير تغري بردي المؤذي ، والأمير خُجا سودن‏. ).
تعليق
لم يخرج برسباى بنفسه كما حدث من قبل . اكتفى بأن أرسل اكبر القادة ، ومنهم قائد الجيش ( الأتابك جقمق ) . ليس هذا مفهوما ، فقد خرج قائدا لحملة سابقة أقل أهمية .
إسكندر بن قرا يوسف يطلب المجىء للقاهرة، وموافقة مؤجّلة .
( وفى سابع عشرينه ورد كتاب إسكندر بن قرا يوسف يستأذن في القدوم ، فوُعد بخير. ).
( وفي هذا الشهر‏ شعبان 839 :‏ كملت عمارة القان شاه رخ لمدينة تبريز‏. وقد تقدم لأهل البلاد بزراعة أراضيها فتراجع الناس إليها‏. وولي شاه رخ على تبريز شاه جهان بن قرا يوسف عوضاً عن اسكندر‏. )
بعد هزيمة إسكندر وفراره شاه رخ يعين أخ إسكندر واليا تابعا له على تبريز ، ويأمره بتعمير تبريز التي خرّبها إسكندر . إسكندر وأخوه أصفهان كانا متخصصان في التخريب .
شهر رمضان
الرّدّ على طلب إسكندر بن قرا يوسف بتكريم رسوله لبرسباى
( وفي رابعه‏:‏ خلع على رسول اسكندر بن قرا يوسف ، وأعيد إليه بجوابه‏. )
وصول أمير تركمانى الى برسباى مفارقا جانبك الصوفى
( وفي رابع عشرينه‏:‏ قدم الأمير أسلماس بن كبك التركماني ، مفارقاً جانبك الصوفي ، فأُكرم وأُنعم عليه‏. ).
( فيه خلع على الأمير أَسلَماس فيمن خلع عليه ورسم بتجهيزه ).
تعليق
لا ولاء إلا للمصلحة الشخصية . وهذا الأمير أسلماس بن كبك التركمانى وجد مصلحته ليست مع جانبك الصوفى ، بل مع برسباى ، فجاء ساعيا الى برسباى ، يحمل أسرار جانبك الصوفى ، ومن المنتظر استجوابه ومعرفة ما عنده من أخبار لتستفيد منها الحملة العسكرية .
( وفي هذا الشهر‏:‏ رحل القان شاه رخ عن مملكة أذربيجان بعدما زوج نساء إسكندر بن قرا ) ( وفي هذا الشهر‏:‏ نزل القان شاه رخ على سلطانية وعزم على أنه لا يرحل عنها إلى هراة دار ملكه حتى يبلغ غرضه من اسكندر بن قرا يوسف‏. )
شهر شوال
شاه رخ يرحل عن تبريز ( أذربيجان ) بعد تزويج نساء إسكندر لأخيه جهان
( وفي هذا الشهر‏:‏ رحل القان شاه رخ عن مملكة أذربيجان بعدما زوج نساء إسكندر بن قرا لشاه جهان ، الذى استنابه علي تبريز في شهر رمضان . )
تعليق
1 ـ شاه رخ يملك نساء المهزومين من أعدائه وحلفائه ، طبقا لشريعته السنية . من قبل تزوج أحمد جوركى بن شاه رخ إبنة عثمان قرايك ، وفرض عليها أن تدفع له مهرا كبيرا ، والان يفرض شاه رخ على شاه جهان بن قرا يوسف أن يتزوج زوجة أخيه إسكندر ، وهى لا تزال في عصمته ، وهذا نكاية في اسكندر عدوه . إنها عقلية المستبد الذى يملك شعبه ، ويملك الدين الأرضى الذى يؤمن به شعبه .
2 ـ لا يجب أن نحتج بصوت عال على ما ارتكبه شاه رخ . فهى نفس عقلية المستبدين أكابر المجرمين في كوكب المحمديين ، عقلية أنهم يملكون الأرض ومن عليها ، عقلية القاعدة الفقهية القائلة أن للإمام ( أي الحاكم ) له أن يقتل ثلث الرعية لاصلاح الثلثين . يؤمن بهذا ضابط المخابرات الذى يحكم مصر الآن ، لم يكن شيئا مذكور من قبل ، كان نسيا منسيا ، ولم يدخل معركة حربية من قبل . الذى أعطاه شهرة هو حملته العسكرية التي انتهك بها حُرمة عورة الحرائر الشريفات المصريات ، فيما يُعرف بكشوف العذرية . تصرّف باعتبارهن سبايا ورقيقا له . لم يعترض عليه من يسمونه ( الامام الأكبر ، شيخ الأزهر ) ولم تعترض عليه ( دار الإفتاء ) ( بالتاء وليس بالسين ). مع شدة الأسف .!
‏ ارسال اسلماس التركمانى المنشق عن جابك الصوفى ليحارب جانبك الصوفى وحليفه ابن دلغادر
( فيه خلع على الأمير أَسلَماس فيمن خُلع عليه، ورُسم بتجهيزه‏. )
تعليق
اسلماس التركمانى الذى إنشقّ عن جانبك الصوفى يتم تعيينه ضمن الحملة المتجهة لقتال ابن دلغادر . برسباى يستفيد منه خير استفادة ، يقيم له حفل تكريم ، ويرسله للحرب ضد حليفه القديم جانبك الصوفى . لو كان يثق فيه لاستبقاه الى جانبه ، ولكن أرسله هناك تحت رقابة القادة المماليك .
شهر ذي القعدة 839
شاه رخ يريد الانتقام من إسكندر بن قرا يوسف
( وفي هذا الشهر‏:‏ نزل القان شاه رخ على سلطانية ، وعزم على أنه لا يرحل عنها إلى هراة دار ملكه ، حتى يبلغ غرضه من اسكندر بن قرا يوسف‏. )
تعليق
في صراعه المنتظر مع برسباى لا بد لشاه رخ أن يقضى أولا على إسكندر بن قرا يوسف ، حتى لا يكون شوكة في ظهره إذا اتجه الى الشام محاربا جيش المماليك.
شهر ذي الحجة ‏:
المقريزى يحكى عن ‏الحملة المملوكية على دى لغادر ، وجانبك الصوفى
يقول : ( وفي هذه السنة‏:‏ غزت العساكر السلطانية الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر غير مرة ، فسار الأمير تغري برمش نائب حلب ، ومعه الأمير قانباي الحمزاوى نائب حماة بعساكر حلب وحماة ، في أول شهر رمضان إلى عينتاب . وقد نزل جانبك الصوفي على مرعش ، فتوجهوا إليه من الدربند ، ونزلوا بَزرْجُق ، وأقاموا يومين ، وقد عدوا نهر جيحان، وقطعوا الجسر من ورائهم ، وقصدوا الأمير ناصر الدين محمد بن خليل بن قراجا بن دلغادر من جهة دربند كينوك ، فلم يقدروا أن يسلكوه من كثرة الثلوج التي ردمته ، فْمضوا إلى دربند أَترنيت من عمل بهنسي ، وقد ردمته الثلوج أيضاً ، فقدم نائب حلب بين يديه عدة رجال ممن معه ومن أهل البلاد المجاورة للدربند لفتح الطريق ، ودروس الثلج بأرجلهم ، حتى يحمل مسير العسكر . ثم ركب في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان وعبر الدربند المذكور بمن معه وسار يومه‏. ثم نزل تحت جبل بزقاق ، وقدَّم أربعين فارس كشافة ، فظفروا في خان زليِّ بدمرداش مملوك ناصر الدين محمد بن دلغادر ، وقد بعثه في ثلاثة لكشف خبر العساكر ، ففر الثلاثة وقبض على دمرداش وأتوا به ، فأخبر أن القوم على أبلستين‏. فركب نائب حلب بمن معه في الحال ، وجدّ في سيره حتى طرق أبلستين يوم الثلاثاء تاسعه ، وقد رحل ابن دلغادر بمن معه عند عودة رفقة دمرداش إليه بخبر قبض كشافة العساكر عليه ، فسار في أثره يومه ، وقد عبر بمن معه نهر جيحان ، فلم يدركهم ، ثم عاد نائب حلب وجماعته ونزل ظاهر أبلستين ، وأمر بأهلها فرحلوا إلى جهة درنده ، وأضرم النار في البلد حتى احترقت بأجمعها ، بعد ما أباحها للعسكر ، فنهبوها وسائر معاملاتها ، فحازوا من الخيول والبغال والأبقار والجواميس والأغنام والحمير والأقمشة والأمتعة ما لا نهاية له ، بحيث أنه لم يبق أحد من العسكر إلا وأخذ من ذلك ما قدر عليه‏. وعاد نائب حلب بمن معه والغنائم تساق بين يديه على طريق بهسني ، ثم عبر عينتاب ، فلم يبق بأبلستين ولا معاملتها قدح واحد من الغلال‏ ، وحرقت ونهبت - هي وبلادها - فبقيت قاعاً صفصفاً‏. وعبر بالعسكر إلى حلب بعد غيبتهم عنها خمسين يوماً .
ثم إن ابن دلغادر جمع جمائعه ورحل ببيوته إلى أولخان ، بالقرب من كينوك . وكانت الأمراء المجردة من مصر نازلة بحلب فجهز الأمير تغري برمش نائب حلب الأمير حسام الدين حسن خجا حاحب الحجاب بحلب، ومعه مائة وخمسون فارساً إلى عينتاب ، تقوية للأمير خجا سودن وقد نزل بها‏.‏
فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين ذي الحجة‏:‏ وصل الأمير جانبك الصوفي ومعه الأمير قرمش الأعور وكمشبغا أمير عشرة - من أمراء حلب - وقد خامر منها ، وصار من جلة جانبك الصوفي . وأولاد ناصر الدين محمد بن دلغادر - سوى سليمان - يريدون لقاء الأمير خجا سودن ، فنزلوا على مرج دلوك ، ثم ساروا منه إلى عينتاب فقابلهم الأمير خجا سودن في آخر النهار، وباتوا ليلتهم وأصبحوا يوم الثلاثاء خامس عشرينه‏.‏
فقدم الأمير حسن خجا حاجب حلب في جمع كبير من تركمان الطاعة ، فتقدم إليهم جانبك الصوفي بمن معه ، وهم نحو الألفي فارس ، فقاتلهم عسكر السلطان المذكور، وقد انقسموا : فرقة عليها الأمير خُجا سودن حاجب حلب ، وفرقة عليها الأمير تمرباي الدوادار بحلب وتركمان الطاعة . كل فرقة في جهة. فكانت بينهم وقعة ، انجلت عن أخذ الأمير قُرمش الأعور وكمشبغا أمير عشرة وثمانية عشر فارساً ، فانهزم جانبك الصوفي ومن معه، وتبعهم العسكر إلى انجاصوا‏. ثم عادوا ، وحمل المأخوذون إلى حلب ، فسجنوا بقلعتها في الحديد. وكتب بذلك إلى السلطان . )
تعليق :
1 ـ بدأت أول رمضان بتحرك نائب حلب تغرى برمش ونائب حماة قانباى الحمزاوى نحو عينتاب . وكان جانبك الصوفى في مرعش . فتوجهوا اليه.
2 ـ عبروا نهر جيحان، ( جنوب تركيا ) لمواجهة الأمير ناصر الدين دلغادر ، وأعاقتهم الثلوج ، واستطاع نائب حلب التغلب على عقبة الثلوج ، وواصل طريقه، وارسل فرقة كشافة قبضت على مملوك لناصر الدين دلغادر ، أخبرهم أن ناصر الدين دلغادر في ابليستين . علم ناصر الدين بالقبض على مملوكه فهرب عابرا نهر جيحان .
3 ـ حاصر نائب حلب ابليستين ، وأخرج منها أهلها ، واستباح ما فيها من ثروات ومؤن ، وعاد بها الى حلب ، بعد غيبة 50 يوما .
4 ـ تجمع جند دلغادر وجنود جانبك الصوفى ، ودارت موقعة بينهم وبين جنود نائب خلب ، انهزم فيها جانبك الصوفى ، وهرب ، بينما وقع في الأسر كبار أعوانه .
5 ـ ثم كان القبض على حمزة دلغادر وسجنه في برج القلعة ، يقول المقريزى : ( وفي سابع عشرينه‏:‏ وصل الأمير حمزه بك بن علي بك بن دلغادر ، فأُنزل‏. ثم وُقف بين يدي السلطان في تاسع عشرينه ( في ذي الحجة ) ، فقبض عليه ،وسُجن في البرج بالقلعة‏.). وهرب دلغادر وجانبك الصوفى ولحقا بالعثمانيين .
أخيرا
نلعن برسباى لكونه أكبر أكابر المجرمين ، ولكن نقرّر أنه كان قائدا عسكريا محنّكا وسياسيا ماهرا . يكفى أنه كان منتصرا على أعدائه في الشرق وجنوب تركيا ، يقف بضراوة يدافع عن حدود مصر هناك . نتذكر هنا عسكر مصر الخائن الخائب الخاسر الفاشل الذى لا ينتصر إلا على الشعب المصرى الأعزل الخانع الخاضع ، قليل الحيلة .!

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية