المقريزى : أعظم المؤرخين الذى لم يكن من أكابر المجرمين ( 1 من 3 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 25

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى
الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )
المقريزى : أعظم المؤرخين الذى لم يكن من أكابر المجرمين ( 1 من 3 )
أولا : المقريزى مؤرخا
1 ـ المقريزى هو :( تقى الدين أحمد بن على (766- 845 ) ، تفرّغ معظم حياته للكتابة التاريخية. تعددت وتكاثرت مؤلفات المقريزى. كتب في معظم مراحل التاريخ حتى عصره ، وفى التاريخ العام والتاريخ العالمي بالإضافة إلى المؤلفات المتخصصة في شتى نواحى الحياة والحضارة المصرية والمعارف المصرية، نعرض لبعضها :
1 / 1 : في التاريخ العام : كتب المقريزى مؤلفاته الضخمة مثل (الخبر عن البشر)، (الدرر المضيئة في تاريخ الدولة الإسلامية)، (أمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع).
1 / 2 : وفي التراجم ( تاريخ الأشخاص ) : وضع المقريزى كتابين للترجمة لرجال مصر، هما (المقفي الكبير) ويقع فى أربع مجلدات مخطوطة، وقد جمع فيه تراجم لكل من وفد على مصر منذ الفتح أو عاش فيها. وله أيضا ( درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة)، عن أعيان عصره ، وكان يكثر من الاشارة اليه فى كتبه الأخرى .
1 / 3 : تاريخ العمران المصرى : وضع موسوعته الكبيرة (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والأثار) وهى المعروفة بخطط المقريزى ، وفيه أرخ للمدن المصرية ومعالمها والحياة الاجتماعية فيها.
1 / 4 : في التاريخ المصري وضع ثلاثة كتب ضخمة هى:
1 / 4 / 1 : (تاريخ مدينة الفسطاط) الذى أرخ فيه لمصر منذ الفتح العربي إلى الفتح الفاطمي .
1 / 4 / 2 : فى تاريخ العصر الفاطمى كتب نقلا عن المسبّحى وغيره ( اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا).
1 / 4 / 3 : ثم كتابه الأشهر : ( السلوك لمعرفة دول المملوك) وأرخ فيه لمصر في العصرين الأيوبي والمملوكى إلى قبيل وفاته سنة 845هـ . وكان ينقل عن المؤرخين السابقين باختصار وحرفية نادرة ، حتى إذا وصل الى عصره أصبح يؤرخ شاهدا على عصره متوسعا وشاملا فى الأجزاء الأخيرة من ( السلوك ) ، ومنها الجزء الرابع القسم الثانى ، وقد تعرض فيه لعصر السلطان برسباى ، وهو موضوعنا هنا حيث نتخذه شاهدا على التطبيق العملى للشريعة السنية وقتها.
1 / 5 : له رسائل وكتب صغيرة متخصصة وعظيمة الفائدة ، عن النقود والمجاعات وتاريخ الأعراب والاقتصاد والغناء والأحوال الدينية وآل البيت والنزاع بين الأمويين والهاشميين وبنيان الكعبة ومن حج من الملوك وحلّ لغز الماء.
2 ـ بالإضافة الى هذه الكثرة والتنوع فقد تميز المقريزى بالأسلوب العلمى التاريخى ، مع وقوفه ضد الظلم وشجاعته في نقد الظالمين وفق ثقافة عصره . ولا نعلم من هو أكثر شجاعة منه في نقد عصره في مؤرخى العصور الوسطى .
ثانيا : كتاب ( السلوك لمعرفة دول الملوك ) بين كتب الحوليات التاريخية
1 ـ كتب الحوليات التاريخية هي التي تسجل الأحداث بالحول ، أي بالعام سنة بعد سنة ، بما يشبه النشرة الإخبارية التي تتبع ما يحدث حول المؤرخ ، والعادة أن يتخذ المؤرخ نقطة ارتكاز له، وأن يبدأ تاريخه بالنبى محمد عليه السلام وعصره ينقل ما كتبه ابن إسحاق وابن هشام، ويسير بعدئذ مع تاريخ الخلفاء ينقل عن الواقدى وابن سعد كاتب الواقدى ومن بعدهم . ثم إذا وصل الى عصره أصبح يكتب من واقع المشاهدة والمعاصرة ، ويأتي من بعده ينقلون عنه الى عصرهم ، فتتواصل الحوليات التاريخية ترصد وتؤرّخ تاريخا يكمل اللاحق السابق .
2 ـ هكذا فعل الطبرى الذى عاش في العصر العباسى بين عامي ( 224 : 310 ) وهو صاحب أشهر الحوليات التاريخية: ( تاريخ الأمم والملوك )، وسار اللاحقون على منواله يكملون بعده التأريخ لعصرهم . إتّخذ الطبرى من بغداد والعراق مركزا لتسجيل ما يحدث في عصره ، حيث كانت الخلافة العباسية في بغداد هي مركز العالم ، ومنها نظر الطبرى الى بقية العالم المعروف لديه بتفصيلات أقل . وقد سار على منواله في التاريخ الحولى كثيرون ، كتبوا تاريخ الأعوام التالية ، وكان أشهرهم ابن الجوزى ( 510 : 597 ) في ( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم )، ومثله فعل المؤرخ ابن الأثير ( عز الدين ) ( 555 : 630 ) في تاريخه ( الكامل ) ، ثم في بداية العصر المملوكى : ابن كثير الدمشقى ( 701 : 774 ) في تاريخه ( البداية والنهاية ). وتوالت الكتابات الحولية لتصل قمّتها فيما كتبه المقريزى في : ( السلوك لمعرفة دول الملوك ). ومن جاء بعد المقريزى من مؤرخى الحوليات لم يصل الى مستواه.
المقريزى في تاريخه ( السلوك )
1 ـ في التأريخ للسابقين توقف المقريزى مع انتهاء العصر الفاطمى بكتابه ( إتعاظ الحُنفا ) . وجعل الأجزاء الأولى من كتابه ( السلوك ) في التاريخ الأيوبى بدءا من صلاح الدين الأيوبى ، أي من ( سنة ثمان وستين وخمسمائة ) . يقول : ( فيها خرج السلطان صلاح الدين بعساكره يريد بلاد الكرك والشوبك، فإنه كان كلما بلغه عن قافلة أنها خرجت من الشام تريد مصر خرج إليها ليحميها من الفرنج، فأراد التوسيع في الطريق وتسهيلها، وسار إليها وحاصرها، فلم ينل منها قصدا وعاد. وفيها جهز صلاح الدين الهدية إلى السلطان نور الدين. ) . نقل المقريزى باختصار عن المؤرخين الذين عاصروا الدولة الأيوبية . ثم استمر في النقل ممّن سبقه من المؤرخين للعصر المملوكى بنفس الاختصار ، حتى إذا وصل الى عصره ( عصر السلطان برقوق ) أفاض في التسجيل التاريخى بتوسع ، عكس ما فعله أبو المحاسن في تاريخه ( النجوم الزاهرة ) . جدير بالذكر أن إبن إياس اتبع طريقة المقريزى في تاريخه ( بدائع الزهور ) حيث بدأ بالنقل عن السابقين ، ثم توسع في تسجيل أحداث عصره ، مع نبرة نقدية .
2 ـ لم يُعط المقريزى في ( السلوك ) معلومات عن أحواله الشخصية ، كما فعل ابن حجر وأبو المحاسن ، إلا إنه أحيانا كان يذكر حضوره شاهد عيان على بعض الأحداث ، نوعا من التوثيق التاريخى . وهناك خبر شخصى وحيد ذكره يستحق الوقوف عنده . قال في أحداث شهر رييع الأول عام 826 : ( وماتت ابنتي فاطمة يوم الأربعاء ثالث عشرين ربيع الأول ، وهي آخر من بقي من أولادي، عن سبع وعشرين سنة وستة أشهر. ) مات أبناؤه فلم يذكرهم في تاريخه ، ثم في النهاية ماتت إبنته فأصبح وحيدا وكان وقتها قد بلغ الستين من عمره ، فسجّل هذا ، وعاش بعدها حوالى عشرين عاما ،عازفا عن المناصب طيلة عمره ، متفرغا لكتاباته التاريخية .
3 ـ وأنهى كتاب السلوك ( سنة أربع في أربعين وثمانمائة ) التي قال في مقدمة أحداثها : ( أهلت هذه السنة، والخليفة المعتضد باللّه أبو الفتح داود بن المتوكل، وسلطان الإسلام الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد جقمق .). مات في العام التالى، ولا نعرف ما عاناه في عامه الأخير الى وفاته. رحمه الله جل وعلا.
ميزة الطبرى في ( السلوك ) في تسجيله للتاريخ المعاصر
1 ـ كان تسجيله عالميا ، يتجاوز الدولة المملوكية ( ما بين حدود العراق والأناضول الى الحجاز ومصر ) الى ما بين الهند والأندلس ، مرورا بأواسط آسيا وتركيا واليمن والحبشة وأواسط أفريقيا وتونس والمغرب ، هذا مع تركيزه على القاهرة وما يحدث فيها باعتبارها وقتها مركز العالم . كان له ( مراسلون ) يبعثون له بأخبار ما يحدث بعيدا عنه ، وكانت الأخبار تأتى الى المقريزى من الشام والعراق وأجوارها كما تأتى له من شمال أفريقيا واليمن ، فيسجلها في أحداث الحول أو العام ، وبالشهر وباليوم وأحيانا بالساعة . بما يشبه النشرة الإخبارية في صحف عصرنا ، مرتبة متتابعة بالشهور العربية من أول محرم الى نهاية ذي الحجة. وكانت خدمة البريد مستمرة ومستقرة تربط بين أطراف الدولة المملوكية وعاصمتها القاهرة ، ولم يكن البريد يحمل فقط الأوامر والشئون الرسمية بل أيضا الأخبار ، وحين تصل الأخبار اليه يسجلها وفقا لزمن وصولها اليه ، وقد يشير الى حدوثها قبل تسجيله لها ، وقد يقوم بتنقيحها وإعادة كتابتها ، ويتضح هذا لمن يدقق في سطور ( السلوك ) ، وقد يذكرها ضمن أحداث العام ، أو أحداث الشهر دون تحديد لليوم ، خصوصا إذا استمرت أحداثها متتابعة . ثم في نهاية كل عام يذكر لمحة تاريخية عمّن مات في هذه السُّنة .
2 ـ لا يعيب المقريزى تركيزه على أكابر المجرمين من السلاطين وأعوانهم ، فهو في مؤلفات أخرى كتب عن أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية والدينية . ثم إن هذا متسق مع عنوان كتابه ( السلوك لمعرفة دول الملوك )، أي يؤرّخ أساسا للملوك وليس للناس . ولكن العيب في نظرنا هو فيما كتبه ابن حجر في : ( إنباء الغُمر بأبناء العمر )، أي طبقا لعنوان الكتاب يجب أن يتكلم عن أحوال الناس الذين عاصرهم في عُمره، ولكنه طاف حول من ينتمى اليهم من أكابر المجرمين . ونفس الحال مع أبى المحاسن في تأريخه الحولى:( النجوم الزاهرة ) و( حوادث الدهور) . المؤرخ اللاحق المؤرخ القاضي الصيرفى عاصر السنوات الأخيرة من حياة أبى المحاسن ، وسجل عصر السلطان قايتياى في تاريخه ( إنباء الهصر )، وكان أكثر تعبيرا عن الشعب المصرى من أبى المحاسن ، وتلاه المؤرخ ابن اياس ( 852 : 930 )، والذى بدأ تاريخه الحولى ( بدائع الزهور ) بالسيرة النبوية والخلفاء الى أن وصل لعصره حيث عاصر نهاية العصر المملوكى والفتح العثمانى . وقد كان ينتمى مثل أبى المحاسن لطبقة ( أولاد الناس ) ومن أصل مملوكى ، وتفرّغ مثل المقريزى للكتابة التاريخية ، ومع ثقافته الرشيقة فقد كان صاحب رؤية نقدية وأكثر إهتماما بأحوال الناس من ابن حجر وأبى المحاسن . كان تلميذا متأثرا بالمقريزى مع الفارق الزمنى والثقافى بينهما .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية