المغرب يفتت والجزائر تبني: المغرب العربي الجديد...

حمدي حمودي
2021 / 9 / 17

شمال إفريقيا المثخن بالطعنات والملتهب الجوانب، والمشوه الوجه، مملكة في اقصى الشمال الغربي ذات نظام ملكي ذي حكم الفرد الواحد
ورث عن أبيه الذي ورثه عن جده، ملك لا يستحقه، ومُنِحَ استقلالا بمباركة من المستعمر نفسه، تحول الجيش الفرنسي فيه الى جيش ملكي مغربي.
الاسم فقط والثوب أما العقيدة فهي كما هي الملك يأمر بالنيابة عن الفرنسيين، لذلك لم يلبث أن هاجم الجزائر وهي لا تزال جريحة بعد حرب التحرير المريرة.
شعب ثائر يشكل جمهورية شعبية في الجزائر لم يبق شبر من الأرض إلا وضمخ بدماء الشهداء، رحل المعمرون الفرنسيون بعد حرب طاحنة قدم فيها الشعب الجزائري التضحيات الجسام، عشر سكانه، ومئات الآلاف من الأسر بقت بلا معيل، وبلا أب، عن اليتامى والأرامل لا تسل، والمعوقين والجرحى ضحايا الحرب تملأ المستشفيات ودور الرعاية الصحية، المدن والقرى سويت بالأرض بالقنبلة والتفجيرات كل القرى المحاذية للجبال أحرقت وأعدم الأهالي بتهمة الوقوف مع الثوار. ملايين الألغام بعد ستين سنة لا تزال تحصد الأرواح، لم يبق شيء من طرق التعذيب لم يجربه الفرنسيون على السجين والمعتقل الجزائري، لكسر اليقين وهشم الروح المعنوية العالية في أنه سينتصر، ولو بعد حين، وأن زوال المحتل الذي جرب حتى القنابل النووية على ضحاياه في ركان وما جاورها لا بد من تمحي صفحته من أرض الحرية.
في شمال إفريقيا كان خروج المستعمر منه بطريقين مختلفين:
-استلام من ملك بشروط المستعمر في أن يبقى تحت قبته، ويضمن مصالحه وتبعات ذلك من ولاء وتنفيذ الأوامر الاستعمارية، التي بطبيعة الحال ستكون ضد مصلحة الشعب المغربي وفي صالح المستعمر.
-وإخراج بل طرد حثالة المستعمرين تحت رنين الطلقات وسيل الدم الجارف، وبالتالي امتلاك السيادة وزمام الأمور.
هكذا قدر الله رسم تلك الصورة الجديدة التي بدأت تتشكل فيها شخصية المواطن في كلا البلدين الأكثر سكان في المغرب العربي لتلتحق ليبيا بركب الثوار وتونس بنظام هجين بين الجمهورية التي سلم لها الحكم من المستعمر الفرنسي وبقت تابعة بدرجة ما في منهجها ومهادنة له.
وأخيرا موريتانيا التي تشبه كثيرا تونس في منح الاستقلال، لحكام لم يخف ولاءهم كثيرا للمستعمر والاصطفاف ضد الثورة الجزائرية ومشروع التحرر في الدخول في حرب ظالمة ضد شعب جار لا يزال دمه ينزف في معركته ضد المستعمر الإسباني.
لم يكن انتصار الجزائر بلا ردود أفعال وتداعيات لقد أصبحت الجزائر حربة التحرر في العالم وفي إفريقيا بالخصوص حتى نلسون ما ديلا كان من خريجي مدارس الثورة الجزائرية.
وكانت حركات التحرر من العالم ترسم دوائرها بفرجار يغرس جزءه الحاد في العاصمة البيضاء الجزائر التي في قلبها حي القصبة بزقاقه ودروبه التي ترسم خريطة المتاهات التي ضيعت وضيقت الطرق على المستعمرين الفرنسيين.
فلم تعلن دولة فلسطين إلا في أرض الكرامة الجزائر أين عجزت كل الأنظمة العربية والإسلامية التي تتشدق بالعروبة والإسلام وتخفي رأسها في الرمل كالنعام حينما يحمى الوطيس.
ولم تنكفئ الجزائر على نفسها وخيراتها بل ظلت الجزائر تكبر في الضمير الإنساني العالمي بالوقوف بحزم برجالها وإمكانياتها في تحرر الإنسان في كل بقاع العالم وهي من أول من نادى بنظام عالمي جديد يسوده ميزان العدل والقانون والإنصاف والمساواة بين كل البشر.
وقفت الجزائر مع مصر بفيالقها القتالية وحاربت ببسالة من أجل الحق ومع فلسطين كانت ولا نوال معها "ظالمة ومظلومة"، فلسطين التي قياداتها اليوم للأسف تحج مملكة المغرب التي أعلنت رسميا أن الدولة الصهيونية فوق ارض فلسطين عادية وطبيعية في حين تأبى الجزائر تحريف الحقائق والقفز على حق الشعوب ونبذ الظلم والجور.
الإنسان يتقدم ولكن ليس بالقفز فوق ظهور الضعفاء وليس بقهر الأحرار وليس ببناء إنسان راكع مستكين وذليل وتحريف الحق وإبداله بالباطل.
عقيدة الحق تنتصر ولو بعد حين درس الجزائر يتكرر في أفغانستان اليوم التي نرى ثمارها اليوم في رفض الاستسلام من طالبان في أفغانستان رغم أن العالم وضع كل مثاقيله في كفة الولايات المتحدة عشرين سنة من الحرب الضروس الغير متكافئة ومليارات الدولارات وجيش من الخونة 300000 ألف جندي أفغاني سلحت، خسرت المعركة وتداعت وهربت عن مواقعها وتخلصت من أسلحتها وبنادقها وملابسها العسكرية وإمكانياتها الهائلة في يوم واحد لتصبح غنائم لطالبان.
عقيدة المغرب العربي هي عقيدة الأقوى في الحق ولن يتحول الدم الأبي الحر الى مصل صهيوني اصفر حقود، لن تتحول كلمات الحرية والاستقلال والثورة والنضال الى كلمات مبتذلة ولن تتحول المناورات والخيانات و"الدناءة" كما صورها وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الى بطولة وشجاعة.
العلاقات في شمال إفريقيا لم تبن على أساس متين لقد تم تكسيره والحفر من تحته بسهولة في زمن الحسن الثاني وكان مجرد من النية الصادقة، الغرض منه ترويض معمر القذافي وتكسير حدة المد الثوري الشعبي وفك العزلة عن النظام الملكي وخرائط وخطط مشروع المغرب العربي طويت من زمان.
لقد بنت شعوب المغرب العربي بعد الاستقلال عقلية المواطن الذي يعيش فيها بإعلامها، كانت نتيجته حس حب الوطن والحرية والأنفة والنبل
في حين لا تزال قيادات الجيش المغربي تتدلى منها النياشين تذل أمام الملأ وهي تقبل يد طفل صغير هو ولي عهد الملك. فما بالك بالشعب المغربي الذي تزج بمئات من أبنائه في السجون فقط لأنهم طالبوا بمستشفى للسرطان في الريف.
الحرية والعبودية، الكرامة والذل هي التي دفعت الجزائر الى أن تضع أصبعها في عين الصهاينة، في حين يفتح لهم حاكم المغرب الأحضان وبما يقر تلك العين.
العقلية الجزائرية والعقيدة الثورية لا يمكن أن تمرر في أنابيب غاز نحو المغرب كي يستنير ويتدفأ لأنها تبادل من المغرب بأطنان المخدرات والكيف المعالج.
الخداع والذل والاستسلام للصهاينة والأكاذيب والنكسات والتراجع عن العهود والمواثيق من من يحكم في المغرب يروَجُ له في الإعلام المغربي بأنه ذكاء وفطنة وحنكة وشطارة إن صح التعبير ترفضها فطرة الإنسان الجزائري الذي جبل على الحق والدبلوماسية الجزائرية ظلت نظيفة اليد وراقية الفكر ورفيعة ومحترمة دوليا، ولا يمكن أن تظل تتعامل مع مسار تاريخيا يسير في هذا الاتجاه وبالتالي كل بانت طريقه بوضوح وذهب في دروبه وتدلى مع حباله.
والسؤال: إذا كان الطلاق مباحا في الأسرة حينما تكون العشرة جحيما، فإنه بالثلاث أعلن عنه الشعب الجزائري على لسان وزيره الحكيم رسميا.
ويلوح في الأفق تحد جديد في تكوين تكتل مغاربي ربما تكون القمة بين الرئيس الجزائري والموريتاني في الجزائر بعد الزيارة التي قام بها لمدة يومين وزير الخارجية الجزائري لموريتانيا والاهتمام الحنون من الجزائر والذي نرجوا أن تصطف فيه موريتانيا في صف من يساندها ويعاضدها في كل المواقف الصعبة والمفصلية الجزائر التي لا تبيع ولا تخون ولا تهدد.
الشعب الجزائري وتونسي والصحراوي والموريتاني والليبي بعد أن تتعافى دولته، شعوب ترفض بقوة الهيمنة الصهيونية التي يعمل المغرب عبر أجندات لتحويل المغرب العربي الى مشرق عربي مليء بالأزمات وموطئ قدم لجرثومة الصهيونية التي بدأ يغرسها بمساعدة عملائه في إفريقيا ربما إن اتحدت ستكون قوة مقاومة قوية تصعب على البلع.
الأمور لن تبق على حالها تحركات جزائرية حثيثة لجمع الصف الإفريقي والمغاربي، ومغربية لشل حركة الحرية والتحرر فيها بإدخال الغرباء والصهاينة بالخصوص.
ولحسم مواقف الدول نتوقع ألا يتحول الموقف الموريتاني الى الجانب الآخر كما فعل المختار ولد دداه بموريتانيا وقابل يد الجزائر البيضاء بالخطأ التاريخي في الاصطفاف الى جانب الغزو المغربي للصحراء الغربية والذي نجم عن سيل الكثير من الدماء البريئة وتدمير لموريتانيا وندم عليه في كتابه أخطائي، تحركات وزير الخارجية الموريتاني المشبوهة لا تبشر بالخير نتمنى أن لا يظل مشؤوما وفاشلا في النظر الى الأمور من زاوية الحق والمصير لشعوب المنطقة وليس قضية مصالح ضيقة قد تؤدي الى كارثة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية