الفصل الثالث : صراع برسباى وشاه رخ حول الامارات الشرقية بينهما: ( 825 : 831 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 31

الباب الختامي : مقارنة بين العسكر المملوكى والعسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
المحور الأول : مكانة مصر الدولية في العصر المملوكى وكيف أضاعها العسكر المصرى الراهن الخائب الخائن
الفصل الثالث : صراع برسباى وشاه رخ حول الامارات الشرقية بينهما: ( 825 : 831 )
مقدمة
1 ـ قبل مبعث خاتم النبيين عليه وعليهم السلام دارت حروب بين اقوى قوتين في العالم وقتها ( الفرس والروم ) . كان من ضمنها حروب الوكالة بين إمارتين عربيتين على تخوم الفرس والروم ، وهما ( المناذرة ) جنوب العراق ، والغساسنة جنوب الشام . مع أن الغساسنة والمناذرة أبناء عمومة ينتميان الى قبائل اليمن إلا إنه تم إستغلالهما في هذه الحرب بالوكالة بين أقوى قوتين في العالم وقتها .
2 ـ في النصف الثانى من القرن الماضى دارت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتى والغرب بقيادة أمريكا ، كما دارت الحروب الوكالة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى ، وتحاربت دول في هذا النوع من الحرب بالوكالة .
3 ـ بعد تدميره حلب ودمشق وغيرهما عاد تيمورلنك الى الشرق ، وقد شملت امبراطوريته من العراق غربا الى أواسط آسيا شرقا ، بموته تنازع أبناؤه ، وانتهى النزاع الداخلى بسيطرة شاه رخ بن تيمورلنك ، فتملك هراة وسمرقند وشيراز وغيرها ، ولكن في فترة التنازع نشأت دويلات في العراق ، ونشبت صراعات بينهم وبين شاه رخ تدخل في اطار ( الحروب بين أكابر المجرمين من المحمديين داخل دار السلام ) .
4 ــ ( شاه رخ ) المتوفى 851 ، هو الذى حكم ما يسمى ببلاد العجم ( هراة ، سمرقند ، شيراز ) وأجزاء من العراق . وكانت لبرسباى علاقة متوترة مع السلطان شاه رخ ابن السلطان تيمورلنك . برسباى كان في الشام وشهد فظائع تيمورلنك ، وانهزم مع المنهزمين . وبعد أن استتبت الأمور لشاخ رخ كان برسباى سلطانا ، وذكرياته القديمة تجعله يتوقع الشّر من ابن تيمورلنك . زادها أن شاه رخ قد دخل في معارك مع الامارات المتاخمة له غربا ، حيث إمارة إسكندر بن قرا يوسف المتحالف مع برسباى ، وكان يحكم في شرق الاناضول وأذربيجان وأجزاء من ايران وبغداد، وكانت تفصل العراق التابع لشاه رخ عن بقية املاكه في الشرق ، وبالقضاء عليها تتوحد امبراطورية شاه رخ ويصبح متاخما للدولة المملوكية ، وخطرا عليها . كان هذا مبعث قلق هائل للسلطان برسباى خوف أن يكرر شاه رخ ما فعله أبوه تيمورلنك في الشام . الصراع بين الغريمين برسباى وشاه رخ دار على أرضية الامارات الواقعة بينهما ، ولم تحدث مواجهة حربية بينهما ، ولكن دارت الحرب بالوكالة بينهما في مناطق التخوم بينهما . وتباينت الولاءات في مناطق التخوم تلك ، حسب المصلحة ، وتعقدت ، وشارك فيها ظهور جانبك الصوفى ــ عدو برسباى اللدود الهارب من سجنه ــ في هذه المنطقة . على هامش هذا الصراع كانت رغبة شاه رخ بالوصول الى الكعبة لانتزاع الريادة الدينية السُّنّة من الدولة المملوكية . مع ملاحظة أن مصر المملوكية كانت تتزعم ( دار السلام والإسلام ) في مواجهة ( دار الحرب / الصليبيين الفرنجة ) في حرب بحرية مستمرة مع ( دار الحرب / الفرنجة الصليبيين ). وصاحبنا السلطان برسباى هو الذى احتل قبرص ركيزة الصليبيين. هذا، بينما لم يشتبك تيمورلنك ولا إبنه شاه رخ إلا مع المحمديين داخل فيما يسمى ب ( دار السلام والإسلام ) .
5 ـ الصراع بينهما في مناطق التخوم بينهما كان معقدا ، وزاد في تعقيده هروب جانبك الصوفى غريم برسباى وظهوره في مناطق التخوم متحالفا مع خصوم برسباى ، وظل شوكة في حلق برسباى الى أن قُتل قبيل موت برسباى عام 841 .
6ـ وبسبب تعقد الصراع وتداخله رأينا نتتبعه موضوعيا وسنويا ممّا قاله مؤرخنا المقريزى في السلوك ، مع تعليقات .
أولا : أهم الأحداث من تولى برسباى السلطنة ( في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة )، حتى عام 831
1 ـ أخبار العراق وصراع حاكم بغداد مع شاه رخ :
1 / 1 : جمادى الأولى 825
1 / 1ـ ( وقدم الخبر بقحط العراق وشدة الغلاء ، وسبب ذلك أن شاه محمد بن قرا يوسف متملك بغداد خاف من قدوم شاه رخ بن تيمورلنك ، فمنع الناس من الزرع ، وطرد ضعفاء الناس ، فنزحوا عن العراق ، وقدم منهم كثير الى بلاد الشام ، وجمع أهل القوة عنده في بغداد ، فكان القحط والغلاء عقوبة من الله لهم بما هم عليه من القبيح ) .
تعليق
بسبب خوف شاه محمد بن قرا يوسف حاكم بغداد من شاه رخ فقد طرد المدنيين من أهل بغداد ، وحشد بغداد بالأقوياء للدفاع عنها . وتعليق المقريزى بأن القحط والغلابة عقوبة الاهية مترتبة على فساد حاكم بغداد شاه محمد بن قرا يوسف ، ثم كان أخوه اسكندر بن قرا يوسف أكثر فسادا منه ، وكان متحالفا مع برسباى ضد العدو المشترك شاه رخ بن تيمورلنك . يقول الخبر التالى :
1 / 2 ـ شعبان 825
( وفيه قدم رسول إسكندر بن قرا يوسف ، ومعه رأسان ، زعم انهما رأس متملك السلطانية نيابة عن شاه رخ بن تيمور لنك ، ورأس نائبه بشيراز . ) .
تعليق
هزم إسكندر بن قرا يوسف حاكمين تابعين لشاه رخ ، وبعث برأسيهما الى حليفه برسباى .
1 / 3 : ذو الحجة عام 831
( وفي سابع عشرينه (ذي الحجة 831 ): قدم مبشرو الحاج وأخبروا بسلامة الأمن والرخاء، وأنه قدم محمل من العراق معه أربعمائة جمل تحمل الحاج، جهزه حسين بن علي ابن السلطان أحمد بن أويس من الحلة، وكان قد استولى على ششتر وصاهر العرب، فقوي بهم، وناهض شاه محمد بن قرا يوسف صاحب بغداد. ).
تعليق :
صراع بين ابن أويس حاكم الحلة وشاه محمد بن قرا يوسف حاكم بغداد . بالإضافة الى صراع الأخوين إسكندر وشاه محمد إبنى قرا يوسف مع شاه رخ في المشرق . تحالف ابن واويس مع الأعراب في مواجهة حاكم بغداد شاه محمد بن قرا يوسف .
1 / 4 : قال المقريزى في وفيات عام 835 عن ( إبن أويس ): ( السلطان حسين بن علاء الدولة بن القان غياث الدين أحمد بن أويس.) : ( وكان قد أقيم بعد أحمد بن أويس في السلطة ببغداد شاه ولد بن شاه زاده بن أويس، ثم قتل بعد ستة أشهر بتدبير زوجته تندو ابنة السلطان حسين بن أويس، وقامت بالتدبير، ثم خرجت من بغداد بعد سنة فراراً من شاه محمد بن قرا يوسف، ونزلت ششتر في عدة من العسكر، وملك شاه محمد بغداد، فأقيم مع تندو في السلطنة السلطان محمود بن شاه ولد؛ فدبرت عليه وقتلته بعد خمس سنين، وانفردت بمملكة ششتر، وملكت البصرة، بعد حرب شديدة، ثم ماتت بعد انفرادها بثلاث سنين، فأقيم ابنها أويس بن شاه ولد، وقتله أصبهان بن قرا يوسف في الحرب بعد سبع سنين، وأقيم بعده بششتر أخوه شاه محمد بن شاه ولد، فمات بعد ست سنين وقام من بعده حسين بن علاء الدولة وملك البصرة، وواسط، وعامة العراق ما عدا بغداد، فإنها بيد شاه محمد بن قرا يوسف. ولم يزل محارباً لأصبهان بن قرا يوسف حتى نزل عليه أصبهان وحصره بالحلة مدة سبعة أشهر، حتى أخذه وقتله في ثالث صفر من هذه السنة، فانقرضت بمهلكه دولة الأتراك بني أويس من العراق، وصار عراقا العرب والعجم بيد اسكندر وشاه محمد وأصبهان- أولاد قرا يوسف- وقد خرب على بأيديهم . )
تعليق :
1 ـ هذا عرض موجز للصراع في العراقين العربى والعجمى ، وكيف أسفر عن تغلب ولدى قرا يوسف ( شاه محمد واصبهان ) ، وما أدى اليه هذا الصراع بين ( المحمديين داخل ( دار السلام ) الى تدمير المنطقة ، ووجود أطماع وحروب مع شاه رخ ، ويضاف اليه قرايلك حاكم آمد خصم برسباى .
2 ـ زاد من تعقد الموضوع هروب جانبك الصوفى غريم برسباى من سجنه ، وقد بحث عنه برسباى في مصر دون جدوى . ونتتبعه من عام 826 الى 829 حسبما قال المقريزى :
2 / 1 : عام 826
شهر شعبان : ( في يوم الجمعة سابعه: ورد الخبر بأن الأمير جانبك الصوفي فرّ من السجن بالإسكندرية، فلم يقدر عليه، فقبض بسببه على جماعة وعوقبوا عقوبات كثيرة . ).
2 / 2 : ذو القعدة : ( وفي هذه الأيام: اشتد الفحص عن الأمير جانبك الصوفي، وعوقب بعض المماليك حتى هلك بسببه. وقبض على أصهاره وعوقب بعضهم، وأخذت له أشياء وجدت له. ) .
2 / 3 : ذو الحجة : ( وفيه كبست عدة أماكن بسبب جانبك الصوفي فلم يوجد ).
2 / 4 : إستمرار البحث عن جانبك الصوفى في عام 827
2 / 4 / 1 : ( والسلطان في قلق من جانبك الصوفي، وهو حثيث الطلب له، والفحص عنه. والناس في تخوف من ذلك، فما بين الواحد وبين هلاكه، إلا أن يقول عدو له: جانبك الصوفي عند فلان فيؤخذ ويعاقب حتى يهلك .).
2 / 4 / 2 : شهر صفر : ( وفي سابع عشرينه: نودي على جانبك الصوفي، ووعد من أحضره بألف دينار، وإن كان جندياً بإمرة عشرة وهدد من أخفاه وظهر عنده، بإحراق الحارة التي هو ساكن بها، وحلف المنادي على كل واحدة مما ذكر يميناً عن السلطان . ) .
2 / 5 : استمرار تتبع جانبك الصوفى عام 829 : ( وفي يوم الجمعة 28 ربيع الأول 829 : أركب السلطان كثيراً من مماليكه، ونزلوا في عدة من الأمراء إلى القاهرة متقلدي سيوفهم، حتى طرقوا الجودرية- إحدى الحارات- وأحاطوا بها من جميع جهاتها، وفتشوا دورها، وقد وشى للسلطان بأن جانبك الصوفي في دار بها، فلم يعثروا عليه، وقبض على فخر الدين بن المرزوق وضرب بالمقارع ونفي، لتعلق بينه وبين جانبك الصوفي من جهة المصاهرة، ونودي من الغد بأن لا يسكن أحد بالجودرية، فأخليت عدة دور بها، واستمرت زماناً خالية، فكانت حادثة شنعة . )
تعليق
1 ـ إشتعل خوف برسباى من غريمه الهارب جان بك الصوفى ، وفى بحثه عن غريمه إرتكب برسباى فظائع ، فأى وشاية بشخص أنه يؤوى جان بك الصوفى تعنى تعذيب ذلك الشخص حتى الهلاك . في عصور الاستبداد يشيع الظلم الى درجة أن يتظالم الناس فيما بينهم ، ويكون أكثرهم ظالما ومظلوما ، وتشيع الوشايات السامة ، كان هذا في حكم العسكر المملوكى ، وأحياه العسكر المصرى الحاكم من عام 1952 .
2 ـ ونلاحظ أن المنادى يُقسم نيابة عن برسباى ترغيبا وترهيبا . المفجع هنا تهديد برسباى بإحراق أي حارة يختفى فيها جان بك الصوفى . أي معاقبة الأبرياء الذين لا شأن لهم بهذا الصراع بين أكابر المجرمين . وقد هرب الى خارج مصر فيما بعد ، وظهر في هذه المنطقة المضطربة ، وظل شوكة في حلق برسباى الى قبيل موت برسباى عام 841 .
3 ـ في عصرنا نجد ( السلطان السيسى ) قد إعتقل خصومه من قادة العسكر ، ( شفيق و عنان ) وهما أعلى منه رُتبة بمثل ما كان جان بك الصوفى أعلى رتبة من برسباى . ولكن العسكر المملوكى لم يعاقبوا المدنيين على أقوالهم كما يفعل السيسى بالمعارضة القولية للمصلحين والحقوقيين .
4 ـ في الإسلام قاعدة ( ألّا تزر وازرة وزر أخرى )، ولكن في تطبيق الشريعة السُّنّية نقيض ذلك . السلطان العسكرى الحاكم في مصر الآن يعاقب أقارب المعارضين من الخارح ـ أمثالنا ، يتخذهم رهائن ليضغط علينا حتى نسكت ونصمت . لا جديد في الاستبداد العسكرى المصرى ، سوى أن العسكر المصرى الحاكم الآن لا ينتصر إلا على الشعب المصرى الأعزل ، ويفرّط في أرض الوطن وحقوقه ، عكس العسكر المملوكى ( الغريب ) الذى وصل بأملاك مصر الى الحجاز وشمال العراق .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية