الأوراسية الجديدة وأثرها على مصر: عودة الخطاب الأثيوبي المتشدد

حاتم الجوهرى
2021 / 9 / 12

بعد فترة طويلة من الانكفاء على الذات في أثيوبيا دامت حوالي شهر ونصف تقريبا، منذ أواسط أو نهاية شهر يوليو هذا العام، بسبب تمرد "التيجراي" ردا على المذابح والانتهاكات التي أقيمت في حقهم، وبسبب الفشل في استكمال الحجز الثاني للماء خلف بحيرة السد، كما كانوا يروجون له.
عاد الخطاب الأثيوبي فجاة للتشدد على كافة الجبهات، على الجبهة الداخلية، وفي اتجاه السودان، وفي اتجاه مصر! والحقيقة أن هناك أثر واحد فقط تسبب في هذا التغير في الخطاب الأثيوبي، وهو الأثر الروسي أو التدخل الروسي المباشر الذي بدأ قرب نهاية شهر يوليو.

بداية ظهور النمط الأوراسي الجديد في الملف
حيث قدمت الخارجية الروسية بيانا يشبه إعلان الحرب على وجهة النظر المصرية في ملف السد، أو ما يشبه بيانا رسميا واضحا ضد وجهة النظر المصرية في ملف السد، صاحبه تصريحات لوزير الخارجية نفسه بمثابة فرض الوصاية المسيحية الروسية الشرقية على البلدان العربية، بحجة فشل التدخل الأمريكي بنموذج الديمقراطية في عدة دول عربية.
وهذا النمط الروسي الجديد في السياسات الخارجية ضد مصر والدول العربية، يحسب في الفلسفة السياسية الروسية المعاصرة، على مشروع "الأوراسية الجديدة" الذي قدمه المفكر الروسي ألكسندر دوجين المقرب للغاية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

إعادة إنتاج "المسألة الأوربية" وتناقضاتها
وتقوم الأوراسية هذه على إعادة إنتاج "المسألة الأوربية" وثنائياتها القديمة بشكل جديد، فتقترح استقاطبا حضاريا جديدا بين ما تسميه قوى البر الأوراسية التي تتزعمها روسيا، وقوى البحر الأطلسية التي تتزعمها أمريكا، وهي تخالف المشروع الماركسي القديم، فتعتمد على شعارات المسيحية الروسية الشرقية الأرثوذكسية، في مواجهة البروتستانتية الأمريكية، وتقوم على فكرة التمدد الجغرافي لمحاصرة الحضور الأمريكي في العالم.

ظهور الأثر الروسي
وفي فترة وجيزة بعد استهداف السياسات الخارجية الروسية الجديدة لملف سد النهضة والحضور والتمدد فيه على حساب وجهة النظر الغربية، استطاعت بالفعل أن تحقق الهدف في فترة قصيرة للغاية.
وشاهد الانتصار في النمط الروسي الجديد في أثيوبيا كان حديث السفير الروسي هناك، والذي نشر مؤخرا وحمل عدة تصريحات خطيرة للغاية، وتمثل مؤشر التحول التام في الملف ودخول روسيا فيه بكل قوتها السياسية والعسكرية، كما فعلت في سوريا بشكل ما.

غطاء روسي سياسي للانتهاكات الداخلية
على المستوى السياسي شديد الدلالة في جرائم أبي أحمد تجاه التيجراي قال: "إن روسيا تدين تدخل أي دولة في الشؤون الداخلية لإثيوبيا بحجة ميثاق الأمم المتحدة ، مؤكداً التزام بلاده بدعم إثيوبيا في المحافل الدولية مثل مجلس الأمن الدولي، مشدداً على أن روسيا تظل الشريك العريق لإثيوبيا في جميع الجوانب".
والمقصد هنا واضح حيث كانت بعض الدوائر الغربية تتحدث عن جرائم الحرب التي ارتكبها نظام أبي أحمد بمعاونة الأريتريين، وإمكانية التدخل تحت مظلة بنود الأمم المتحدة التي تتعلق بالانتهاكات في حق المدنيين.

غطاء عسكري وحلفاء جدد
وعلى المستوى العسكري استطاع الروس في المدة القليلة التي أخذوا فيها قرارا بالتدخل في الملف، تغيير وقائع العمليات بين التيجراي وحلفائهم، وبين نظام أبي احمد، فبعدما كانت التيجراي تتقدم على كافة الجبهات، تم قطع خطوط الإمداد الخاصة بهم، وتدخل الدعم الروسي من خلال العتاد الإيراني والتركي، وليس ببعيد أبدا ان تكون هناك غرفة عمليات روسية تدير المعارك على الأرض.
وتحدث السفير الروسي بشكل مباشر عن موقف بلاده من انتهاكات نظام أبي أحمد تجاه التيجراي، حين قال: "ولا يزال الوضع في تيغراي من القضايا الداخلية لإثيوبيا ويتعين على الإثيوبيين معالجته، مطالبين بعض القوى ووسائل الإعلام الدولية بالتوقف عن التعليقات غير المسؤولة عن الظروف الأخيرة في البلاد.

السفير والموقف عيانا بيانا في ملف السد
وفيما يخص ملف سد النهضة، قال السفير الروسي في الحديث ذاته: "وفيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي، أكد السفير يفغيني تيريكين أن موقف روسيا في دعم حقوق إثيوبيا في استخدام النيل لأغراض التنمية لم يتغير."
وكأن مصر تقف ضد التنمية في أثيوبيا، ولا تطالب فقط باتفاق قانوني ملزم لإدارة السد، وألا يتحول السد إلى جبل ثلج يخفي خلفه سياسة مائية جديدة، تقوم على تسييس الماء وتسليعه، وتحويل الأمر لأداة لكسر الإرادة المصرية، وحزمة سدود أخرى!

عودة الخطاب الأثيوبي للتشدد
وبالتواكب تقريبا مع الخطاب الأثيوبي أو قبله بأيام قليلة عاد الخطاب الأثيوبي الرسمي مؤخرا للتشدد والصوت العالي بعد فترة من الانقطاع، تجاه مصر والسودان وتجاه الوضع الداخلي.

تجاه السودان
فيما يخص السودان بدا الخطاب الأثيوبي المدعوم من الروس عدائيا للغاية، حين : "قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي اليوم الخميس، إن بلاده تدعو السودان مجددا للانسحاب من أراضيها وإجراء مناقشات للتوصل إلى سلام دائم وفق آليات حل النزاع القائمة.. وأضاف المتحدث في بيان للخارجية الإثيوبية: تعاملنا مع الموقف المتعلق بالنزاع الحدودي بين البلدين بأقصى درجات الصبر والتحضر".

تجاه مصر
وفيما يخص مصر عادات صفحة "أثيوبيا" باللغة العربية على موقع "الفيس بوك" للعدوانية الشديدة تجاه مصر، وأفصحت عن نية جديدة باستقطاع جزءا من حصة مصر والسودان، حين قالت الصفحة نقلا عن كاتبة أثيوبية تدعى "مريم سرور": "قضية النيل لا تحل إلا إذا أدركت مصر أن النيل ليست ملكية خاصة لها والمطالبة لاتعني (التعنت ) إنما نضال في سبيل استرداد الحق.. يحق لأي دولة نيلية المطالبة بحصتها من مياه النيل التي وهبها الخالق إياه، وليس لها الخضوع أو الرضى بالفُتات الذي فُرض عليها في الاتفاقيات الاستعمارية"

الوضع الداخلي
وفيما يتعلق بالوضع الداخلي قالت الصفحة نفسها قاصدة تمرد التيجراي: "انهيار كامل لقوات الجماعة الإرهابية في جميع المناطق وفي هذه الأثناء يستسلم عدد كبير يقدر بالمئات من العناصر الإرهابية إلى قوات الدفاع والجيش الشعبي مع كامل عتادهم ويفرون إلى الكهوف."

أبرز الآثار الأوراسية الجديدة
وما خفى كان أعظم
أما أبرز آثار الأوراسية الجديدة والحضور الروسي الاستقطابي في الملف فكان ما نقلته الصفحة ذاتها بتاريخ 10 سبتمبر لمجموعة من قساوسة الكنائس الأثيوبية أمام السد تحت عنوان: "الزعماء الدينيون يزورون موقع السد لمباركة العام الجديد والتعبير عن سعادتهم على إتمام المرحلة الثانية من ملء السد".
ويمكن تفسير ذلك ليس ببعيد عن الاستقطاب الديني المسيحي الذي تطرحه روسيا الأرثوذكسية في المنطقة، وسبق أن صرح به وزير الخارجية الروسي نفسه في شهر يوليو!

غياب الانتباه المصري
لنموذج الأوراسية الجديدة
يطرح السؤال نفسه: أين مصر من كل ذلك؟ بل الأزمة تكون أفدح حينما نكتشف أن هناك في مصر بنية مؤسسية ما استضافت السفير الروسي في مصر، ليحاول غسيل السياسات الروسية ضدنا في مجلس الأمن، وفق أحداث الجلسة التي عقدت هذا العام.
وهذه البنية المؤسسية ذاتها طرحت مشروعا بحثيا وإعلاميا ضخما مؤخرا تحت اسم مركز الأبحاث العربية الأوراسية، وأصدرت العدد الأول من مجلتها التي تنوى إصدارها بشكل دوري، ولقد تصفحت موضوعاتها جيدا..
وأطرح على السادة المسئولين عن المشروع العظيم، أن يجروا مقارنة بين مقابلة السفير الروسي في مصر، ومقابلة السفير الروسي في أثيوبيا، والفاصل بينهما عدة شهور قليلة للغاية، وليخبرنا السادة الأفاضل من هو الكاذب! وهل يضحك علينا السفير الروسي في القاهرة! أم يضحك عليهم السفير الروسي في أثيوبيا!
حقيقة ما يسمى بمشروع "مركز الأبحاث العربية الأوراسية" وتوقيتات ظهوره وتواكبه مع بعض الأحداث، هو شيء مريب للغاية، ويحتاج لبحث وتدقيق شديد على أعلى مستوى، فيما يتعلق بالعوامل المباشرة لظهورها، والعوامل غير المباشرة وهي الأهم.

خاتمة:
لكن ما يعنينا في الأمر؛ أن تلتفت مصر لخطورة النمط الأوراسي الجديد وحضوره في ملف القرن الأفريقي، يجب على مصر أن تطور من أدواتها وسياساتها الخارجية وتبادر في عدة قطاعات حيوية، حفاظا على مصالحها القومية العليا، وإذا لم نلتفت للتغيرات الاستراتيجية التي تحدث في النظام العالمي القائم، فلا نلوم إلا انفسنا.






مراجع وهوامش:

- عن حديث السفير الروسي بأثيوبيا، انظر جريدة الوفد المصرية بتاريخ 10 سبتمبرر 2021م
https://alwafd.news/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%80%D9%8A/3927639
- حول تصريحات وزير الخارجية الأثيوبي انظر موقع العربية الإخباري بتاريخ 9 سبتمبر 2021م
https://www.alarabiya.net/arab-and-world/2021/09/09
- حول موقع أثيوبيا بالعربي، راجع الموقع في التواريخ التالية
6 سبتمبر 2021م
https://web.facebook.com/Ethiopiaanews/posts/377233783777039
10 سبتمبر 2021م
https://web.facebook.com/Ethiopiaanews/posts/380001956833555
9 سبتمبر 2012م
https://mobile.facebook.com/story.php?story_fbid=379329840234100&id=100044712601173&m_entstream_source=timeline

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية