بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لانتفاضة تشرين الشعبية المجيدة / لماذا اندلعت انتفاضة تشرين المجيدة في العراق ؟ وما هو موقف السلطة منها ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 12

حسب النظرية الماركسية , فإن التراكمات الكمية تؤدي الى تغيرات نوعية . وهذا ما حصل فعلا بالنسبة الى انتفاضة الشعب العراقي في اكتوبر / تشرين الأول 2019 , حيث أن هناك العديد من الأسباب المتراكمة والتي ادت الى انتفاض الجماهير . فما هي هذه الأسباب ؟ :
1) تفشي البطالة بشكل كبير ولا سيما بين الشباب وخريجي الكليات والمعاهد واصحاب الشهادات العليا والعديد غيرهم من الذين لا يجدون فرص العمل المناسبة والتي هي حكرا لأبناء المسؤولين واقاربهم وحزبهم وان لم تتوفر لديهم المؤهلات العلمية المطلوبة .وقد واجهتهم السلطة بالرصاص الحي والمطاطي وخراطيم الماء الحار والاعتقالات , لأنهم يطالبون بحقهم الدستوري .
2) سوء الخدمات وخاصة الكهرباء والماء في بغداد والمحافظات الاخرى . وتم انفاق اكثر من 85 مليار دولار على قطاع الكهرباء ولم تتقدم خطوة واحدة بسبب الفساد وسوء الادارة والتخطيط .
3) اهمال المصانع والاعتماد على الاستيراد واعتماد سياسة اغراق السوق العراقية بالمنتجات الصناعية المستوردة بما فيها الرديئة ما ادى الى تهميش صناعتنا الوطنية واغلاق المصانع وتسريح اعداد كبيرة من العاملين ليلتحقوا بجيش العاطلين .
4) سرقة المال العام وتحويله الى خارج العراق وحرمان البلاد من تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية .
5) الاستيلاء على عقارات الدولة وامتلاك المسؤولين للقصور الفخمة والاملاك المختلفة بعد ان كانوا فقراء لا يملكون مائة متر مربع .
6) الرواتب الخيالية والامتيازات الكثيرة للطبقة السياسية وعوائلهم وترك الشعب يتضور جوعا ويعاني .
7) تفشي الفساد المالي والاداري والاقتصادي على نطاق واسع الى درجة اعتبرت منظمة الشفافية الدولية العراق من بين الدوا الأكثر فسادا في العالم . والفساد يعيق تحقيق التنمية الاقتصادية – الاجتماعية في العراق والفساد منتشر في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية .
8) الأحزاب المتنفذة الحاكمة لها الوظائف والرواتب العالية حتى بدون عمل .
9) تضخم ثروات المسؤولين ولعب ابنائهم بالملايين بعد ان كانوا فقراء .
10) افق مسدود واحباط اغلبية مسحوقة من الشباب مع سرقة احلام الشباب .
11) شعور الغالبية من السكان بالاغتراب والاحساس بعدم الانتماء للوطن .
12) السياسة الطائفية والمحاصصاتية التي تشعر الآخرين بالغبن وعدم المساواة .
13) سوء الادارة وتجاهل الحكومات المتعاقبة لاعتصامات حملة الشهادات والشهادات العليا حيث تم رشهم بالماء الحار واطلاق الرصاص عليهم .
14) امتناع الحكومات المتعاقبة عن تقديم برامج لصالح الشعب وانشغالهم بتقاسم خيرات البلاد الوفيرة بين السلطات الثلاث .
15) عدم القيام بمعالجات آنية ووضع خطط علمية لتأمين مستقبل واعد للشباب .
16) وفي محال التعليم فإن كثرة المدارس والجامعات الأهلية قد اثقلت كاهل الأسر العراقية وخاصة ذوي الدخل المحدود .
17) تدهور التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد والجامعات وتولي المناصب الادارية فيها اشخاص جاءوا عن طريق المحاصصة المقيتة ينتمون لأحزاب السلطة ولا يمتلكون الخبرة والكفاءة .
18) زيادة وعي الشباب الذي جعلهم ينفرون من الطائفية وغياب العدالة الاجتماعية
19) انتهاك سيادة القانون وعدم تطبيقه على المتنفذين بالسلطة لا سيما الفاسدين .
20) انفلات السلاح وتهديده للدولة وللمواطنين على حد سواء .
21) ومن الأسباب العميقة التي اطلقت شرارة تظاهرات تشرين تكمن في الاحتقان الذي تولد من خلال المظالم والأقصاء والتهميش وكبت الحريات والقمع الأمر الذي ادى الى تحطيم الثقة بين النظام والمجتمع الى جانب العوامل الاخرى التي تم ذكرها .
لقد كانت انتفاضة اكتوبر / تشرين الأول 2019 مفاجئة للطبقة السياسية التي كانت تعول دائما على تحكمها بالناس بإثارة الغرائز الطائفية والمذهبية وبمحاولة اقناعهم يوميا ان الآخر يسعى للانقضاض على حقوقهم ويهدد وجودهم . كما عملت الأحزاب المتنفذة الحاكمة على اختراق صفوف المتظاهرين من اجل تشتيتهم لإفشال التظاهرات .
ومنذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية في مدن العراق المختلفة التي تدعو الى الاصلاح ومحاربة الفساد بأنواعه اصبحت بغداد والبصرة والناصرية ومدن المحافظات الجنوبية الاخرى مسرحا لحملة مروعة من الاغتيالات ضد النشطاء . ولحد الآن لم يحاسب احد على هذه الجرائم الشنيعة . وتركت هذه الاغتيالات تساؤلات بشأن دوافع مرتكبيها والجهات التي تقف خلفها وظروفها التي تبدو انها منظمة ومنسقة لا تأبه لردود الأفعال القوية المنددة بها على الصعيد الدولي والداخلي .
لقد حول المتنفذون في السلطة العراق الى بلد طارد للإبداع والكفاءات نجم عنه شعور الملايين من العراقيين بالحرمان من حقهم المشروع بالوطن لذا رفعوا شعار ( نريد وطن ) .
وكان ذلك الحرمان لملايين العراقيين في ظل رفاهية خيالية للقلة الحاكمة وفقر قاسي للملايين من ابناء الشعب العراقي .
ان كل هذه الأسباب وغيرها المتراكمة منذ التغيير في 2003 وحتى ما قبلها قد اطلقت شرارة التظاهرات نتيجة الاحتقان الذي تولد من خلال المظالم والاقصاء والتهميش وكبت الحريات والقمع وتفشي الفساد وسوء الادارة والتخطيط والبطالة وغيرها .
لقد اجبرت التظاهرات الشعبية في تشرين حكومة عبد المهدي على الاستقالة بعد ان واجهت المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي .
وبهذا الصدد يمكن تحديد اهم ايجابيات انتفاضة تشرين بما يأتي : -
1) إحياء الشعور بالانتماء للعراق بشعاراتها ( نريد وطن ) واعادة الهوية الوطنية التي تراجعت بسبب الطائفية والمحاصصة التي اشاعت هويات فرعية قاتلة .
2) احياء الشعور عند المواطن بأن الوطن للجميع بشعارها ( نازل آخذ حقي ) .
3) كسر حاجز الخوف من السلطة واشاعة روح التحدي ضد حكومة وصف رئيسها بأنه قاتل .
4) فضح عمالة وخيانة وضعف المسؤولين الرئيسيين في الدولة العراقية .
5) فضح تدخل دول الجوار بالشأن العراقي .
6) احياء قيم اخلاقية اصيلة استهدفتها الحكومات المتعاقبة بتحويلها الفساد من فعل كان يعد خزيا الى شطارة .
وكان من ابرز سلبيات انتفاضة تشرين هو عدم وجود قيادة موحدة للانتفاضة .
لم تحقق السلطات الحاكمة ولم تستجب لمطالب المنتفضين المشروعة في ظل الاستمرار في تردي الخدمات واستشراء الفساد وغياب التنمية والعدالة الاجتماعية واستمرار السلاح المنفلت وعدم الكشف عن قتلة المتظاهرين وغيرها من المطالب .
لقد جاءت انتفاضة تشرين انطلاقا من المطالب الحياتية والخدمية والاقتصادية . وان المطالب الشعبية لا يعبر عنها فقط من نزلوا الى ساحات الاحتجاج في تشرين الأول 2019 والذي بلغت اعدادهم مئات الآلاف , وانما هناك اضعافهم من المواطنين الذين يرفعون ايضا مطالب المنتفضين . وهكذا فإن التغيير بات ضرورة ملحة .
لقد كشفت انتفاضة تشرين 2019 عورات النظام ومآرب المتنفذين واستقتالهم في الحفاظ على امتيازاتهم ومناصبهم وسعيهم المحموم لقمع الانتفاضة الشعبية واجهاضها خلافا للدستور العراقي المركون على الرف . ويبقى شعار المنتفضين ( نريد وطن ) قائما , وطن خالي من الظلم والتعسف والقتل , وطن خالي من الطائفية والمحاصصة والفساد , وطن يسوده القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة .
فإلى " التغيير .. دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعدالة اجتماعية " ....


نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية