النظرية الجديدة _ مقدمة الفصل السادس

حسين عجيب
2021 / 9 / 5

القسم الثالث _ النظرية الجديدة
مقدمة الفصل السادس
محاولة جديدة لتحديد الحاضر ، وتعريفه بشكل دقيق وموضوعي ..
مع أننا لا نعرف الحاضر الزمني ، سوى كعنصر في متلازمة الواقع المباشر ( الحاضر والحضور والمحضر ) .
ومع ذلك ، يمكن التقدم خطوة على طريق العلم والمنطق :
بديهي أن الحاضر مجال أو فجوة بين الماضي والمستقبل . حيث تسلسل مراحل الحاضر ( الزمنية ) ، يبدأ من المستقبل ، وينتهي في الماضي ، مرورا عبر الحاضر المباشر أو الآن . ومراحل الحضور ( الحياة ) على النقيض ، حيث البداية من الماضي ، إلى المستقبل ، وعبر الحاضر المباشر . المحضر بدوره أو المكان والاحداثية ، يتحدد بدلالة الحاضر والحضور .
....
الزمن ( أو الوقت ) مطلق ، ومجهول بطبيعته .
الحياة ظاهرة للحواس مباشرة ، وهي شديدة التنوع وما تزال شبه مجهولة .
المكان مرجع ، وإطار عام يمثل البعد الثالث للواقع والوجود .

1
الساعة أداة قياس الوقت الوحيدة ، الصحيحة ، ومعياره الدقيق والموضوعي .
تقيس الساعة الحركة التعاقبية للوقت مباشرة وبوضوح ، أيضا تقيس الحركة التزامنية ، لكن بشكل غير مباشر .
بعدما نفهم _ بالرغم من صعوبة ذلك _ أن المستقبل مصدر الوقت أو الزمن ، وليس الماضي .
بعدها يصير من الممكن وبسهولة ، نسبيا ، فهم الحركة الكلية للزمن والتي تتضمن مختلف الحركات المعروفة _ أيضا تلك التي ما تزال مجهولة ، وفي عهدة المستقبل والأجيال القادمة .
سرعة مرور الوقت ثابتة ، وموضوعية ، ومطلقة . ( وهذه ظاهرة تقبل الملاحظة والاختبار والتعميم بلا استثناء )
وهنا يتكشف خطأ اينشتاين الكبير ، ونتائجه الكارثية على العلم والعالم والثقافة العالمية الحالية . حين اعتبر أن الزمن ( أو الوقت ) نسبي ، ويتحرك بمختلف الاتجاهات بشكل عشوائي ، ويختلف من فرد لآخر !
الحقيقة ( التجريبية ) على النقيض من ذلك ، حيث أن سرعة مرور الساعة أو الدقيقة أو القرن أو مليارات السنين ثابتة ، وموحدة ، ومشتركة .
وهذا كان موقف نيوتن بالمناسبة .
....
أخطأ نيوتن في إهمال الحاضر ، واعتباره يساوي الصفر ( ضمنيا ) . حيث اكتفى بالتركيز على الماضي والمستقبل ، واعتبارهما يمثلان الزمن الحقيقي .
اينشتاين فعل العكس ، حين أهمل الماضي والمستقبل ، واعتبر أن الحاضر يمثل الزمن الحقيقي ، والوحيد أيضا . ( وهي فكرة التنوير الروحي ، المشتركة مع بوذية الزن خاصة ، وعمرها حوالي ثلاثة آلاف سنة ) .
....
للزمن ثلاثة أنواع ، لا يمكن الإضافة إليها ، ولا الانتقاص منها :
1 _ المستقبل ، ويشمل كل ما لم يحدث بعد .
2 _ الماضي ، ويتضمن كل ما حدث سابقا .
3 _ الحاضر ، بينهما بشكل ثابت ومطلق .
هذه الحقائق الزمنية ( الوقتية ) الثلاثة تمثل المعطى الأولي ، الثابت والمشترك .
خطأ الفيزيائيين الثلاثة ( نيوتن واينشتاين وستيفن هوكينغ ) أنهم تلاعبوا بها . نيوتن كان أقلهم في ذلك ، وأكثرهم رصانة .
2
كيف يمكن معرفة المجهول ، وغير المحسوس بطبيعته مثل الزمن ؟
الجواب الكلاسيكي ثلاثي :
1 _ القياس الأرسطي ( الصوري ) ، من الكل إلى الجزء .
أو معرفة الجزء بدلالة الكل ، مثاله النمطي والمبتذل :
كل انسان فان .
سقراط انسان .
سقراط فان .
2 _ الاستقراء ، من الجزء إلى الكل . وهو نقيض المنطق السابق .
أو من التجربة إلى القانون .
خلال القرن العشرين ، تأكد خطأ الاستقراء بفضل فلاسفة العلم كارل بوبر وبرتراند رسل على سبيل المثال ، وقبلهم ديفيد هيوم خاصة .
لا يمكن الانتقال من الجزء إلى الكل ، سوى بشكل جزئي ومحدود .
المثال الأبرز ، لا يمكننا تأكيد أن الشمس ستشرق غدا .
( ربما تحدث كارثة كونية ، أو تقوم القيامة كما يزعم رجال الدين ) .
3 _ الاستدلال . من الجزء إلى الجزء .
أنصح القارئ _ة المهتم _ة بمراجعة كتب الدكتورة يمنى طريف الخولي .
....
الفهم والمعرفة والحفظ علاقة تتام ، الحفظ أولا وفي البداية ، الفهم العام تاليا وفي المرحلة الثانية ، المعرفة أو المهارة أخيرا .
توجد أربع مراحل لاكتساب مهارة جديدة ، مثل السباحة أو تعلم لغة ، أو العزف أو الرقص أو الرسم وغيرها :
1 _ المرحلة الأولية : لا مهارة في اللاوعي .
2 _ المرحلة الثانية : لا مهارة في الوعي .
عبر عنها سقراط ( المعلم الأول ) : أنا لا أعرف .
بعدما تحاول _ين تعلم الصينية أو الإيطالية أو العربية ، تنتبه _ين إلى عدم معرفتك لها ، وجهلك الحقيقي بها .
3 _ المرحلة الثالثة : مهارة في الوعي .
السنة الأولى بقيادة السيارة ، أو التحدث باللغة الجديدة . حيث نحتاج للتركيز والانتباه والجهد .
4 _ المرحلة النهائية : مهارة في اللاوعي .
تغفو على سطح الماء عندما يكون الموج ساكنا . أيضا تفتحين حديثا مع الشرود خلال قيادتك للسيارة بعد سنوات .
3
كيف يأتي أي شيء من المستقبل ، الزمن خاصة ؟!
بصراحة لا أعرف .
وصدمتي ليست أقل من صدمتك ، حتى اليوم .
كيف يأتي أي شيء ، من جانب أو جهة : ما لم يحدث بعد !
....
أعتقد أن المشكلة اللغوية ، تمثل العقبة الأساسية والمشتركة .
المثال الأوضح العلاقة بين الحياة والزمن . بدون فهم الطبيعة المزدوجة للعمر الفردي ، حيث يتناقص الزمن وتتزايد الحياة بالتزامن _ مع أن محصلتهما الثابتة تساوي الصفر دوما _ يتعذر فهم الزمن والوقت .
4
ساعة الوقت تمثل المعيار المشترك ، والموضوعي في العالم المعاصر ، بصرف النظر عن الثقافة ودرجة نمو الشخصية والظرف والبيئة وغيرها . وأهمية هذا المعيار الواحد ، والموحد ، تتضاعف من جيل إلى آخر .
ساعة الحياة ، مع أنها عكس ساعة الزمن مثل وجهي العملة ، لا تصلح كمعيار بسبب طبيعة الحياة نفسها .
....
لكن تبقى المشكلة _ بل بؤرة المشكلات المزمنة _ الموقف التقليدي المشترك والسائد من الواقع والزمن خاصة .
ليس خطأ أحد الشعراء أو الفلاسفة أو العلماء وغيرهم ، بل هو خطأ الحدس المشترك والموروث . وربما تكون عادة تكررت بالصدفة ، مع أنه لا توجد ملاحظة واحدة أو مشاهدة تؤيده . والعكس تماما من جهة النظرة والنظرية ( الجديدة ) ، لا توجد مشاهدة واحدة تخالفها في أية نقطة على سطح الكوكب ، ومع ذلك بعد سنوات من إشهار النظرية ومناقشتها بشكل مفتوح تلقى الرفض أو التجاهل ، وكأن العالم ما يزال يعيش في القرون الوسطى ، لا في العقد الثالث من القرن 21 !؟!
....

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي