مراد وهبة أسطوريا: خطاب الاستلاب فيما بعد صفقة القرن

حاتم الجوهرى
2021 / 8 / 23

في تصوري لنظرية "المسألة الأوربية" و"ما بعدها" وأثرها المركزي على طبقة المثقفين العرب أيديولوجيا وثقافيا؛ يمكن بكل يسر رصد مجموعة من السمات العامة لهذا الأثر على خطاب المثقفين العرب، ومن أبرز سمات "المسألة الأوربية" أثرا على المثقفين والأيديولوجيين العرب سمة "الثنائيات الحدية".

أثر "الثنائية الحدية"
أي الميل دوما لتقديم العالم والظاهرة البشرية وكل ما يتعلق بها من تمثلات في صورة صراع وجودي صفري بين جانبين، لابد للنصر فيه أن يكون حديا، ولابد كذلك أن يكون توصيف التمثلات حديا، لأن الذات الأوربية في مشروعها الحضاري والثقافي شديدة التطرف، وعادة ما تقوم باختزال كافة الظواهر الإنسانية إلى نقيضين متصارعين أو "ثنائية حدية"، ولا ترى إماكنية للحياة بعيدا عن هذا الصراع الوجودي المستمر.

ثنائية "الأصولية والعلمانية"
عند مراد وهبة
من أبرز آثار سمة "الثنائية الحدية" المتطرفة على المثقفين العرب، ما يطرحه مراد وهبة باستمرار حول تقسيم العالم والمشهد العربي إلى فسطاطين أو جانبين، وصراع وجودي حدي بين "الأصولية" وبين "العلمانية".
وبالطبع يقتصر مفهوم مراد وهبة عن "العلمانية" على السياق الأوربي وظروف إنتاجها، لتتحول "العلمانية" عنده إلى "دوجما" و"مقدس" أو إلى "أصولية مركزية" أسطورية بدورها، تنفي إمكانية قيام جماعة بشرية كالعرب مثلا بتطوير مسار لعبور الاستقطبات السياسية، دون أن تتبنى المسار المقدس للذات الأوربية.

متلازمة مراد وهبة: هاجس التكفيريين
من هنا يمكن طرح مقاربة أو فرضية علمية مفادها: أن الخطاب العام لمراد وهبة إجمالا يقع في منطقة "السيندروم" أو "المتلازمات النفسية" رد الفعل لأزمة ما، فدائما ما يبرر مراد وهبة طرحه وخطابه بوجود المتطرفين العرب المنتمين لـ"فرق الدين السياسي" ويسميهم "الأصوليين"، وبدافع هذا السيندروم أو الهاجس النفسي من "فرق الدين السياسي" نجد كامنا المبرر الذي يلازم مراد وهبة في خطابه للخروج على الذات العربية/ الإسلامية.

متلازمة مراد وهبة المضادة: جنة الذات الأوربية
(خطاب الاستلاب كذروة للمتلازمة)
هنا مراد وهبة بتكفيره للذات العربية والخروج عليها ودعوته لخطاب "الاستلاب للآخر" الأوربي/ الغربي، لا يختلف كثيرا عن تكفيريّ "فرق الدين السياسي" الذين يسميهم بـ"الأصوليين"، هذا له "أصوليته" الأسطورية وهذا له أصوليته الأسطورية، أصولية فرق الدين السياسي تستخدم الخطاب الديني لتقدم تأويلا للخروج على الذات العربية الراهنة وفساد مستقبلها، وتحكم عليه بحتمية العودة لنموذج تاريخي سابق وإعادة إنتاجه كحل للمستقبل.
وأصولية مراد وهبة تقوم على تقديم خطاب ثقافي يأول الوجود البشري كله ويختصر تاريخه ومستقبله في مشروع الذات الأوربية التاريخي للصراع بين الكنيسة والعلم، وظهور المجتمع الأوربي الحديث، وأن الذات العربية عليها أن تعيد إنتاج النموذج الأوربي أو تُلحق نفسها به، كما يقدم في خطاب "الاستلاب للآخر" الذي تبناه بالتواكب مع صفقة القرن، ومتتبعا أثر يوسف زيدان.




تطبيق سيندروم "المسألة الأوربية" وفرضيته
وثنائياته على خطاب مراد وهبة
ويمكن للطرح أو الفرضية السابقة عن كون مراد وهبة أصوليا له فكره الأسطوري الخاص به مثله مثل الأصوليين الذين ينتقدهم، أن يجد صداه في مقال نشره مراد وهبة هذا الشهر بتاريخ 3/8/2021م بجريدة الأهرام بعنوان: "أفكار لها تاريخ (9): ماذا بين تل أبيب وأورشليم؟".

إسرائيل العليا عند مراد وهبة
لأن بها صراع الثنائية "العلمانية/ الأصولية"
حيث في هذا المقال تتبدى بوضوح سيطرة "متلازمة الثنائية" على مراد هبة، وكذلك يتبدى أثرها النفسي عليه الذي يجعله يميل إلى العدو الصهيوني لا لشيء سوى أنه يجد عنده التمثل للصراع بين العلمانية والأصولية الدينية، رغم أن الذات الأوربية نفسها تجاوزته، لكن مراد وهبة أسيرا لهاجس فرق الدين السياسي العربية ينتصر للعدو الصهيوني العنصري، لمجرد وجود "الثنائية الحدية" هناك، كأبرز أثار "المسألة الأوربية" تشوها على المثقف العربي..
فيقول مراد وهبة في المقال المشار إليه:
"ليس فى إمكان أحد أن يتجاهل الصراع الحاد بين الأصولية والعلمانية فى هذا الزمان إذ إن الأولى تفكر بالمطلق والثانية تفكر بالنسبي. واسرائيل نموذج لهذا الصراع باعتبار أن الدول العربية ليست كذلك لأن بها أصوليات حادة إلى الحد الذى فيه تغتال بفتاوى دينية كل مَنْ يتجاسر ويدعو إلى العلمانية".
فمراد وهبة هنا ينتصر لـ"إسرائيل" لمجرد أن بها التحقق للثنائية الأوربية التاريخية، رغم أن أوربا تجاوزتها، وفي الوقت نفسه يصب غضبه على الدول العربية، لأنه لا يوجد بها تمثل للثنائية ولكن بها -كما يرى- حضور للأصولية الدينية، مغمضا عينيه على أن الذات العربية الجمعية غير النخبوية أو غير الفوقية، تجاوزت هذا الصراع المتخيل، وقدمت مجموعة من الثورات القيمية التي تجاوزت بشعاراتها ثنائيات "المسألة الأوربية" كلها، وطالبت بعالم جديد في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
لكن أزمة الذات العربية كانت في نخبها ولم تكن في قاعدتها الشعبية أبدا، حيث تمركز اليسار والليبراليين العرب عند اختياراتهم وكذلك تمركزت فرق الدين السياسي ومن على ضفافها عند اختياراتهم، وتم توظيف كل من الفريقين للهروب من الاستحقاقات الثورية، وظلت الجماهير العربية في الشوراع بلا غطاء سياسي أو فكري يعبر عن طموحها المستقل، بتجاوز ثنائيات "اليمن واليسار" العربيين وكون كل منها رد فعل مأزوم لـ"المسألة الأوربية".

المزيد من الثنائيات عند مراد وهبة
تل أبيب/ أورشليم
وفي سياق تتبع أثر المتلازمة النفسية لـ"المسألة الأوربية" عند مراد وهبة المتمثل في سمة "الثنائيات الحدية" مع "الأصولية والعلمانية"، سنجده ينتصر للعدوان والقتل والعنصرية والسلب الذين قام بها الصهاينة الاوائل بحق الفلسطينيين، لمجرد أن مراد وهبة وجد أثر "المتلازمة النفسية" (السيندروم) لثنائية حدية جديدة بين الأصولية والعلمانية في "إسرائيل"، أي الصراع هناك حول عاصمة دولة الاحتلال بين العلمانيين الذي اختاروا "تل أبيب"، وبين الأصوليين" الذين اختاروا أورشليم/ القدس.
وفي ذلك يقول مراد وهبة في المقال:
"وقد شاركه فى هذه المشاعر الصهيونيون الأوائل الذين كان كل همهم إنقاذ الحضارة الأوروبية من الدمار. وكانوا فى ذلك علمانيين لا ينشغلون إلا برؤى مستقبلية. أما أورشليم، فى رأيهم، فكانت تجسيدا للخرافات والتخلف. وكان هذا هو رأى تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة. وقال حاييم ويزمان أول رئيس منتخب لدولة اسرائيل: إن الدولة اليهودية لن تتكون إلا من الأجزاء التى تلتزم بالحداثة أما ما يتبقى بعد ذلك فلن أقبله حتى لوجاء على هيئة هدية."
وفي الفقرة السابقة تتضح جملة من تمثلات سيندروم "المسألة الأوربية" عند مراد وهبة؛ إنه يتجاهل الذات العربية ويرى في مشروع اغتصاب الأرض والقتل والإرهاب والاحتلال.. يرى فقط إنقاذا للحضارة الأوربية!!
وكذلك نرى المزيد من سيندروم "المسألة الأوربية" حينما يرحب مراد وهبة بـ"الدولة اليهودية" عند حاييم وايزمان لأنها ربط هذه الدولة اليهودية فقط بمصطلح "الحداثة" المعروف بدلالاته التاريخية!

ذروة "مراد وهبة" الأسطوري
أما ذروة التفكير الأسطوري غير المنطقي عند مراد وهبة فهو تجاهل كل الوقائع التي ارتبطت بالعدوان الصهيوني المستمر وتوسعه على حساب الدول العربية وفلسطين، والنظر وفق معيار واحد منفصل عن الواقع وهو: "التعايش المشترك"!
وكيف يحدث التعايش عندما يستمر المعتدي في العدوان والاحتلال والتوسع والقتل والإرهاب، وكيف يمكن ان ننظر في التعايش بعد حرب عدوانية طالت معظم دول المحيط العربي لفلسطين؟ وأنتجت المزيد من التغول على حقوق الفلسطينيين وأرضهم، هنا يصبح مراد وهبة أسطوريا بالفعل وينفصل عن الواقع حين يقول في المقال:
"والجدير بالتنويه هنا أنه منذ عام 1967 والفجوة آخذة فى الاتساع بين الفلسطينيين والاسرائيليين إلى حد رفض أى تنازلات من أجل التعايش المشترك وذلك على أمل أن يتبخر أحد الطرفين فى الهواء لأن الدين عند كل منهما هو الدولة"

"الثنائيات الحدية" في صفقة القرن
المبادرة العربية x اتفاق إبراهيم
الأرض مقابل السلام x السلام مقابل السلام
وعاد مراد وهبة إلى خطاب الاستلاب المباشر الذي قدمه في أثناء صفقة القرن، قبل أن يسقط دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، مروجا للتنازل عن كافة الحقوق الفلسطينية واعتبارالفلسطينيين مواطنين درجة ثالثة في دولة الاحتلال، مروجا من جديد لـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" التي جرت ضمن صفقة القرن، في مواجهة المبادرة العربية التي قدمت عام 2002م منادية بالمطالب الفلسطينية، وذلك حين يقول في المقال:
"وقد قيل إن الصراع بينهما سيظل قائما حتى لو تم التنازل عن جزء من الأرض لأحد الطرفين. وفى هذا السياق يمكن القول إن ثمة مبادرتين متداولتين تنطوى كل منهما على تناقض فى حاجة إلى رفعه إذا أريد تحقيق السلام: المبادرة العربية: الأرض فى مقابل السلام. واتفاق ابراهيم: السلام فى مقابل السلام."

مراد وهبة ومتلازمة "العلمانية"
كمقدس يَجُبُّ كل ما سواه
متى يصبح الإنسان أسطوريا أو لا عقلانيا؛ من ضمن الإجابات التي يمكن أن تُطرح في هذا السياق هي تمركز الإنسان وتمحوره حول فكرة وحيدة، تجعله لايدرك ما سواها ولا يدرك أو يهتم بأثرها، وهو أيضا يمكن أن يكون تعريف "المتلازمة النفسية" أو السيندروم، الذي ينشأ عندما يقابل الإنسان ظرفا أو فعلا ما لا يستطيع نسيانه أو الانتصار عليه، حيث يفقد عندها منطقيته وعقله الفعال في مواجهته، ويصبح رد فعل مأزوم على المستوى النفسي له.
من هنا سنجد أن مراد وهبة في خاتمة مقاله يتجاهل كافة الحقوق العربية، ويتجاهل كافة وقائع الصراع وما تتعرض له المنطقة من مؤامرات ليس آخرها سد النهضة، فكل هذا لا يراه مراد وهبة.
إنما يرى فقط هدفا وحيدا مقدسا وأسطوريا من أجله يهون كل شيء، ومن أجله تذهب الذات العربية و"مستودع هويتها" إلى الجحيم، حين يعتبر أن ما يحدث مع "اتفاقيات التطبيع" هو تحت اسم "المشروع العلماني"!
وذلك "المشروع العلماني" هو ذروة الوهم وأعراض المتلازمة وسيندروم "المسألة الأوربية" عند مراد وهبة، حين يقول في المقال:
"أما ما يحدث الآن من اتفاقات التطبيع مع اسرائيل فإنه يمكن أن يكون تمهيدا لتأسيس مشروع مشترك بين العرب واسرائيل اسمه المشروع العلمانى وتكون الغاية منه تغيير الذهنية لكى تتسق مع مقتضيات التطبيع."

طبخة جديدة ومحاولة تنشيط "الاتفاقيات الإبراهيمية"
فيما بعد سقوط صفقة القرن

ولكن من جهة أخرى يجب الحذر تماما لأن مقال وهبة في خاتمته يذهب أبعد من الطرح الفكري المجرد، رد الفعل لسيندروم "المسألة الأوربية"، الذي يحن فقط لأطروحات صفقة القرن و"الاتفاقيات الإبراهيمية".
مقال مراد وهبة يشي بوجود طبخة جديدة تُجَسِّرُ المسافة بين ما بعد صفقة القرن وما قبلها.
أقصد أن مقال مراد وهبة وتواكبه تقريبا مع التطبيع المغربي "الإسرائيلي" استنادا للاتفاقية الإبراهيمية التي وقعت في عهد ترامب، ذلك له دلالة محتملة، تقول بأن هناك محاولة ما تجرى خلف الكواليس بضغوط صهيونية لفرض مسار ما على السياسات الخارجية الأمركية في عهد بايدن.
وهذا المسار الذي يبدو خلف الكواليس ظهرت له عدة مؤشرات أيضا ونحن قرب نهاية شهر أغسطس، هذه المسارات المحتملة لا تمثل إلا إفلاسا وعجزا من بعض الوجوه التي ضاقت بها الذات العربية، وحلمها في "الاستعادة والصعود" مجددا، إنما لكل حادث حديث.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية