بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لانتفاضة تشرين / كيف نظرت الصحف العربية والأجنبية لانتفاضة اكتوبر الشعبية في العراق عند اندلاعها ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 9 / 10

في الأول من تشرين الأول / اكتوبر 2019 انطلقت الاحتجاجات الشعبية في العاصمة بغداد وبقية محافظات الوسط والجنوب احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد وتفشي الفساد المالي والاداري في مفاصل الدولة المختلفة المدنية والعسكرية , اضافة الى الفقر وتفشي البطالة وعدم توفر فرص التعيين خاصة بين الشباب من خريجي المعاهد والكليات واصحاب الشهادات العليا حيث واجهتهم السلطة بالرصاص الحي والغاز القاتل والمياه الساخنة لأنها تريد التعيينات للمقربين جدا منها ممن لا يحمل شهادة او يحمل شهادة مزورة , الى جانب الأزمات التي يعاني منها العراقيون من سكن ونقص الخدمات الصحية والكهرباء والماء النقي والتعليم الذي تدهور كثيرا منذ 2003 ليصبح العراق من اسوء دول العالم في مستوى التعليم حسب شهادة المنظمات الدولية المتخصصة. ووصلت مطالب المتظاهرين الى المطالبة باستقالة حكومة عبد المهدي وتشكيل حكومة مؤقتة واجراء انتخابات مبكرة والتنديد بالتدخل الايراني في الشأن العراقي وغيرها من المطالب . الا ان السلطة قد واجهت المظاهرات والاحتجاجات بعنف شديد باستخدام القناصة والرصاص الحي والغاز القاتل والمياه الساخنة حتى بلغ عدد الشهداء اكثر من 700 شهيد وبلغ عدد الجرحى اكثر من 25 ألف جريح اضافة الى الاعتقالات للعديد من المحتجين بدون امر قضائي حسب الدستور إلى جانب اختطاف الناشطين والناشطات من الشباب وقيام الحكومة بقطع شبكة الانترنت وفرض حظر التجوال وغيرها من الأساليب القمعية الوحشية التي استخدمت ضد المتظاهرين السلميين الذين يطالبون بحقوقهم التي كفلها الدستور وتجاوزت عليها القوى المتنفذة الحاكمة خلافا للدستور العراقي الذي اصبح مجرد حبر على ورق .
وكانت انظار العالم متجهة صوب العراق وتظاهراته الشعبية المشروعة وبطولات الشباب واصحاب التك تك وموقف الحكومة العنيف ضدهم .
وبهذا الصدد فقد نشرت صحيفة ( واشنطن بوست ) الأمريكية تقريرا عن المخاوف التي تنتشر بين المتظاهرين في العراق في وقت تواصل فيه الحكومة قمعها وتتكتم على اعداد القتلى . كما اشارت الصحيفة الى عدم توقف قمع المتظاهرين والى اعتقال مئات الناشطين والمسعفين. ومحاولة السلطة لامتصاص غضب الجماهير بسبب البطالة العالية في بلد يعد من البلدان الغنية بالنفط والثروات الأخرى حيث حاول رئيس الدولة ورئيس الوزراء تقديم وعود بتوفير فرص العمل وبعض التعديلات القانونية لكن المنتفضون تلقوا هذه الوعود بنوع من الصدمة( خاصة وان العراقيين قد شبعوا من الوعود الكاذبة طيلة ستة عشر عاما ).
اما صحيفة ( الأندبندنت ) البريطانية فقد اوضح تقرير لمراسل الشؤون الدولية فيها ( باتريك كوكبيرن ) ان الاحتجاجات في العراق قد واجهت ردا شرسا من السلطات في بغداد والمحافظات , وتحولت مطالب الجماهير من القضاء على الفساد الى اسقاط الحكومة بالكامل وتشكيل اخرى لتسيير الأعمال. كما اشارت الصحيفة الى ان حجب الانترنت لم يوقف الاحتجاجات. وبين الكاتب ان الحكومات العراقية قد نهبت ما يصل الى (450) مليار دولار منذ عام 2003, وان سجل الحكومة الاتحادية حافل بالفساد المالي والاداري. ولمواجهة الغضب الشعبي اعلن عبد المهدي فصل اكثر من ( 1000) موظف بمختلف الدرجات من العاملين في القطاع العام متهمين بقضايا فساد مالي ( ولكنه ترك كبار الفاسدين ومافياتهم ليعملوا بحريتهم دون ان يتقرب منهم!!). وتلك الخطوة بحسب الكاتب البريطاني لم تكن كافية لإخماد لهيب المحتجين. ويملك العراق ثروة نفطية ضخمة تجلب للبلاد ( 6,5) مليار دولار شهريا , الا ان الشعب نفسه لا يزال يعاني من البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية والانقطاع المستمر للكهرباء والمياه النقية وفساد واسع في جميع النواحي فضلا عن تردي النظام الصحي والتعليمي وبحسب الصحيفة فإن المحتجين يجدون دعما واسعا وقويا من جميع قطاعات المجتمع .
ومن جهة اخرى ذكرت وكالة ( اسوشيتد برس) الأمريكية ان قوات الأمن العراقية قد فتحت النار مباشرة على مئات المتظاهرين ضد الحكومة , فيما قال الصحفي الأمريكي الهندي ( بوبي غوش) ان رد رئيس الوزراء العراقي على المتظاهرين كان بإطلاق قواته الأمنية النار على المجتمعين وفرض حظر تجوال وقطع الانترنت وهي اوامر لقائد فقد السيطرة على الوضع . موضحا ان قمع المحتجين لا يمكن ان يستمر ومشيرا الى ان عبد المهدي سياسي ضعيف حصل على وظيفته بسبب عدم قدرة أي حزب على تشكيل تحالف وان الأحزاب التي رأت فيه مرشحا توافقيا مفيدا ستنظر اليه مجددا على انه كبش فداء .
اما صحيفة ( واشنطن اكسا مينر) ففي تقرير تحليلي لها اكدت على ان ايران تمكنت من السيطرة بشكل شبه كامل على العراق في ظل حكومة اصبحت مثل الدمية في يد طهران فضلا عن انتشار الكثير من البيروقراطيين في البلاد . واوضحت الصحيفة الأمريكية ان ايران تريد ان تحول العراق الى لبنان جديد حيث تتمتع المصالح الايرانية بالنصيب الأكبر في البلاد , وكشفت عن الضعف الكبير في الحكومة الحالية خاصة بعد ان اقال عبد المهدي اعدادا كبيرة في الحكومة بناء على طلب ايران .
وفيما يتعلق بصحيفة ( الأندبندنت) فقد نشرت مقالا تحليليا للكاتب المختص بأمور الشرق الأوسط ( باتريك كوبيرن ) بعنوان (( كيف تسيطر الميليشيات المدعومة من ايران على العراق )) حيث اشار المقال الى ان طهران لديها دوما خطة وان الميليشيات المدعومة من ايران تطلق الرصاص على المحتجين العراقيين لمحاولة ابعادهم عن قلب العاصمة بغداد وانهاء الاحتجاجات المستمرة والتي تشكل تحديا غير مسبوق للنظام السياسي القائم في البلاد منذ 2003 ويضيف ( كوبيرن ) ان المظاهرات هي ايضا اكبر ازمة تواجهها النخبة السياسية في العراق منذ اجتياح داعش لأجزاء كبيرة من البلاد والسيطرة عليها ويوضح ان التهديد للنظام السياسي القائم في العراق من المظاهرات هو اقوى من تهديد داعش لأن داعش كان يشكل تهديدا خاصا للشيعة الذين لم يجدوا مفرا من مساندة جهود النخبة السياسية الرامية للتصدي لداعش بغض النظر عن مدى كفاءتهم او نزاهتهم , اما هذه المرة فالمعادلة مختلفة , ويقول ( كوبيرن) ان المذابح التي تجري في العراق للمتظاهرين مشابهة للتكتيكات التي استخدمها الرئيس المصري السيسي عام 2013 لسحق المظاهرات المناهضة لانقلابه العسكري الذي اطاح بالحكومة المنتخبة ..ويخلص الكاتب الى ان النخبة السياسية في العراق قررت التصدي للمظاهرات بكل الطرق الممكنة للحفاظ على مصالحها مشيرا الى ان استمرار المظاهرات في الشوارع العراقية حتى الآن يجعل كل شيء ممكنا في ظل وجود هذا النظام السياسي الفاسد والحكومة الفاشلة بحسب الكاتب .
وبهذا الصدد فقد اعربت الحكومة الألمانية عن قلقها ازاء اعمال العنف التي وقعت خلال مظاهرات في العراق , وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية ان الحكومة تراقب الوضع في العراق (( بفزع وقلق بالغ )) مضيفا ان المانيا تساعد بصفتها احدى اهم الدول المانحة في العراق في التصدي لبعض المشكلات التي تمثل سببا لهذه المظاهرات مثل البطالة . واكد المتحدث الألماني ان مكافحة الفساد تمثل تحديا يتعين على الدولة العراقية مواجهته مطالبا الحكومة العراقية بالإيفاء بالتزاماتها في مكافحة الفساد وفي الكشف عن ملابسات الوقائع التي حدثت خلال الايام الماضية .
وبخصوص صحيفة ( نيويورك تايمز) الأمريكية فقد تناولت الاحتجاجات الشعبية في العراق منذ اوائل اكتوبر / تشرين الأول 2019 والتي ادت الى استشهاد اكثر من 700 شهيد وجرح الآلاف , وقالت انها تشهد تصاعدا لافتا حيث وصفت اعمال الحكومة تجاه المتظاهرين السلميين بالوحشية . واوضحت الصحيفة ان العراقيين احتجوا في البداية على الفساد والبطالة وفشل الحكومة في تقديم الخدمات ولكنهم بعد شهر من عنف الدولة دعوا الى استقالة رئيس الوزراء ( عبد المهدي ) والى اصلاح شامل للعملية السياسية في البلاد , واكدت الصحيفة ان الحكومة العراقية والنخبة السياسية فشلت في الرد بشكل معقول على المتظاهرين حيث رفض المحتجون ما قدمه الرئيس العراقي من وعد بصياغة قانون انتخابي جديد ووضع حد للنظام الحالي الذي يتم فيه تشكيل الحكومة بعقد الصفقات . غير ان المتظاهرين اعتبروا هذه الوعود قليلة جدا ومتأخرة للغاية . واشارت الصحيفة الى ان معظم الاحتجاجات تجري في بغداد ومدن اخرى جنوب البلاد مشيرة الى ان مقتل اكثر من 18 محتجا في مدينة كربلاء في الفترة السابقة يظهر ان المحافظات ذات الغالبية الشيعية لم تستفد من الاحزاب السياسية التي تستخدم الهوية الشيعية لاكتساب السلطة والحفاظ عليها بحسب الصحيفة .وبينت ايضا ان الاحتجاجات ورد فعل السلطات العنيف عليها قد ادت الى تمزيق اسطورة الطائفية كمبدأ منظم للسلطة السياسية حيث لم تحقق الطائفية التي ترعاها الدولة الحماية والتقدم للمواطنين , وبحسب الصحيفة تكمن المشكلة في النظام السياسي الذي فرضه التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003 والذي اسس الكذبة التي مفادها ان العراقيين لم تكن لديهم هوية وطنية موحدة وان هويتهم الغالبة كانت طائفية او عرقية . الشيعة والسنة والأكراد , مما عزل المسيحيين والأزديين والمندائيين وغيرهم من الأقليات في العراق . وفي المقابل كان المتظاهرون العراقيون - بحسب الصحيفة- يحملون العلم العراقي ويرفضون جميع الرموز السياسية والطائفية الاخرى, وملأت الأغاني الوطنية والحماسية العراقية الشوارع مرة اخرى , كما ان الشعار الطاغي هو ( نريد وطنا ) يدعو الى عراق لا يعاني من امراض الانقسامات الطائفية ولا يتلاعب به السياسيون والى جانبه شعار (( سوف آخذ حقوقي بنفسي )) , وقالت الصحيفة ان الطبقة السياسية في العراق بدلا من ان تبنى على مبادئ المواطنة بعد سقوط دكتاتورية صدام عملت على نظام رعاية طائفي للحصول على السلطة السياسية والكسب المادي . وبهذه الطريقة – كما ترى الصحيفة – تكرس الهوية الطائفية كأساس غير مكتوب لتقاسم السلطة يكون فيه رئيس الوزراء شيعيا ورئيس الدولة كرديا ورئيس البرلمان سنيا مما عزز الانقسامات الطائفية واستبعاد الكفاءة والشرعية الانتخابية حتى اصبح تشكيل الحكومة اقرب الى السمسرة. وقد تجسدت قوة الحكومة العراقية – بحسب الصحيفة – في بيانها الأخير القائل انها لا تعرف هوية القناصة الذين اطلقوا النار وقتلوا العديد من المحتجين في بغداد ومع ذلك يواصل الشباب العراقي التحدي . ورأت الصحيفة ان الحل الدائم سيكون بالتصدي للفساد ومساءلة المسؤولين الفاسدين وضمان وجود نظام شفاف في تشكيل الحكومة المقبلة والتأكد من ان العراق – الذي يحتفظ بأكبر احتياطات نفطية مثبتة في العالم- يمكنه تقديم الخدمات التعليمية والصحية الأساسية الى كل مواطنيه , وقد سئم الناس من نظام تقاسم السلطة الحالي وهناك دعوات متزايدة لنظام رئاسي يكون فيه القائد مسؤولا عن رفاهية الدولة وسيادتها وختمت الصحيفة بأن العراقيين يطالبون بشكل اساسي بالكفاءة والمساءلة حتى لا يختبئ المسؤولون وراء النظام .
وفيما يتعلق بجريدة ( رأي اليوم ) الإلكترونية اللندنية ( من خلال ما كتبه عبد الباري عطوان ) فقد وصفت رئيس الوزراء العراقي عبد المهدي بأنه اضعف رئيس وزراء عراقي منذ الغزو الأمريكي وما زال صامدا في موقعه والفضل في ذلك يعود الى ايران– بحسب الصحيفة –, ويضيف الكاتب بأن ما يجري في العراق حاليا هو اكثر خطورة لأنه يعكس صراعا شرسا بين قطبين خارجيين , ايران والولايات المتحدة , لهما قوات وانصار داخل العراق هذا اولا ولأن العراق من المفترض انه تحرر من قوى غربية ارادت ان تجعل منه نموذجا يحتذى به في الديمقراطية والنزاهة واحترام حقوق الانسان والازدهار الاقتصادي ثانيا , ولأنه دولة نفطية غنية تدخل ميزانيتها ( 30) مليار دولار شهريا ان لم يكن اكثر .
اما صحيفة ( العرب) وفي مقال للكاتب ( سلام السعدي ) الذي ربط بين ما يجري من مظاهرات وتطورات سياسية في العراق من جهة وبين ايران من جهة اخرى , وقال السعدي ان التظاهرات الشعبية تتواصل في العراق ويتواصل معها ارتفاع اعداد القتلى في كل يوم وبصورة غير متوقعة , واعاد الكاتب دوافع استخدام السلطات العراقية للقوة المفرطة مع التظاهرات لعدة اسباب منها مطالبة المتظاهرين بالتصدي للنفوذ الايراني في البلاد موضحا ان التركيز على ايران جاء ليحل مشكلة طالما واجهتها التظاهرات ضدها , وتوقع الكاتب استمرار المظاهرات بلا توقف مشيرا الى ان عبد المهدي لا يبدو انه قادرا على اجراء الاصلاحات الموعودة , كما انه عاجز عن ضبط ميليشيات الحشد الشعبي وهو ما عزز موقف الشارع العراقي من الحكومة باعتبارها جهاز عديم السلطة وتابع للهيمنة الايرانية ومهمته الوحيدة هي توزيع غنائم السلطة على الأطراف المشاركة موضحا ان ايران باتت احد اسباب المشكلة العراقية.
اما صحيفة ( الأخبار ) اللبنانية فعلقت على المشهد العراقي اذ قالت ان ما يدور في هذه الأيام في بغداد والمحافظات الجنوبية يبدو اقرب الى ترجمة لمخطط اميركي لتوظيف مطالب المحتجين من خلال انقلاب او حكومة انقاذ , وقالت ان الهدف في نهاية الأمر يكمن في اخماد الأزمة المفتعلة بخروج قائد عسكري محبوب جماهيريا بالتعاون مع الأمريكيين ليتصدر المشهد ويكون قائدا لحكومة انقاذ وبذلك تعيد الولايات المتحدة احكام قبضتها على العراق مستندة على تهديد الحكومة الأمريكية منذ شهور ان ثمة مشروع سيقلب الدنيا على رأس طهران بحسب الصحيفة اللبنانية .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية