السودان بحاجة ماسة الى نظريات ماركس وافكاره العلاجية لحل جميع مشاكله الاقتصادية

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 15

على الرغم من مرور اكثر من 200 عاماً على رحيل الفيلسوف الالماني الكبير , مؤسس النظرية الماركسية كارل ماركس في عام 1883 , الا أنه مازال حياً في أفكاره ونظريته , ومازال يشغل الناس بهذه الافكار ويملأ الدنيا, وفي كل أزمة مالية يشهدها النظام الرأسمالي تعود أفكار ماركس للظهور, وقد عادت أفكاره مع الازمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي عام 2008, اذ انتعشت الماركسية من جديد ليتصدر اسمه وصورته عناوين الصحف البارزة . وبهذا الصدد فقد فاز ماركس بلقب (أعظم فيلسوف في التاريخ ) في الاستفتاء الذي اجرته هيئة الاذاعة البريطانية (B.B.C) في تموز 2005 , ونشرت صحيفة الفاتيكان ( لوسير فاتوري رومانو ) مقالا في عام 2009 يشيد بتشخيص ماركس لعدم المساواة في الدخل في الانظمة الرأسمالية , وصار كتاب رأس المال لكارل ماركس من اكثر الكتب مبيعا في المانيا, كما دعت الجريدة الاقتصادية الليبرالية ( فايننشال تايمز ) في مقال لها الى اعادة قراءة اعمال كارل ماركس وبالخصوص مؤلفه الشهير ( رأس المال ) وبينت بأن ماركس هو اول من حلل بدقة وعمق جوانب السوق الضعيفة, وان المعرفة بالاقتصاد الماركسي في نظر الصحيفة كان بإمكانها ان تجنب رجال المال والسياسة الازمة الرأسمالية او تخفف من وطأتها على الأقل .
كما قامت العديد من دور النشر بإعادة طبع كتابات ماركس حيث قامت دار النشر الفرنسية ( غاليمار) بإعادة نشر كتاب ( رأس المال ) سنة 2008 على شكل كتاب الجيب , واعادة طبع كتاب ( صراع الطبقات في فرنسا ) وقد زادت مبيعات هذين الكتابين مما يفسر عودة الاهتمام بماركس لدى القراء والمهتمين , وايضا سجلت دور النشر الالمانية ارتفاعا مهما في مبيعات كتاب رأس المال . اذن ماركس لم يمت ولم تمت أفكاره ونظرياته بشأن نقد الرأسمالية وآن الأوان لاستعادتها مرة اخرى , فالماركسية وكما قال لينين ليست انعزالية وليست عقيدة جامدة , بل هي فكر حي ومبدع حيث أعطت الردود على المسائل التي طرحها فكر البشرية التقدمي. وعلى مر التاريخ استطاعت الماركسية ان تحيا وتتطور وترتقي, فعلى الصعيد الفلسفي صاغت الماركسية الديالكتيك المادي الذي شكل ثورة حقيقية في المعرفة واسس منهجا علميا لا غنى عنه . كما استطاعت ان تكشف عن الجوهر الاستغلالي البشع للرأسمالية وأن تنتقد شرورها وتعلل حتمية زوالها . وعلى صعيد الفكر السياسي اسست لنظرية علمية عن الاشتراكية كبديل عن المجتمع الرأسمالي الاستغلالي , وهكذا فالماركسية شكلت منظومة فكرية متكاملة ومترابطة عضويا لحصيلة واسعة من النظريات والمفاهيم المنسجمة وفق منهج علمي محكم يستند الى الواقع الملموس الى جانب استشراف المستقبل. واصبحت الماركسية مرشدا للعمل وليست عقيدة جامدة .
وكان ماركس محقا في تحليلاته المتعلقة بطبيعة النظام الرأسمالي وتنبه مبكرا الى أن الرأسمالية نظام يتطور بطريقة غير مستقرة اثناء الازمات وهي تحفر قبرها بيدها .
اليوم يلجأ بعض الرأسماليين الى طلب افكار ماركس العلاجية لتجاوز ازمة الرأسمالية التي اصابت النظام الرأسمالي في كل مكان وتخليصهم من المأزق الذي وقعوا فيه بسبب الاسواق المالية المنفلتة .
وفي السودان اليوم حيث يعد الاقتصاد السوداني من اكثر القطاعات الاقتصادية التي شهدت معاناة كبيرة بسبب الصراعات الاجتماعية والحرب الأهلية وغيرها من الأسباب الاخرى حيث يعاني الاقتصاد السوداني من التدهور في اغلب المجالات والذي ادى الى التأثير على النمو والتنمية الاقتصادية في السودان ونتج عن ذلك تراجع العديد من القطاعات الاقتصادية وارتفاع نسب التضخم وظهور عجز بالميزان التجاري وتراكم الديون والبطالة واتساع شبكات الفساد التي تسعى الى تخريب اقتصاد البلاد وسرقة اموال الشعب السوداني الى جانب دور حفنة من تجار العملة ومهربي الذهب والسلع التموينية بتراجع قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي .
وما يزال السودان يعيش الكثير من المشاكل والأزمات الاقتصادية والفساد والازمات السياسية والحروب الأهلية التي تهدد بتفكيكه الى دويلات متصارعة . وكان لارتفاع اسعار الأغذية في السودان دورا في اشعال شرارة الاحتجاجات.
ويفتقر السودان في مناطق واسعة منه الى وجود البنية التحتية الأساسية واعتماد كثير من السكان على زراعة الكفاف لضمان بقاء السكان في او تحت خط الفقر لسنوات .
وتعاني التنمية الصناعية في السودان من محدوديتها والتي تتكون من تجهيز المنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة المختلفة التي تقع في شمال الخرطوم . كما تراجع نصيب السودان من الانتاج النفطي بعد انفصال الجنوب الى 120 ألف برميل يوميا ومن المتوقع زيادة الاستثمار في التنقيب الى 320 ألف برميل يوميا عام 2030 .
نحن في السودان أحوج ما نكون الى نظريات ماركس وافكاره العلاجية لتخليصنا من الاقتصاد المتخلف , وتخلصنا من التضخم ومن البطالة المرتفعة ومن الفقر ومن نقص الخدمات التعليمية والصحية والبلدية الى جانب ازمة السكن وانخفاض مستوى المعيشة وما يعانيه السودان من الديون الثقيلة التي ترهق ميزانيته وارتباط اقتصاده بعجلة الاقتصاد الرأسمالي وخضوعه لتقلبات السوق العالمية وتقلبات الدولار, ومعاناته من غياب الاستراتيجيات الاقتصادية وانخفاض سعر صرف عملته مقابل العملات الاخرى وزيادة وارداته على صادراته, ورغم امتلاكه الثروات الطبيعية المتنوعة الا ان اقتصاده ما زال متخلفا, ومن الدول المنخفضة في مستوى التعليم ومن الدول الطاردة للاستثمار, الا يتطلب كل ذلك العودة الى ماركس وتطبيق افكاره العلاجية للاقتصاد الوطني؟ حيث بواسطتها يمكن للسودان ان يحقق المساواة بين المواطنين واعلاء روح المواطنة وتوفير فرص العمل والقضاء على البطالة , والقضاء على الفساد والتخلص من الاقتصاد المتخلف , وبإمكانه العمل على تنويع مصادر دخله القومي ورفع المستوى المعيشي للسكان وفك الارتباط بالاقتصاد الرأسمالي وحل أزمات البلاد المختلفة واعتماد استراتيجيات اقتصادية تمكنه من تحقيق التقدم الاقتصادي – الاجتماعي وبناء الوطن الحر والشعب السعيد , فما زلنا في السودان بحاجة الى ماركس .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي