الفصل الخامس : صراع برسباى وشاه رخ حول الامارات الشرقية بينهما ( 833 : 835 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 9 / 4

الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل الخامس : صراع برسباى وشاه رخ حول الامارات الشرقية بينهما ( 833 : 835 )
عام 833 عام الطاعون
1 ـ أعاد المقريزى في احداث عام 833 ما ذكره سابقا عام 832 عن حرب ( داخل دار السلام ) بين إسكندر بن قرا وشاه رخ بن تيمورلنك ، فقال : ( وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم، وهو أن شاه رخ بن تيمور ملك المشرق، قدم إلى توريز في عسكر يقول المجازف عدتهم سبعمائة ألف. فأقام على خوي نحو شهرين، وقد فر منه اسكندر بن قرا يوسف، فقدم عليه الأمير عثمان بن طر علي- المعروف بقرا يلك التركماني- صاحب آمد في ألف فارس، فبعثه على عسكر لمحاربة اسكندر، وسار في إثره، وقد جمع اسكندر جمعاً يقول المجازف إنهم سبعون ألفاً، فاقتتل الفريقان خارج توريز، فقتل بينهما آلاف من الناس، وانهزم اسكندر وهم في أثره يقتلون ويأسرون وينهبون فأقام اسكندر ببلاد الكرج ( جورجيا حاليا ) ، ثم نزل بقلعة سلماس، وحصرته العساكر مدة، فنجا منهم، وجمع نحو الأربعة آلاف، فبعث إليه شاه رخ عسكراً أوقعوا به وقتلوا من معه، فنجا بنفسه جريجاً .) .
تعليق
من مظاهر البلاء الذى ذكره المقريزى هو القتال بين أكابر المجرمين حول تيروز والذى سفك دماء ألاف الناس من المستضعفين في الأرض . ثم توالى السلب والنهب ، والضحايا هم المدنيون المستضعفون.
2 ـ وقال المقريزى عن مأساة الموصل وبغداد : ( وفي مدة هذه الحروب ثار أصبهان بن قرا يوسف، ونزل على الموصل ونهب تلك الأعمال، وقتل وأفسد فساداً كبيراً، وكانت بعراقي العرب والعجم نهوب وغارات ومقاتل، بحيث أن شاه محمد بن قرا يوسف- متملك بغداد- من عجزه لا يتجاسر على أن يتجاوز سور بغداد، وخلا أحد جانبي بغداد من السكان، وزال عن بغداد اسم التمدن، ورحل عنها حتى الحياك، وجف أكثر النخل من أعمالها، ومع هذا كله، فوضع شاه رخ على أهل توريز مال الأمان، حتى ذهبت في جبايته نعمهم، ثم جلاهم بأجمعهم إلى بلاده، وكثر الإرجاف بقدومه إلى الشام، فأوقع الله في عسكره الغلاء والوباء حتى عاد إلى جهة بلاده، وعاد قرا يلك إلى ماردين فنهبها، ونهب ملطية وما حولها إلى عينتاب وحرقها . ) .
3 ـ وعمّا فعله شاه رخ بأهل توريز : يقول المقريزى : ( ومع هذا كله، فوضع شاه رخ على أهل توريز مال الأمان، حتى ذهبت في جبايته نعمهم، ثم جلاهم بأجمعهم إلى بلاده، وكثر الإرجاف بقدومه إلى الشام، فأوقع الله في عسكره الغلاء والوباء حتى عاد إلى جهة بلاده. ) .
تعليق
سار شاه رخ على دين أبيه تيمورلنك ، فخدع أهل توريز بالأمان ثم صادر أموالهم ، وبعدها أخرجهم جميعا من ديارهم ، واسكنهم في بلاده . وكان على وشك أن يتقدم غربا الى الشام ( المملوكى ) لولا أن منعه الغلاء والوباء .
4 :وعمّا فعله قرايلك بمدن ماردين وملطية وحتى عينتاب يقول المقريزى : ( وعاد قرا يلك إلى ماردين فنهبها، ونهب ملطية وما حولها إلى عينتاب وحرقها. ). أما قرايلك فقد نهب ماردين وملطية وما حولها الى عينتاب ، وهى بلد المؤرخ القاضي الحنفى العينى.
5 ـ وتحرك قرايلك نحو الفرات مهددا تخوم الدولة المملوكية في الوقت الذى استعد فيه شاه رخ . وانتشرت شائعات حول هذا وذاك . قال المقريزى : ( وكثر الإرجاف بحركة قرا يلك على البلاد الفراتية وأن شاه رخ بن تيمور شتا على قرا باغ ، فأخذ السلطان في تجهيز العسكر للسفر‏.).
6 ـ جمادى الأولى 833 ( وفي ثامنه: ورد كتاب اسكندر بن قرا يوسف، بأن شاه رخ عاد إلى بلاده وأنه هو رجع إلى توريز، وقصده أن يمشي بعد انقضاء الشتاء لمحاربة قرا يلك صاحب آمد ). صراع بين إسكندر بن قرا يوسف حليف برسباى وقرايلك حليف شاه رخ . أي صراع بين أكابر المجرمين في الشرق ( العراق وشرق العراق ). إسكندر بن قرا يوسف يخبر حليفه برسباى بالأوضاع . في نفس الشهر يقول المقريزى : ( وقدم كتاب قرا يلك يسأل العفو عن ولده هابيل وإطلاقه. )
7 ـ لذا ، تأهب برسباى لتجهيز حملة حربية يقودها بنفسه لتأمين تخوم ( إمبراطوريته ) المجاورة للعراق وآسيا الصغرى من خطر شاه رخ . وجاء في شهر شعبان في هذا العام قول المقريزى :( وفيه كثر الإستعداد لسفر السلطان‏.) . هو توتُّر بين برسباى وابن تيمورلنك الذى ورث مملكة أبيه في المشرق.
شاه رُخ يزايد دينيا وعلميا على برسباى
هما ينتميان لنفس الدين السُّنّى ، ويتصارعان طبقا لشريعته ، لذا فالمنتظر أن يحدث على هامش الصراع العسكرى والسياسى مزايدة دينية يقوم بها شاه رخ الذى زايد دينيا على السلطان برسباى المتحكم في الحجاز وفريضة الحج . ومن ملامح هذا ما رصده المقريزى في الأخبار التالية :
1 ـ ( وفي رابع عشرينه‏:‏ ( محرم 833 ) قدم رسول ملك المشرق - شاه رخ بن تيمور - بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر ، وتاريخي السلوك للدول الملوك ويعرض فيه بأنه يريد أن يكسو الكعبة ويجري العين بمكة‏. ).
تعليق
شاه رخ سمع بكتاب ( فتح البارى ) لابن حجر ، ولم يكن ابن حجر قد أكمله بعدُ ، فأرسل يطلبه من ابن حجر . كما سمع بكتاب السلوك للمقريزى ، وكان المقريزى لا يزال يسجل فيه تأريخ عصره . ولم يذكر المقريزى هل أرسل اليه بكتابه ( السلوك ) وهل أرسل اليه ابن حجر بكتابه شرح البخارى . وارسل شاه رخ أيضا يطلب من برسباى أن يقوم بكسوة الكعبة وأن يجرى عين ماء بمكة ، ومن الطبيعى أن يرفض برسباى هذا الطلب .
2 ـ في شهر شعبان قال المقريزى :( وفيه كثر الإستعداد لسفر السلطان‏.).علم شاه رخ بهذا ، فارسل الى برسباى رسالة وصلت في شهر رمضان ، يذكر المقريزى : ( وفي ثالث عشرينه‏:‏ قدم رجل أدعى أنه شريف - اسمه هاشم - بكتاب شاه رخ ابن تيمور ومعه هدية هي عدة قطع فيروزج و لم يختم الكتاب ولا كتب فيه بسملة بل ابتدأه بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ‏"‏ إلى آخر السورة وخاطب السلطان فيه بالأمير برسباي ).
تعليق
أي إن رفض برسباى الطلب السابق من شاه رخ جعل الأخير يرسل له رسالة أخرى مستفزّة ، يخاطبه فيها بالأمير وليس بالسلطان ، ويهدده بمصير أصحاب الفيل . الرسول هنا ينتمى ــ بزعمهم ـ الى الأشراف ، وقد جاء بهدية تافهة . شاه رخ في رسالته يعامل برسباى باحتقار ويصفه بأنه ( أمير )، ويهدده بسورة ( الفيل ) .!
عام 834
1 ـ في 17 من شهر المحرم ذكر المقريزى تجمعت حملة عسكرية مملوكية خارج القاهرة ، لأن قرايلك خصم برسباى استولى على مدينة ملطية ونهبها وحرقها وحاصر قلعتها ، فخرج اليه نائب السلطان في الشام ( سودون من عبد الرحمن ) ، وتجهزت هذه الحملة تعضيدا له .
2 ـ وفى شهر صفر أوقف برسباى هذه الحملة ، واستعاد من قادتها وجندها ما أنفقه عليهم .
3 ـ مع بدء شهر ربيع الآخر تجدد خطر قرايلك ، فعاد التفكير في ارسال حملة لتأديبه .
عام 835
1 ـ في شهر صفر جاءت الأخبار بخراب العراق من توريز الى بغداد بسبب الجراد الى التهم المحاصيل ، هذا مع غارات الأكراد ، فاشتد الغلاء ، يقول المقريزى : ( وقدم الخبر بأن الخراب شمل البلاد من توريز إلى بغداد، مسيرة خمسة وعشرين يوماً بالأثقال، وأن الجراد وقع بتلك البلاد حتى لم يدع بها خضراً، مع شدة الوباء وانتهاب الأكراد ما بقي، وأن الغلاء شنع عندهم حتى أبيع المن من لحم الضأن- وهو رطلان بالمصري- بدينار ذهب، وأبيع لحم الكلب كل من بستة دراهم، وقد كثر الوباء ببغداد والجزيرة وديار بكر، ومع ذلك فقد عظم البلاء بأصبهان بن قرا يوسف بناحية الحلة والمشهد ). أي لم تمنع هذه المصائب من فساد أصبهان بن قرا يوسف في مدينتي الحلة ومشهد .
2 ـ في شهر جمادى الأولى ، يقول المقريزى : ( وفي هذه الأيام: قدم بيرم التركماني الصوفي صاحب هيت فاراً من أصبهان بن قرا يوسف، وقد قتل السلطان حسين، وملك الحلة، فخرج بيرم من هيت في ستمائة من أصحابه، فيهم ثلاثمائة فارس، فلقيته غزية عرب تلك البلاد، فأخذوا من كان معه، وكان جمعاً غفيراً ما بين تجار وغيرهم ونجا في طائفة معه، فأكرمه السلطان، وأنزله وأجرى له راتباً يليق به، ثم أقطعه بناحية الفيوم إقطاعاً معتبراً )
تعليق
( هيت ) مدينة عراقية على الفرات ، وحاكمها ( بيرم ) التركمانى الصوفى شارك في صراعات العراق والشرق ، وقد انهزم وهرب ، ولاحقته الهزائم في هربه ، ولجأ الى برسباى فآواه وأكرمه ، وأعطاه راتبا وأعطاه قرية في الفيوم أقطعها له ، بما فيها الفلاحون المصريون الغلابة ( أقنان الأرض ).! فهذا الخاسر الهارب لن يزرع تلك القرية المصرية بنفسه ، بل بسواعد الفلاحين تحت ضرب ( المشدّ ) المعيّن لضرب الفلاحين .!

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي