بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية في 15 سبتمبر / ايلول / الديمقراطية ينبغي ان تكون لبنة اساسية للسلام والتنمية المستدامة وحقوق الانسان

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 16

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار المرقم ( 7/ 62 ) في ايلول / سبتمبر 2007 باعتبار يوم 15 / سبتمبر يوما عالميا للديمقراطية , حيث يعد هذا اليوم فرصة لاستعراض حالة الديمقراطية في العالم . وتقول الأمم المتحدة عن هذا اليوم بأنه يمثل فرصة للتذكير بأن الديمقراطية مرتبطة بالناس وهي تبنى على الشمول والمشاركة على قدم المساواة , وهي بالتالي لبنة أساسية للسلام والتنمية المستدامة وحقوق الانسان . وتعتبر كل من المشاركة السياسية والفضاء المدني والحوار الاجتماعي ركائز أساسية للحكم الرشيد . وهناك اشارة الى تلك الصلة القائمة بين الديمقراطية وحقوق الانسان في المادة ( 21 / 3 ) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والتي جاء فيها : " ان ارادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع , او حسب أي اجراء مماثل يضمن حرية التصويت .." .
يشكل احترام حقوق الانسان والحريات الأساسية ومبدأ عقد انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام عناصر اساسية من عناصر الديمقراطية وهذه القيم مجسدة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان , كما اكد الأمين العام للأمم المتحدة ( انطونيو غوتيريش ) على احترام وحماية حرية التعبير والصحافة وحرية المعلومات وحرية تكوين الجمعيات والتجمع وغيرها من الحقوق الاخرى .
لقد جاء تقرير مؤشر الديمقراطية لعام 2018 والذي نشرته وحدة ( ايكونوميست انتيليفنس) وهي وحدة تابعة لمجلة ( الايكونوميست ) ان تصنيف الديمقراطية يعتمد على ( 60 ) معيارا فرعيا مجمعة في الفئات الخمسة التالية : -
1. العملية الانتخابية والتعددية .
2. عمل الحكومة .
3. المشاركة السياسية .
4. الثقافة السياسية الديمقراطية .
5. الحريات المدنية .
ومن المقرر ان يمنح مؤشر ديمقراطية الدول درجة من ( 10 ) اعتمادا على هذه المعايير . وتم تصنيف الدول الى أربعة تصنيفات وهي :
1. دول ديمقراطية كاملة .
2. دول ذات ديمقراطية منقوصة .
3. دول هجينة تجمع بين الديمقراطية والاستبداد .
4. دول ذات انظمة استبدادية .
وبهذا الصدد فقد احتل العراق في حينها المرتبة ( 114 ) من اصل ( 165 ) حيث صنف العراق ضمن الدول ذات النظام الهجين الذي يجمع بين الديمقراطية والاستبداد .
فبعد سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي في العراق في 2003 تأمل العراقيون اقامة النظام المدني الديمقراطي الحقيقي الذي يقطع الطريق على اي مسعى لإعادة بناء نظام شمولي استبدادي قمعي تحت اية ذريعة او واجهة . الا ان الذي حصل بعد 2003 هو الفشل في تحقيق ما تطلع اليه العراقيون من اقامة الدولة المدنية الديمقراطية . وان الأزمات التي شهدها ويشهدها العراق منذ التغيير في 2003 وحتى اليوم ليست معزولة عن تركة النظام المباد الثقيلة وطبيعة نظام الحكم ومنهجه المعتمد على نظام المحاصصة الطائفية – الاثنية في الادارة وفي بناء مؤسسات الدولة , المدنية والعسكرية وتغليب الهويات الفرعية على المواطنة العراقية الجامعة . كما انها ليست معزولة عن تسييس الدين وتوظيفه , وتفاعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية وما تعرض له العراق من عنف وتخريب وموجات ارهابية دامية في ظل تعمق الطابع الريعي والاستهلاكي للاقتصاد الوطني واعتماد السوق المفتوحة وغياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة لتحقيق تنمية متوازنة مستدامة , بجانب تفشي الفساد في الدولة والمجتمع واحتدام معركة شعبنا ضد الارهاب وداعش , اضافة الى بعض الصيغ حمالة الأوجه في الدستور والانتقائية والممارسة الخاطئة في تفسير وتطبيق مواده كما جاء ذلك في وثائق الحزب الشيوعي العراقي . اذن العراق يعاني من حالة استعصاء سياسي ناجمة عن الصراعات بين الكتل المتنفذة وفي داخلها .
في ظل هذه الأجواء المتأزمة وفي ظل نظام المحاصصة القائم في العراق هل توجد ديمقراطية حقيقية ؟ تعني الديمقراطية حرفيا ( حكم الشعب ) حيث انها شكل من اشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة في اقتراح وتطوير واستحداث القوانين والتي تشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي . فهل هذا موجود فعلا في العراق ؟
من اركان الديمقراطية التي ينبغي توفرها في المجتمع حتى نطلق عليه نظام ديمقراطي :
1) الانتخابات : حيث يتم اضافة الشرعية على الديمقراطية عن طريق الانتخابات النزيهة والحرة ( فهل توجد في العراق انتخابات حرة ونزيهة وغير مزورة وبدون تهديد السلاح والضغوطات ؟ ) كون الانتخابات وسيلة لمنع البعض من تفضيل مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة وتحد من احتكار السلطة لصالح فئة معينة او مذهب معين كما يحصل في العراق .
2) التسامح السياسي : وتكمن اهميته في تحقيق التنمية المستدامة والتوصل الى عموم الفائدة على جميع الفئات المجتمعية دون غض الطرف عن اي منها . فهل يوجد تسامح سياسي في العراق ام صراعات سياسية من اجل المناصب والنفوذ ومغانم السلطة وامتيازاتها بل ان الصراعات موجودة حتى داخل الكتل السياسية نفسها .
3) سيادة القانون : اذ توجد علاقة وثيقة ما بين الديمقراطية وتطبيق القانون حيث يمكن للمواطن الحكم على شرعية الحكومة بعد اخضاع العملية السياسية للقوانين ووضعها ضمن اطار تنظيمي . وفي العراق لا يوجد شيء اسمه قانون !
4) حرية التعبير : تدل حرية التعبير على حرية المجتمع وتعد الصحافة الحرة التي تسمح للأفراد بمناقشة القضايا المختلفة دليلا على ديمقراطية النظام السياسي التابع لذلك المجتمع. وفي العراق على الرغم من ان الدستور العراقي النافذ قد اكد في بعض بنوده على حرية التعبير والرأي وحرية التظاهر السلمي الا ان السلطات الحاكمة رفضت ذلك عمليا وقامت بقتل المتظاهرين السلميين من الشباب الذين عبروا عن رأيهم وراح ضحية ذلك اكثر من 700 شهيد واكثر من 30 ألف جريح , اضافة الى قيامها بغلق عدد من الإذاعات والفضائيات المخالفة لها في الرأي , فأي ديمقراطية هذه في العراق ؟!!! .
5) المساءلة والشفافية : تعد الحكومة المنتخبة من قبل الشعب مسؤولة امامه , ومن اجل التحقق من انجازاتها وقيامها بواجباتها كتقديم الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الاجراءات وينبغي وجود مؤسسات محايدة في الدولة لتقييم ذلك كسلطات قضائية مستقلة .وفي مجال تقديم الخدمات في العراق فهناك تقصير واضح جدا في تقديم الخدمات للمواطنين من قبل كل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 وحتى اليوم وهذا كان احد الأسباب التي دعت للانتفاضة الشعبية التي عمت مدن العراق المختلفة ويفترض بالشعب محاسبة هذه الحكومات في ظل الديمقراطية الحقيقية وليست المقزمة كما هو الحال في العراق .
6) اللامركزية : تشجع اللامركزية المواطنين ليصبحوا اكثر وعيا من اجل المشاركة في الديمقراطية , وتسهم في تقليل نفوذ القوى السياسية , كما تشير الى مدى اقتراب الحكومة من حكم الشعب. ولنجاح الديمقراطية ضمن اللامركزية ينبغي توافر موارد بشرية وكفاءة مؤسسية وتمويل لامركزي .
7) المجتمع المدني : ويشمل العديد من الأنشطة والمشاركات كالمجموعات التي تهتم بقضايا معينة مثل حقوق الانسان وغيرها او المنتديات المجتمعية او الاندية او الجمعيات الخيرية او النقابات اضافة لمجموعات واسعة من الأعمال التطوعية وغيرها من النشاطات التي تندرج ضمن المجتمع المدني والتي تساعد بدورها على نمو الديمقراطية الشعبية في المجتمع ...
اهداف الديمقراطية :
تهدف الديمقراطية الحقيقية الى تحقيق الأهداف الآتية , فهل تحققت هذه الأهداف في العراق ؟
1) تحقيق المساواة بين جميع المواطنين عند تحقيق مصالحهم وأخذ آرائهم بعين الاعتبار دون الانحياز الى احد . فهل المساواة موجودة في العراق بغض النظر عن الدين والمذهب والمعتقد والجنس ؟!!!
2) حماية الحريات العامة بمختلف انواعها وحقوق الانسان . وهذه الأمور منتهكة في العراق من قبل النظام الحاكم الذي يستخدم القوة المفرطة من اجل اسكات المعارضين وقتلهم .
3) تطبيق النظام الديمقراطي يساعد على استبعاد انظمة الحكم الدكتاتورية والاستبدادية .
4) حكم الشعب نفسه بنفسه , فالديمقراطية تتيح للشعب امكانية اختيار حكومته وبالتالي فإن مدى رضاه عن الحكومة يرتبط باختياراته لأنه هو صاحب القرار في هذا الاختيار . هذا اذا كانت الانتخابات غير مزورة ونزيهة تعبر فعلا عن ارادة الناخبين من الشعب وهذا الأمر لم يحصل في العراق .
اذن يمكن القول انه لا توجد ديمقراطية حقيقية في العراق في ظل نظام المحاصصة الطائفية – الاثنية وفي ظل نظام يقوم على قتل المعارضين السلميين ويفضل مصالحه الشخصية على مصالح الشعب والوطن , وفي ظل وجود قيادات لا تؤمن بالنظام الديمقراطي الحقيقي . وان مشكلة الانتخابات في العراق انها لا تزال غير قادرة على انتاج نظام ديمقراطي حقيقي يرعى مصالح الشعب والوطن , حيث ان القيادات والأحزاب المتنفذة لا تزال تدور في دائرة نظام المحاصصة الذي يعتمد على توزيع مغانم السلطة بين الاحزاب المتنفذة . ان انعاش الديمقراطية الحقيقية في العراق لن يكون الا بتغيير النظام الانتخابي الحالي ( سانت ليغو المعدل ) الذي يرسخ هيمنة الاحزاب والقيادات السياسية المتنفذة ويهمش الاخرين والتخلص من نهج المحاصصة الطائفية – الاثنية الذي هو أس البلاء في العراق .
من المفارقات التي نلاحظها في العراق ان المادة الأولى من الدستور العراقي النافذ تنص على ان نظام الحكم في العراق هو نظام ديمقراطي ( فهل هو نظام ديمقراطي حقا ؟!!! ) . ففي العراق ( الديمقراطي ) اليوم يتم قتل الشباب الذين يعبرون عن رأيهم المكفول دستوريا والذين يطالبون بفرص العمل التي هي حكرا لأبناء المسؤولين واقاربهم وحزبهم .
اذن يمكن الاستنتاج ان التجربة الديمقراطية في العراق تعاني من فشل ذريع وتجسد هذا الفشل في عدم قدرة النظام ما بعد 2003 وحتى اليوم على تحقيق الوعود التي وعدوا بها العراقيين وبناء نظام ديمقراطي حقيقي وتحقيق العدالة الاجتماعية . فكيف من لا يؤمن بالديمقراطية ان يبني الديمقراطية في العراق ؟

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي