الواضح وغير الواضح في احداث افغانستان!؟ (محاولة للفهم!)

سليم نصر الرقعي
2021 / 8 / 24

الشيء المؤكد والواضح والمفهوم بالنسبة لي فيما جرى في افغانستان هو ان الامريكان سلموا افغانستان لطالبان مع سبق تخطيط وتعمد عبر محادثات سرية طويلة في الدوحة!، ولا يعني هذا ان طالبان عملاء للأمريكان كما يزعم البعض بل يعني أن حساباتٍ مدروسة بعناية تتعلق بالأمن القومي الامريكي انتهت الى ضرورة تسليم افغانستان لطالبان!، ولا استبعد ان يكون للأمريكان ومخابراتهم دور في هذا الانهيار الدراماتيكي المفاجئ والغريب والمريب للحكومة الافغانية والجيش الافغاني، والسبب هو اخراج المشهد بالشكل الحالي الذي يجعل امريكا تقول: ((الحكومة الافغانية والجيش الافغاني هم من يتحملون المسؤلية عن ما حصل، فانا دربتهم وسلحتهم وموّلتهم بمليارات الدولارات لكنهم لم يكونوا عند المسؤولية وحسن الظن!!)) لكن اغلب عقلاء ودول العالم يعرفون ان امريكا ارادت ان تخرج من افغانستان بهذه الطريقة!، أي أن تخرج بعد ان تسلم افغانستان لطالبان!، لاعتقادها ان هذا هو ما سيخدم امنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، اي كما حدث في ليبيا عام 1969 فالامريكان والانجليز قبل خروجهم من ليبيا عام 1971 وفق قرار مجلس الأمة (البرلمان) القاضي بإجلاء القواعد الاجنبية قرروا تسليم ليبيا للعسكر القوميين الاشتراكيين العرب كي لا تقع ليبيا في قبضة الاتحاد السوفيتي والشيوعيين من بعدهم!.. ولا يعني هذا ان هؤلاء العسكر الانقلابيين عملاء للغرب او انهم صنيعتهم بل لأن ظروف (اللعبة الدولية) في ذلك الوقت كانت تقتضي ان تقوم بريطانيا وامريكا بتسليم الدول العربية ذات الانظمة الضعيفة الهشة والهينة واللينة مثل النظام الملكي الليبي لحركة الضباط القوميين الاشتراكيين العرب بعد أن تأكدت بأنهم غير شيوعيين، وهي فعلت ذلك لكي لا تقع هذه الدول في قبضة الشيوعيين بعد خروجها!.... وهذا ما يحصل في افغانستان في اعتقادي الآن، فهو امر واضح، لكن الهدف من ذلك ليس واضحًا بشكل قطعي!

المؤكد أن دافع الامريكان لتسليم افغانستان لطالبان ليس هو خوفهم من الشيوعيين، فالشيوعية انتهت، لذا قد يكون الهدف هو اعتقادهم أن طالبان - ولأسباب ايديولوجية - ستمنع وتمانع بشدة وقوع افغانستان في قبضة الدواعش أو الصين أو روسيا او ايران!، خصوصًا بعد ان تأكدت امريكا أن طالبان تغيرت بشكل كبير وبدأت تفهم شروط اللعبة الدولية وعادت لأصلها الأساسي وهو انها (حركة محلية) محض ذات اهداف محلية محدودة تتعلق بحكم افغانستان وفق الشريعة وليست (حركة اسلامية دولية) مثل القاعدة والدواعش اللتين تستهدفان بهجماتهما مصالح الغرب وامريكا بوجه خاص!.

ملاحظة مهمة : حركة الاخوان المسلمين هي الاخرى ليست حركة دينية (محلية) بل هي حركة اسلامية (دولية) لكنها، بخلاف الدواعش والقاعدة، لا تستهدف ضرب المصالح الغربية وهو ما يجعل لديها قبول لدى الدول الغربية كأمريكا وبريطانيا وألمانيا.

هذا هو التفسير المتفائل (اللطيف/الخفيف) للمسألة من وجهة نظري لما حصل مؤخرًا في أفغانستان، والتفسير (اللطيف/الخفيف) الآخر هو أن امريكا بهذا (النموذج الافغاني الجديد) تريد ارسال رسالة للحركات الاسلامية في العالم الاسلامي والعربي مفادها أن امريكا قد تقبل بوجودها في الحكم لكن بشرطين:
(1) الشرط الأول؛ ان تكون تنظيمات محلية جدًا لا تستهدف ضرب المصالح الامريكية كحال القاعدة والدواعش.
(2) والشرط الثاني؛ أن لا تمارس طقوس القمع الوحشي للناس كما فعل الدواعش لأن ذلك سيحرج موقف الغرب ويضطره للتدخل بل عليها ان تضبط تصرفاتها مع من تحكمهم بحنكة وذكاء سياسي وتمارس ((ديكتاتورية ناعمة)) كحال معظم الحكومات العربية والاسلامية.

فهذا تفسير لطيف آخر!..... أما التفسير المتشائم و(المخيف) فمفاده أن امريكا تريد اشعال نار وتصنع بؤرة من الفوضى وعدم الاستقرار في تلك المنطقة، افغانستان وما حولها، لاغراض سياسية تتعلق بأمنها القومي وصراعها مع خصومها الكبار والصغار في تلك المنطقة، أي لتكون افغانستان مصدرًا للقلق والقلاقل والاستنزاف والانشغال للصين وروسيا وايران!!.. هذا تفسير متشائم لكنه وارد في اطار اللعبة الدولية!.

اذن، فهذه بعض التفسيرات (الافتراضية) التي تفرض نفسها على العقل وهو يحاول فهم ما يجري على السطح!، ولكن يبقى تفسير آخر وأخير هو ايضًا جدير بالتأمل والتفكير وهو ان امريكا - ولأسباب ومخاوف محلية بحتة - قررت العودة لسياسة (الانكفاء على الذات والتركيز على مشاكلها الداخلية)، تلك المشاكل التي لو تفاقمت فقد تكون فيها قاصمة الظهر!، وانها، مع هذه الاسباب والمشاكل الداخلية المقلقة، تعتبر افغانستان غلطة كبيرة كلفتها غاليًا، وورطة كانت اضرارها وإثمها اكبر من منافعها، وأنها لا زالت تستنزفها بلا جدوى!، وأن العقل السياسي والمصلحة القومية يقتضيان الخروج من تلك الورطة في اسرع وقت ممكن وبأي شكل للاهتمام بما هو أخطر وأهم!.

ومن يدري فقد تكون كل هذه الاسباب والأهداف والفرضيات جميعًا التي ذكرناها آنفًا هنا كانت ضمن (مُدخلات) و(مُعطيات) صناعة هذا القرار الامريكي المباغت، الذي لا يخالجني شك أنه قرار (مجلس الأمن القومي الامريكي) قبل أن يكون قرار الرئيس او الكونغرس!... هذا رأيي بالطبع، فما رأيكم انتم!؟

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية