الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 2 من 3 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 18

الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 2 من 3 )
ج 2

إسكندر بن قرا يوسف يبعث الى برسباى برأس عثمان قرايلك ورءوس آخرين
( وفي سابع عشره‏:‏ قدم قصاد اسكندر بن قرا يوسف صحبة الأمير شاهين الأيد كاري برأس الأمير عثمان قرا يلوك ورأسي ولديه وثلاثة رءوس أخر. وكان السلطان قد توجه للرماية بالجوارح على الكراكي ، فقدم من الغد يوم الخميس ثامن عشره ، فطيف بالرءوس الستة على رماح ،وقد زينت القاهرة لذلك فرحاً بقتل قرا يلوك‏. ثم علقت على باب زويلة ثلاثة أيام ، ودفنت‏. ).
تعليق
طبقا للمعلوم من دينهم بالضرورة طيف برءوس القتلى ( المسلمين ) فرحا وابتهاجا . هذا تقليد معمول به منذ مذبحة كربلاء ، وتوسع فيه العباسيون ، وصارت عادة دينية في العصر المملوكى .
رأى المقريزى . يقول :
( ولقد أخبرني من له معرفة بأحوال قرا يلوك أنه كان في ظنه أنه يملك - مصر‏. وذلك أن شخصاً منجماً قال له إنك تدخل القاهرة ، فدخل ولكن برأسه ، وهي على رمح يطاف بها وينادي عليها : ( نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) المائدة )).
تعليق
1 ـ لا يرى المقريزى في التشهير بالرءوس المقطوعة مخالفة للاسلام ، لأن هذا من المعلوم من دينهم السُنّى بالضرورة ، ولا يرى بأسا بالمناداة على تلك الرءوس بآية قرآنية . هو فقط يعبّر عن عقيدته المتأثرة بالاعتقاد في التنجيم فى أن أحد المنجمين قال لقرايلك إنه سيدخل القاهرة . ويرى أن نبوءة المنجم تحققت ، ولكن بعكس ما كان قرايلك يريد ، دخلت رأسه المقطوعة .
2 ـ نعيد التذكير بأنه كان للتنجيم وتبشير الصوفية للطموحين للسلطة تأثيرات سياسية في الصراع على السلطة . كان الأولياء الصوفية والمنجمون يتمتعون بالاعتقاد في معرفتهم الغيب ، وكانوا إذا رأوا لدى بعض الأمراء طموحا للسلطة بشّروه بوصوله اليها. عثمان قرايلك كان أداة في يد شاه رخ ، يتمنى شاه رخ أن يحكم به مصر . وكان عثمان يحلم بهذا ، وبشّره ذلك المنجم . وانتهى الى دخول رأسه مصر .
‏3 ـ ( وفيه ( السبت 20 ) حضر قصاد اسكندر بن قرا يوسف بين يدي السلطان بكتابه ، فقرئ، وأجيب بالشكر والثناء‏. وحُمل إليه مال وغيره بنحو عشرة آلاف دينار‏. ووُعد بمسير السلطان إلى تلك البلاد‏. ). وعده برسباى بالمسير لتلك البلاد ، وارسل اليه الأموال .
‏برسباى يرسل الأموال الى دلغادر ( ناصر وولده سليمان ) لتسليم جانبك الصوفى
( وفي تاسع عشرينه‏:‏ توجه ( شادي بك ) أحد رءوس النوب بمال وخيل وغير ذلك إلى الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر نائب أبلستين وإلى والده الأمير سليمان ، وكتب لهما بأن يسلما ( شادي بك ) جانبك الصوفي ، ليحمله إلى قلعة حلب‏.)
( وفيه ورد إلى السلطان كتاب شاه رخ إلى جانبك الصوفي وقد قبض على حامله وحبس بحلب فتضمن الكتاب تحريضه على أخذ البلاد الشامية وأنه سيقدم عليه أحمد جوكي وبابا حاجي نجدة له‏. فكتب إلى نواب الشام بالتأهب والاستعداد لنجدة نائب حلب إذا أستدعاهم‏.)
جمادى الآخرة
رسول من برسباى الى شاه رخ ، ورسول من شاه رخ الى برسباى ( وفي ثامن عشرينه‏:‏ وصل الأمير أَقْطَوة المتوجه في الرسالة إلى شاه رخ‏. وقدم من الغد شيخ صفا رسول شاه رخ بكتابه، فأُنزل وأُجرى له ما يليق به‏. )
ابن دلغادر يطلق سراح جانبك الصوفى ( وفيه ورد الخبر بأن جانبك الصوفي قد أفرج عنه ناصر الدين محمد بن دُلغادر نائب أبلستين ، وصار في جمع ، بعد ما أخذ من شاد بك ما على يده من المال وغيره ، فكثُر القلق بسبب ذلك‏. ).
تعليق
1 ـ نتصور أن شاه رخ أغرى ناصر الدين بن دلغادر باطلاق سراح جانبك الصوفى ، وجعله في جمع ( أي في قوة ). بهذا تحوّل دلغادر الى خصم لبرسباى ومتحالفا مع شاه رخ . دلغادر يريد مصلحته ، وهو أقرب مكانا من شاه رخ ، ورأى أن استفادته من تحالفه مع شاه رخ أفضل له من برسباى، وأن شاه رخ سيساعده ضد برسباى .
2 ـ هذا الوضع الجديد أقلق برسباى ، وأقلقه أكثر ‏دخول أصبهان في طاعة شاه رخ
قال المقريزى : ( وفي هذا الشهر‏:‏ قدمت رسل أصبهان بن قرا يوسف حاكم بغداد إلى القان معين الدين شاه رخ ، وهو على قرا باغ بدخوله في الطاعة، وأنه من جُلّة الخدم‏. فأقامت رسله ثلاثين يوماً لا تصل إلى القان‏. ثم أجابه ينكر عليه خراب بلاده، ويأمره بعمارتها ، وأنه إن لم يعمرها وإلا و إلا ، وأمهله سنة‏. وكان أصبهان قد بعث بهدية فلم يعوضه عنها شيئاً ، وإنما جهز له خلعة وتقليداً، وخلع على رسله‏.‏ ).
تعليق
شاه رخ يتعامل باحتقار مع اصبهان بن قرا يوسف حاكم بغداد والعراق العربى . شاه رخ أهمل مقابلة رسله شهرا ، ولم يرد على هداياه ، وأعطاه مهلة سنة يعمّر فيها ما خرّبه في بلاده . وجعله واليا تابعا له. بانضمام أصبهان ثم دلغادر الى شاه رخ اصبح شاه رخ في موضع أقوى في مواجهة برسباى . هذا الوضع جعل شاه رخ يتعامل أيضا مع السلطان برسباى باحتقار .


الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 2 من 2 )
الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل الثامن: صراع برسباى وشاه رخ: حملة قتال بن دلغادر عام 839 ( 2 من 2 )
شهر رجب :
شاه رخ يطلب من برسباى أن يدخل في طاعته ، وبرسباى يعذّب رسول شاه رخ
1 ـ قال المقريزى : ( في ثانيه: أحضر صفا رسول شاه رخ ومن معه، وقرئ كتابه، فإذا هو يتضمن أن يخطب وتضرب السكة باسمه، وأخرج صفا خلعة بنيابة مصر ومعها تاج ليلبس السلطان ذلك. وخاطب السلطان بكلام لم يسمع معه صبر، فضرب صفا ضرباً مبرحاً، وألقي في بركة ماء. وكان يوماً شديد البرد ثم أنزلوا، ورسم بنفيهم، فساروا في البحر إلى مكة، فوصلوها، وأقاموا بها بقية السنة، وحجوا . ) .
2 ـ تفصيلات أخرى ذكرها المؤرخ أبو المحاسن ( ابن تغرى بردى ) فى ترجمة ( أو سيرة حياة ) شاه رخ في كتابه ( المنهل الصافى ) والذى خصّصه للتراجم ( أي سيرة الأشخاص ).
قال عن شاه رخ فيما يخص هذا الموضوع : ( وراسلته ملوك مصر، إلى أن تسلطن الملك الأشرف برسباي، وقع بينهما وحشة بسبب طلب شاه رخ هذا أن يكسو البيت الشريف، فأبى الأشرف وخشن له الجواب. وترددت الرسل بينهما مراراً، واحتج شاه رخ أنه نذر أن يكسو البيت الشريف، فلم يلتفت الأشرف إلى كلامه، ورد قصاده إليه بالخيبة. ثم أرسل بعد ذلك شاه رخ بجماعة آخر وزعم أنهم أشراف، وعلى يدهم خلعة للملك الأشرف برسباي، فجلس الأشرف مجلساً عاماً للحكم بالإصطبل السلطاني على عادة الملوك، ثم طلب القصاد المذكورين، فحضروا ومعهم الخلعة، فأمر بها الأشرف فمزقت شذر مذر، ثم أمر بضرب حاملها عظيم القصاد، فضرب بين يدي السلطان ضرباً مبرحاً أشرف منه على الهلاك، ثم ضرب الباقين، ثم أمر بهم فألقوا في فسقية ماء بالإصطبل السلطاني منكوسين، رءوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى فوق، والأوجاقية تمسكهم بأرجلهم، واستمروا يغمسونهم في الماء حتى أشرفوا على الهلاك، ولا يستجرئ أحد من الأمراء يشفع فيهم ولا يتكلم لشدة غضب السلطان في أمرهم بكلمة واحدة، والسلطان يسب شاه رخ جهارا، ويحط من قدره، على أنه كان قليل الفحش والسب لآحاد الناس، وصار لونه يتغير لعظم حنقه، ثم طلب القصاد إلى بين يديه، وحدثهم بكلام طويل، سمعتُ غالبه، محصوله أنه قال لهم: قولوا لشاه رخ الكلام الكثير ما يصلح إلا من النساء، وأما الرجال فإن كلامهم فعل لا سيما الملوك، وها أنا قد أبدعت فيكم كسراً لحرمة شاه رخ، فإن كان له مادة وقوة فيتقدم ويسير إلى نحوي، وأنا ألقاه حيث شاء، وإن كان بعد ذلك ما ينتج منه أمر فكلامه كله فشار، وهو أفشر من كلامه، وكتب له بأشياء من هذا المعنى، وانفض الموكب، فتحقق كل واحد بمجيء شاه رخ إلى البلاد الشامية، وقاسوا على أنه ما أرسل هذه الخلعة إلا وهو قد تهيأ للقتال، وقد أفحش الأشرف أيضاً وأمعن في الجواب .. فلما بلغ القان شاه رخ ما فعل الأشرف بقصاده، ما زاده ذلك إلا رعباً، وسكت عن كسوة الكعبة. ) .
تعليق
1 : المؤرخ أبو المحاسن ابن تغرى بردى كان مقربا من السلطان برسباى ، وكان ابوه من كبار الأمراء المماليك ، حضر هذا المجلس العام ، ووصفه ، يقول عن السلطان برسباى : ( وحدثهم بكلام طويل، سمعتُ غالبه، ). أي إن أبا المحاسن كان يكتب شاهد عيان ، بينما كان المقريزى وقتها في مكة ، تأتيه أخبار القاهرة من آخرين . ولذا وصف أبو المحاسن بالتفصيل ما لم يذكره المقريزى من تعذيب وإهانة برسباى للرُّسل الذين بعثهم شاه رخ ، ولم يذكر المقريزى السبّ والشتم والتهديد والوعيد الذى قاله برسباى رسالة الى شاه رخ .
2 : ثم هناك ملاحظة عامة تخص موضوعنا عن أكابر المجرمين في ( دار السلام ) أن شاه رخ يزايد في التدين السُنّى على برسباى ، ويريد التسلل الى مكة عبر كسوته للكعبة ، ليكون الأكثر تمسُّكا بالدين السُنّى . وهذا هو ما فهمه برسباى ، ورفضه ، بل وبالغ في الرفض بإهانة رُسُل شاه ٍرخ وفق ما رواه المؤرخ أبو المحاسن الذى شاهد ما حدث .
3 ـ شاه رخ وجد أن ميزان القوة تحول اليه ضد برسباى ، فقد إستسلم له حاكم بغداد والعراق العربى ، وصارت أملاكا له ، كما أن دلغادر صار معه وأفصح عن تحديه لبرسباى ، وأصبح معهم جانبك الصوفى ، أي بإمكان شاه رخ أن يهاجم مصر ويولى جانبك الصوفى عليها تابعا له . لكن أراد شاه رخ أن يحصل على مراده بطريق أسهل ، هو خضوع برسباى له بدون حرب . هذا يفسّر جُرأة شاه رخ حين ارسل الى السلطان برسباى بهذه الرسالة التي تذكرنا برسالة هولاكو الى الخليفة العباسى العاجز ، ويفسّر أيضا جُرأة رسول شاه رخ واهانته لبرسباى في مجلسه . كان متوقعا من برسباى أن يعامل رسول شاه رخ بما يستحق ، فقد حمل رسالة مُهينة وتصرف متعديا على السلطان في حضرة السلطان .
بعدها بعث برسباى الى السلطان مراد لعثمان يعرض التحالف معه ضد شاه رخ ، كما أرسل لأمراء المماليك في الشام بالتجهز للحرب .
قال المقريزى : ( وفي رابعه: كتب إلى مراد بن عثمان- متملك بلاد الروم- بأن يكون مع السلطان على حرب شاه رخ. وكتب إلى بلاد الشام بتجهيزهم الإقامات للسفر .)

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية