المؤرخ أبو المحاسن (813 :874 ) الذى كان من أكابر المجرمين ( 2 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 23

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى
الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )
أمثلة للخلاف بين أبى المحاسن ( الذى ينتمى لأكابر المجرمين ) وشيخه المقريزى ( الذى لم يكن من المجرمين )
المثال الثانى
1 ـ بعد سنوات من الصراع انتصر برسباى على خصمه جانبك الصوفى ، وسنعرض لذلك بالتفصيل حسب السنوات . وصلت رأس جانبك الصوفى الى برسباى في القلعة في 17 جمادى الأولى عام 841 . يقول المقريزى عن جانبك الصوفى ومهاجما السلطان برسباى : ( فقُطع رأسه، وحُمل إلى السلطان، فكاد يطير فرحًا، وظن أنه قد أمن، فأجرى اللّه على الألسنة أنه قد إنقضت أيامه، وزالت دولته. فكان كذلك كما سيأتى هذا. وقد قابل نعمة اللّه تعالى عليه في كفاية عدوه بأن تزايد عتوه وكثر ظلمه، وساءت سيرته، فأخذه اللّه أخذًا وبيلا، وعاجله بنقمته ولم يهنيه. ( يهنئه ))
2 ـ اعترض أبو المحاسن على هجوم المقريزى على السلطان برسباى . نقل أبو المحاسن ما كتبه المقريزى، فقال : ( قال المقريزي بعد أن ساق نحو ما حكيناه بالمعنى واللفظ مخالف‏:‏ وحملت إليه الرأس يعني عن الملك الأشرف فكاد يطير فرحًا ، وظن أنه قد أمن فأجرى الله على الألسنة أنه قد انقضت أيامه وزالت دولته فكان كذلك هذا‏. وقد قابل نعم الله عليه في كفاية عدوه بأن تزايد عتوه وكثر ظلمه وساءت سيرته، فأخذه الله أخذًا وبيلًا وعاجله بنقمته فلم يهنه. انتهى كلام المقريزي‏.) .
ويعلق أبو المحاسن منتقدا المقريزى ومدافعا عن برسباى : ( قلت‏:‏ وما عسى الملك الأشرف كان يظلم في تلك المدة القصيرة ؟ فإن خبر جانبك الصوفي ورد عليه في سابع عشر جمادى الأولى ، وابتدأ بالسلطان مرض موته من أوائل شعبان ولزم الفراش من اليوم المذكور وهو ينصل ثم ينتكس إلى أن مات في ذي الحجة‏. غير أن الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله كان له انخراقات معروفة عنه ، وهو معذور في ذلك، فإنه أحد من أدركنا من أرباب الكمالات في فنه ومؤرخ زمانه لا يدانيه في ذلك أحد ، مع معرفتي بمن عاصره من مؤرخي العلماء . ومع هذا كله كان مبعودًا في الدولة ، لا يدنيه السلطان مع حسن محاضرته وحلوا منادمته‏. على أن الملك الظاهر برقوق كان قربه ونادمه وولاه حسبة القاهرة في أواخر دولته ، ومات الملك الظاهر فلم يمش حاله على من جاء بعده من الملوك ، وأبعدوه من غير إحسان ، فأخذ هو أيضًا في ضبط مساوئهم وقبائحهم فمن أساء لا يستوحش‏. على أنه كان ثقة في نفسه دينًا خيرًا وقد قيل لبعض الشعراء‏:‏ إلى متى تمدح وتهجو‏. فقال‏:‏ ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء. انتهى )
تعليق
1 ـ ينسى أبو المحاسن مظالم برسباى التي تضاعفت في أيامه الأخيرة ، ومنها أمره بتوسيط الطبيبين اللذين كانا يعالجانه ، وهو نفسه قد ذكر هذه الحادثة ، ولكن ليس بالتفصيل الذى ذكره المقريزى . وينسى أبو المحاسن ظلم برسباى وبُخله واحتكاره التجارة .
2 ـ يغالط أبو المحاسن إذ يجعل سبب انتقاد المقريزى للسلاطين أنهم أبعدوه ، هم لم يبعدوه ، كان مُتاحا لهم أن يشترى المناصب ، وهو الأكثر علما من غيره ، ولكنه فضّل أن يتفرغ للتأريخ ، فكتب ما لم يسبقه أحد ، وبكتابات تاريخية متنوعة ، كان في بعضها سابقا لغيره ، مع رؤية نقدية لأكابر المجرمين ، لم يصل لها سواه من قبله ومن بعده . مع هذا اضطر أبو المحاسن الى الإشادة بالمقريزى ، فقال : ( فإنه أحد من أدركنا من أرباب الكمالات في فنه ومؤرخ زمانه لا يدانيه في ذلك أحد ، مع معرفتي بمن عاصره من مؤرخي العلماء . ) ( على أنه كان ثقة في نفسه دينًا خيرًا وقد قيل لبعض الشعراء‏:‏ إلى متى تمدح وتهجو‏. فقال‏:‏ ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء. ) .
المثال الثالث
3 ـ في تاريخه ( النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة ) قال أبو المحاسن عن السلطان برسباى بعد وفاته :‏.‏
( .. وخلّف من الأموال‏ والتحف والخيول والجمال والسلاح شيئًا كثيرًا إلى الغاية‏. وكان سلطانًا جليلًا سيوسًا مدبرًا عاقلًا متجملًا في مماليكه وخيوله‏. ) ( وكانت صفته أشقر طويلًا نحيفًا رشيقا منور الشيبة بهي الشكل ، غير سبّاب ولا فحّاش في لفظه ، حسن الخلق، ليّن الجانب ، حريصًا على إقامة ناموس الملك ، يميل إلى الخير ، يحب سماع تلاوة القرآن العزيز ، حتى إنه رتب عدة أجواق ( فرقة انشاد للقرآن ) تقرأ عنده في ليالي المواكب بالقصر السلطاني دوامًا‏. وكان يكرم أرباب الصلاح ، ويُجلُّ مقامهم ، وكان يكثر من الصوم في الصيف والشتاء ، فإنه كان يصوم في الغالب يوم الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس عشر، يُديم على ذلك‏. وكان يصوم أيضًا أول يوم في الشهر وآخر يوم فيه ، مع المواظبة على صيام يومي الاثنين والخميس في الجمعة ، حتى إنه كان يتوجه في أيام صومه إلى الصيد، ويجلس على السماط وهو صائم ، ويطعم الأمراء والخاصكية بيده ، ثم يغسل يديه بعد رفع السماط كأنه واكل القوم‏. وكان لا يتعاطى المسكرات، ولا يحب من يفعل ذلك من مماليكه وحواشيه. ) ( وكان يحب الاستكثار من المماليك ، حتى إنه زادت عدة مماليكه المشتروات على ألفي مملوك ، لولا ما أفناهم طاعون سنة ثلاث وثلاثين، ثم طاعون سنة إحدى وأربعين هذا ، فمات فيهما من مماليكه خلائق‏.) ( وكان يميل إلى جنس الجراكسة على غيرهم في الباطن ، ويظهر ذلك منه في بعض الأحيان ، وكان لا يحب أن يشهر عنه ذلك ، لئلا تنفر الخواطر منه، فإن ذلك مما يعاب به على الملوك . ) ( وكان مماليكه أشبه الناس بمماليك الملك الظاهر برقوق في كثرتهم وأيضًا في تحصيل فنون الفروسية ، ولو لم يكن من مماليكه إلا الأمير إينال الأبو بكري الخازندار ثم المشد لكفاه فخرًا، لما اشتمل عليه من المحاسن ، ولم يكن في دورنا ( أي جيلنا ) من يدانيه فكيف يشابهه‏... وإلى الآن مماليكه هم معظم عسكر الإسلام‏. )( وكانت أيامه في غاية الأمن والرخاء ، من قلة الفتن وسفر التجاريد ( الحملات الحربية ) هذا مع طول مدته في السلطنة‏. )( وعمّر في أيامه غالب قرى مصر قبليها وبحريها، مما كان خرب في دولة الملك الناصر فرج ، ثم في دولة الملك المؤيد شيخ ، لكثرة الفتن في أيامهما ، وترادف الشرور والأسفار إلى البلاد الشامية وغيرها في كل سنة‏. )( وكان الأشرف يتصدى للأحكام بنفسه ، ويقتدي في غالب أموره بطريق الملك المؤيد شيخ ، غير أنه كان يعيب على المؤيد سفه لسانه ، إلا الملك الأشرف فإنه كان لا يسفه على أحد من مماليكه ولا خدمه جملة كافية ، فكان أعظم ما شتم به أحدًا أن يقول له‏:‏ حمار وكان ذلك في الغالب يكون مزحًا‏. ولقد داومت خدمته من أوائل سلطنته إلى أن مات ما سمعته أفحش في سب واحد بعينه كائن من كان‏. وفي الجملة كانت محاسنه أكثر من مساوئه‏. )
تعليق
1 ـ أكثر المؤرخ ( المملوكى ) أبو المحاسن من مدح الأشرف برسباى ، وليس هذا بمستغرب ، فقد كان من حاشيته ، وقد خدمه من أوائل سلطنته الى أن مات . ومدح أيضا المماليك الجلبان للسلطان برسباى ، بل قال عنهم وعن أحد قادتهم وهو الأمير اينال الأبوبكرى : ( ، ولو لم يكن من مماليكه إلا الأمير إينال الأبو بكري الخازندار ثم المشد لكفاه فخرًا، لما اشتمل عليه من المحاسن ، ولم يكن في دورنا ( أي جيلنا ) من يدانيه فكيف يشابهه‏... وإلى الآن مماليكه هم معظم عسكر الإسلام‏. ). وكل ما قاله أبو المحاسن في مدح برسباى هي أكاذيب ، خصوصا قوله : ( وعمّر في أيامه غالب قرى مصر قبليها وبحريها، ). وستأتى شهادة المقريزى على عصر برسباى .
2 ـ ولقد أحسّ أبو المحاسن بتناقض الأكاذيب التي صاغها في مدح برسباى مع ما قاله استاذه المقريزى في ( السلوك ). لذا قال بعد ذلك يدافع عن السلطان الأشرف برسباى دفاعا هزيلا : ( وأما ما ذكره عنه الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخ السلوك من المساوىء ، فلا أقول إنه مغرض في ذلك، بل أقول بقول القائل‏:‏
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها كفى المرء فخرًا أن تعد معايبه
وكان الأليق الإضراب عن تلك المقالة الشنعة في حقه من وجوه عديدة . غير أن الشيخ تقي الدين كان ينكر عليه أمورًا ، منها انقياده إلى مباشري دولته في مظالم العباد ، ومنها شدة حرصه على المال وشرهه في جمعه‏. وأنا أقول في حق الملك الأشرف ما قلته في حق الملك الظاهر برقوق فيما تقدم فهو بخيل بالنسبة لمن تقدمه من الملوك وكريم بالنسبة لمن جاء بعده إلى يومنا هذا. وما أظرف قول من قال‏:‏ ما إن وصلت إلى زمان آخر إلا بكيت على الزمان الأول
وأما قول المقريزي‏:‏ وانقياده لمباشريه يشير بذلك إلى الزيني عبد الباسط ، فإنه كان يخاف على ماله منه ، فلا يزال يحسن له القبائح في وجوه تحصيل المال ويهوّن عليه فعلها ، حتى يفعلها الأشرف ( برسباى ) وينقاد إليه بكليته ، وحسّن له أمورًا ، لو فعلها الأشرف لكان فيها زوال ملكه . ومال الأشرف إلى شيء منها ، لولا معارضة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني له فيها عندما كان يسامره بقراءة التاريخ ، فإنه كان كثيرًا ما يقرأ عنده تواريخ الملوك السالفة ، وأفعالهم الجميلة ، ويذكر ما وقع لهم من الحروب والخطوب والأسفار والمحن ، ثم يفسر له ذلك باللغة التركية وينمقها بلفظه الفصيح ، ثم يأخذ في تحبيبه لفعل الخير والنظر في مصالح المسلمين ، ويرجعه عن كثير من المظالم حتى لقد تكرر من الأشرف قوله في الملأ‏:‏ "لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا ولا عرفنا كيف نسير في المملكة‏.").
المثال الرابع
ارتكب جنود برسباى مذبحة في مدينة ( الرها )، وقد ذكر المقريزى تفاصيل المذبحة ، ودليلا على صدقه نقل عنه المؤرخ أبو المحاسن ، وكان مما قاله : ( ثم ألقوا النار فيها فأحرقوها بعدما أخلوها من جميع ما كان فيها وقتلوا من كان بها وبالمدينة ثم أخربوا المدينة وألقوا النار فيها فاحترقت واحترق في الحريق جماعة من النسوة فإنهن اختفين في الأماكن من البلد خوفًا من العسكر فلما احترقت المدينة احترقن الجميع في النار التي أضرمت بسكك المدينة وخباياها واحترق أيضًا معهن عدة كبيرة من أولادهن‏. هذا بعد أن أسرفوا في القتل بحيث إنه كان الطريق قد ضاق من كثرة القتلى‏. وفي الجملة فقد فعلوا بمدينة الرها فعل التمرلنكيين ( جنود تيمورلنك ) وزيادة من القتل والأسر والإحراق والفجور بالنساء فما شاء الله كان‏. ثم رحلوا من الغد في يوم الاثنين ثالث عشرينه وأيديهم قد امتلأت من النهب والسبي فقطعت منهم عدة نساء من التعب فمتن عطشًا وبيعت منهن بحلب وغيرها عدة كبيرة‏. )
بعد هذا لم يعجبه تعليق المقريزى ، فنقل التعليق ودافع عن برسباى . قال أبو المحاسن : ( قال المقريزي‏:‏ وكانت هذه الكائنة من مصيبات الدهر‏:‏
وكنا نستطب إذا مرضنا فجاء الداء من قبل الطبيب
أفأما بالعهد من قدم لقد عهدنا ملك مصر إذا بلغه عن أحد من ملوك الأقطار قد فعل ما لا يجوز أو فعل ذلك رعيته بعث ينكر عليه ويهدمه، فصرنا نحن نأتي من الحرام بأشنعه ومن القبيح بأفظعه وإلى الله المشتكى . انتهى كلام المقريزي‏. ).
وقال أبو المحاسن معلقا : ( قلت‏:‏ لم يكن ما وقع من هؤلاء الغوغاء بإرادة الملك الأشرف ولا عن أمره ولا عن حضوره‏. وقد تقدم أن نواب البلاد الشامية وأكابر الأمراء منعوهم من دخول القلعة بالجملة فلم يقدروا على ذلك لكثرة من كان اجتمع بالعسكر من التركمان والعرب النهابة كما هي عادة العساكر‏. وإن كان كون الأشرف جهز العسكر إلى جهة الرها فهذا أمر وقع فيه كل أحد من ملوك الأقطار قديمًا وحديثًا ولا زالت الملوك على ذلك من مبدأ الزمان إلى آخره معروف ذلك عند كل أحد‏. انتهى‏. ).
ونقول : سنعرض لتفصيلات مذبحة الرها كما كتبها المقريزى في الباب الختامي لهذا الكتاب . وما قاله المقريزى منتقدا هو أقل مما يجب قوله استنكارا لقتل المدنيين المستضعفين . أما دفاع أبى المحاسن عن برسباى فهو عار ، يليق بأكابر المجرمين من المؤرخين .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية