الفصل السادس : صراع برسباى وشاه رخ : حملة برسباى عام 836 ( 2 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 8

الفصل السادس : صراع برسباى وشاه رخ : حملة برسباى عام 836 ( 2 من 2 )
هل يجرؤ السيسى أن يقود حملة عسكرية ؟ أم أنه يكتفى بالنصر على المصريين؟
الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل السادس : صراع برسباى وشاه رخ : حملة برسباى عام 836 ( 2 من 2 )
هل يجرؤ السيسى أن يقود حملة عسكرية ؟ أم أنه يكتفى بالنصر على المصريين؟
شهر ذي الحجة أوله الأحد‏:
1 ـ تحركات السلطان بجيشه في ديار بكر ( جنوب شرق الاناضول ) ضد خصمه قرايلك
( في سادسه‏:‏ قدم الأمير كمشبغا الأحمدي أحد الطبلخاناه بكتاب السلطان من الرها مؤرخ بثامن عشر ذي القعدة، يتضمن أنه رحل عن آمد ( حاضرة ديار بكر ) ، بعد ما أقام على حصارها خمسة وثلاثين يوماً ، حتى طلب قرا يلك الصلح ، فصولح . ورحل العسكر في ثالث عشر ذي القعدة. فدقت البشائر ، ونودي بذلك في الناس. )
رجوع السلطان
1 ـ في 28 ذي الحجة ( وقدم الخبر بقدوم السلطان إلى حلب في خامس عشرين ذي القعدة ، ورحيله منها في خامس ذي الحجة ، وقدومه دمشق في تاسع عشره‏.)
‏2 ـ ( وفيه خرج الأمير الوزير كريم الدين أستادار إلى لقاء السلطان‏.)
3 ـ ( وفي ثامن عشرينه‏:‏ برز السلطان من دمشق يريد القاهرة‏.)
المقريزى يعطى تقريرا تاريخيا عن حملة برسباى لتأديب قرا يلك الثائر :
استيلاء برسباى على ( آمد ) عاصمة قرايلك
1 ـ ( وكان من خبره أنه سار من حلب في حادي عشرين رمضان ، ونزل البيرة في خامس عشرينه ، وقد ترك الأثقال والقضاة ونحوهم بحلب ، فعدى الفرات بالمقاتلة في يومين ، ودخل الرها في سلخه ، وسار من الغد فنزل على آمد في ثامن شوال ، ومعه من المماليك السلطانية والأمراء ومماليكهم ونواب البلاد الشامية بأتباعهم، ومن انضم إليهم من التركمان ومن عرب كلاب ما يقارب عددهم عشرة آلاف ، والمجازف يقول ما لا يعلم، فأناخ عليها ( أي حاصرها ) ، وقد خرج قرا يلك منها إلى أرقنين ، وترك بآمد ولده. فترامى الفريقان بالنشاب ، ثم زحف السلطان بمن معه في يوم السبت عاشره من بكرة النهار إلى ضحاه ، وعاد فلم يقع زحف بعد ذلك. وقُتل في هذا الزحف مراد بك بن قرا يلك بسهم ، وقُتل حمزة الخازندار نائب آمد ، وجماعة ، وجرح من أهل آمد ومن العسكر كثير . وقُبض على جماعة من أهل آمد، فقُتل بعضهم ، وتُرك بعضهم في الحديد. ونزل محمود بن قرا يلك في عسكر على جبل مشرف على العسكر ، وصار يقتل من خرج من الغلمان ونحوهم ، لأخذ القمح ونحوه ومنع الميرة ( اى الطعام والزاد )عن العسكر‏. )
2 ـ ( فقدم في يوم الاثنين ثاني عشره صاحب أُكّل ( قرية تتبع ماردين )- واسمه دولات شاه - فخلع عليه وأنزل في العسكر . ) أي إنضمّ الى برسباى .
قرايلك يغتال تابعا لبرسباى ، وبرسباى ينتقم شرّ انتقام
واستدعى برسباى تابعا له هو الملك صاحب حصن كيفا ، فقتله قرا يلك فانتقم برسباى من القتلة :
( ثم قدم الملك الأشرف أحمد بن سليمان ابن غازي بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله صاحب حصن كيفا باستدعاء حتى قارب العسكر، فخرج عليه عدة من العسكر قرا يلك فقتلوه ، وقتلوا معه قاصد السلطان المتوجه إليه ، فاشتد ذلك على السلطان ، وبعث في إحضار قاتليه جماعه من العربان والتركمان، فأحضروا من جماعة قرا يلك عشرين رجلاً ثم توجهوا ثانية فأحضروا ثلاثين رجلاً، وُسّطوا ( اى القتل بالتوسيط ) تجاه قلعة بآمد . ثم توجهوا ثالثاً فأحضروا واحداً وعشرين رجلاً ، منهم قرا محمد أحد أمراء قرا يلك ، ومنهم صاحب ماردين ، فوُسّط قرا محمد ومعه عشرون رجلاً‏. فاتفق أن واحداً منهم انفلت من وثاقه فمر يعدو والعسكر تنظره ، فما أحد رماه بسهم ، ولا قام في طلبه حتى نجا وطلع القلعة‏. ).
قرايلك ينهزم ويستجدى الصلح ،وبرسباى يوافق
( وفي أثناء ذلك سار الأمير شار قطلوا نائب الشام ومعه عدة من التركمان والعرب وغيرهم لقتال قرا يلك فكانت بينهم وقعة ، قُتل وجُرح فيها من التركمان والعرب وأصحاب قرا يلك جماعة ، وتأخر شار قطلوا عن لقائه ، فبعث قرا يلك بقرا أحمد ابن عمه وبكاتب سره بكتبه ، يترامى على نواب الشام في الصلح، فما زالوا بالسلطان حتى أجاب إلى ذلك، وبعث إليه شرف الدين أبا بكر الأشقر نائب كاتب السر حتى عقد الصلح معه، وحلّفه على الطاعة ، وجهز إليه كاملية حرير مخمل بفرو سمور وقباء حرير بوجهين وعليه طراز عرض ذراع ونصف وربع وثلاثون قطعة قماش سكندري وسيف بسقط ذهب وفرس بقماش ذهب، وخلع على قصاده‏. ).
قدوم رسول من إسكندر بن قرا يوسف حاكم توريز والعراق العجمى ( ايران ) يعلن ولاءه لبرسباى ، فأخبروه بانصياع قرا يلك لأوامر برسباى
( فقدم قاصداً اسكندر بن قرا يوسف صاحب توريز وعراق العجم، بأنه قادم إلى الخدمة السلطانية، فأجيب بالشكر، وأنه قد وقع وكان الذي وقع الصلح عليه ، أن قرا يلك لا يتعرض إلى شيء من أطراف المملكة من الرحبة وإلى دوركي ، وأن يسهل طرق الحجاج والتجار ونحوهم من المسافرين ، ولا يتعرض لحصن كيفا ولا لرعيتها وحكامها ، ولا لدولات شاه حاكم أُكّل وقلاعه، وأن يضرب السكة ويقيم الخطبة للسلطان بديار بكر، وأن يمتثل ما يرد عليه من مراسيم السلطان‏. )
6 ـ قدوم الملك صاحب حصن كيفا يعلن ولاءه لبرسباى
( ثم قدم الملك شرف الدين يحيى بن الأشرف صاحب كيفا - وقد استقر في سلطنة الحصن أخوه الملك الصالح صلاح الدين خليل بن الملك الأشرف - بتقدمة أخيه فخلع عليه وجهز للصالح خلعة وسيف‏. )
7 ـ رحيل برسباى عن ( آمد ) بعد تخريبها ونهبها وقهر أهلها :
( ثم رحل السلطان ومن معه عن آمد بعد الإقامة عليها خمسة وثلاثين يوماً في ثالث عشر ذي القعدة ، وقد غلت عندهم الأسعار فبلغ الأردب الشعير نحو دينارين ونصف وأنه كان يعطي فيه اثنان وسبعون درهماً مؤيدية عن كل مؤيدي سبعة دراهم ونصف من الفلوس نقد القاهرة ، ويصرف دينار بثلاثين مؤيدياً فضة. وبلغ القمح كل أربعة أقداح بدرهمين فضة ، وبلغ القدح الواحد من الملح خمسة عشر درهماً فضة ، وبلغ الرطل من الزيت ومن السرج بثلاثين درهماً فضة. ونُهب من ضواحي آمد غلال لا تحصى منها ، زيادة على مائتي ألف أردب بمقتضى المحاسبة ، سوى ما انتهبه العسكر ، وخرب ما هنالك من الضياع، وأخذت أخشابها وقطعت أشجارها ونهب ما فيها ، وفعل بأهلها ما لا يمكن وصفه . ). في العبارة الأخيرة لنا أن نتخيل ما ارتكبه برسباى مع أهل آمد.
8 ـ تحرك برسباى بعد آمد وتدبير أمور دولته في الرها .
( فلما وصل السلطان من آمد إلى الرها أقرّ الأمير أينال الأجرود نائب غزة بالرها ، وقوّاه بنحو خمسة آلاف دينار وشعير وبشماط وأرز وزيت وصابون وسلاح كثير ، وولي عوضه نيابة غزة الأمير جانبك الحمزاوي ، وقدمه إليها. ثم رحل فقدم حلب في خامس عشرينه وسار منها في خامس ذي الحجة ودخل دمشق في تاسع عشره‏. )
رأى المقريزى في هذه الحملة : قال :
( وكانت سفرة مشقة زائدة الضرر عديمة النفع أنفق السلطان فيها من المال الناض خمسمائة ألف دينار وتلف له من سلاح والخيل والجمال وغير ذلك‏. وأنفق الأمراء والعساكر بمصر والشام وتلف لهم من الآلات والدواب والقماش ، ما تبلغ قيمته مئات قناطير من ذهب، وتلف لأهل آمد وذهب مال عظيم جداً ، وقتل خلق كثير ونفق من دواب العسكر، زياده على عشرة آلاف ما بين جمل وفرس و لم يبلغ أحد غرضاً من الأغراض ولا سكنت فتنه‏. وإني لأخشى أن يكون الأمر في هذه الكائنة كما قيل‏:‏ لا تحقرن سبيبا كم جر شراً سبيب و لله عاقبة الأمور‏. )
تعليق
1 ـ لخّص نتائج الحملة في كثرة تكاليفها وكثرة ضحاياها من أهل آمد ، وعبّر المقريزى عن تشاؤمه من نتائجها ، دون هجوم صريح على من جعله ( سلطان الإسلام )!.
2 ـ ونرى أن برسباى نجح في تحدى خصمه شاه رخ ، إذ أخضع قرايلك حليف شاه رخ ، وثبّت سلطانه في الأقاليم المضطربة فيما كان يُعرف بالعراق العجمى ( غرب ايران ) .
3 ـ ويا حسرة على العسكر المصرى الخائب الخائن الذى لا ينتصر إلا على الشعب المصرى الأعزل المُسالم قليل الحيلة . برسباى يعزّز سيطرته في جنوب تركيا ، والعسكر المصرى عاجز عن تعزيز سيطرته في سيناء المصرية ، لا بد أن يستاذن إسرائيل وأن يستعين بها في ضرب أهل سيناء ..
ياحسرة على بغداد
في هذا العام :
أصبهان بن قرا يوسف يستولى على بغداد من أخيه محمد شاه . يقول المقريزى :
( وفيها ، تحيّل أصبهان بن قرا يوسف على أخذ بغداد من أخيه محمد شاه ، بأن بعث أربعين رجلاً قد حلقوا لحاهم كأنهم قلندرية ، ثم دخلوا بغداد شيئاً بعد شيء ، وقد واعدهم على وقت ، فلما وافاهم ليلاً إذا هم قد ركبوا السور، ورفعوا من أصحاب أصبهان جماعة ، ثم قتلوا الموكلين بالباب، ودخل ( اصبهان بن قرا يوسف ) بمن معه ، ففرّ ( أخوه ) شاه محمد بحاشيته في الماء ، واستولى أصبهان على بغداد ، وسلب من بها جميع ما بأيديهم ، بحيث لم يبق بها من الأسواق سوى حانوتين فقط ، ولحق شاه محمد بالموصل . )
ونقول :
1 ـ ( القلندرية ) طائفة صوفية اشتهرت في مصر والشرق ، وكانت لهم هيئة خاصة في المظهر ، وفى تعاطى المنكرات والتظاهر بها ، وفقا للتشريع الصوفى الذى ينهى عن الاعتراض، وهذا تناقضا مع الدين السّنى الذى يوجب التدخل في الحرية الشخصية بما يفهمونه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والحسبة وقتل المخالف في الدين . وكانت للقلندرية وطائفة ( المُلامتية ) شهرة كبيرة ، بسبب اشاعتهم الفواحش . تحايل اصبهان على أخيه حاكم بغداد بأن قام بتسريب جنوده المتنكرين في هيئة القلندرية الى داخل بغداد، ففتحوا أبوابها له فدخلها ، وهرب أخوه شاه محمد وحاشيته ، ودخل اصبهان فنهب بغداد .
2 ـ كانت بغداد حاضرة العالم المعروف في العصر العباسى الأول ، ثم تبدّلت أحوالها شيئا فشيئا باستقدام الأتراك جُندا للخلفاء العباسيين بدءا من الخليفة المعتصم ، ثم زاد نفوذهم بقتل الخليفة المتوكل ثم قتل ابنه الخليفة المنتصر ، وتسلطوا على الخلفاء اللاحقين بالقتل والعزل وسمل العيون ، وتقاسموا فيما بينهم السيطرة على أقاليم الدولة العياسية ، واستقل بعضهم بحكم أهم أقاليمها في الشرق وفى الغرب ( الدولة الطولونية ثم الاخشيدية في مصر والشام ) ثم انقرض الأتراك وحل محلهم الشيعة الفرس من بنى بويه ، واستقل الفاطميون بمصر وشمال أفريقيا والشام وأجزاء من العراق ، وكانوا على وشك القضاء على الخلافة العباسية في بغداد نفسها بحركة البساسيرى ، ثم سيطر على الخلافة العباسية الأتراك السلاجقة ، ثم ظهر الأيوبيون ، كل ذلك وأحوال بغداد في تدهور الى أن سقطت جثة هامدة في الغزو المغولى ، وأوقف المماليك تقدمهم نحو مصر . ومع دخول المغول في دين البغداديين فقد كان المغول أشد وحشية وتخلفا واختلافا وتنازعا في سيطرتهم على العراقين ( العربى والعجمى ) وأواسط آسيا ، ثم ظهر تيمور لنك فقضى على سيطرة المغول ، وهو ينتمى الى نفس المنطقة التي أنجبت أئمة الدين السُنّى ( البخارى ومسلم والنسائى والحاكم والترمذى وابن ماجة وابن حنبل ..الخ .. ) . وقام تيمورلنك باستباحة بغداد وحلب ودمشق قتلا ونهبا ، ورجع للشرق فتأسست في العراق العربى والعجمى دول مؤقتة من بقايا الأتراك والمغول . وتعيّن على برسباى أن يتعامل مع تلك الدول الواقعة على تخوم دولته ، وأن يواجه في نفس الوقت نفوذ شاه رخ بن تيمورلنك الساعى الى انتزاع السيطرة الدينية للمماليك المسيطرين على الحجاز والطريق التجارى العالمى ( وقتها ) . وهذا يفسّر ما سبق من أحداث ، ويشير الى ما آلت اليه بغداد والعراق العربى والعجمى . .!!
أخيرا
1 ـ نحن لا نرهق نفسنا في التنقيب بين سطور التاريخ في مصادره الأصلية لمجرّد التسلية ، ولكن لنعرض هذا التاريخ على القرآن الكريم نرصد الفجوة والتناقض بين الإسلام العظيم والمنتسبين اليه زورا وبُهتانا والذين لطّخوا إسمه العظيم .
2 ـ ونسأل : هل بغداد اليوم أحسن حالا ؟ هل غير بغداد من دول المحمديين أفضل اليوم حالا أم يدورون في نفس الحلقة الجهنمية التي ضاع فيها أسلافهم من قبل ؟ هم أكابر المجرمين من المستبدين ورجال الدين ، في الماضى وفى الحاضر الراهن ، هم هنا وهناك ، ومعهم يخسر المحمديون الدنيا والآخرة . يموتون ويأتي غيرهم ، والحال على ما هو عليه . أما لهذا الليل الحالك من آخر ؟!!
3 ـ ليس لنا هدف دنيوى ، ولا نسعى لحُطام الدنيا ، ولا شأن لنا بالسياسة . هدفنا هو نعيم الآخرة ، وعملنا هو السعى للتنوير والإصلاح السلمى بالقرآن الكريم الذى أنزله رب العزة جل وعلا نورا وهدى للناس ، ولذا نقف ضد أكابر المجرمين الذين يصُدُّون عن سبيل الله جل وعلا ويبغونها عوجا . ونتعرض من كبيرهم في مصر للهجوم وتدمير موقعنا واعتقال أهالينا واتخاذهم رهائن لإسكاتنا عن قول الحق . ونحتسب معاناتنا وجهادنا عند رب العالمين ، ولا نبغى سوى رضاه جل وعلا علينا ، وأن ننجو من عذاب يوم عظيم . وصدق الله جل وعلا العظيم القائل : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) آل عمران 185 ).
وسبحان من يرث الأرض ومن عليها ، واليه يُرجعون .!

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي