المؤرخ أبو المحاسن (813 :874 ) الذى كان من أكابر المجرمين ( 1 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 21

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى
الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )
المؤرخ أبو المحاسن (813 :874 ) الذى كان من أكابر المجرمين
لمحة عن أبى المحاسن
1 ـ من أصل مملوكى ، كان ابوه من أكابر المجرمين ، وهو الامير تغري بردي. كان ( اتابك ) ، أي كان قائدا للجيش المملوكي ، ثم نائبا للسلطان علي الشام ، أي واليا للشام. ينتمى أبو المحاسن الى طبقة ( أولاد الناس ) ، وهم أبناء المماليك الذين وُلدوا أحرارا ، وتكونت بهم طبقة ارستقراطية متغطرسة ، وحتى الآن يقال في مصر ( فلان إبن ناس ) . الى هذه الطبقة ينتمى أيضا المؤرخ ابن إياس ، وإن كان إبن إياس معبرا عن ثقافة الشارع المصرى ، وليس مترفعا عنه مثل أبى المحاسن .
2 ـ إشتهر أبو المحاسن بكتابه : ( النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة ) بلغ به 16 جزءا ، وبدأه من الفتح العربى ، وسار بعده متخصصا فى التاريخ المصرى ، ينقل فيه شذرات عن السابقين ، وممّن نقل عنهم استاذه المقريزى ، وواصل كتابة التاريخ بعد عصر المقريزى من واقع المشاهدة الى قبيل موته بعام واحد ، أى أتم التأريخ لمصر في النجوم الزاهرة حتي 873 هـ ومات عام 874 في أوائل عصر السلطان قايتباى . ذكر في نهايته أنه ألفه من أجل صديقه الأمير محمد بن السلطان جقمق، أي نفاقا لابن السلطان ولى عهده . و كان أبو المحاسن يتوقع أن يصل صديقه إلى السلطنة فيختم الكتاب بعهده، إلا أن الأمير محمد وافته المنية قبل ذلك في عام 847 .
3 ـ كان أبو المحاسن تلميذا للمقريزى ، وتوقف المقريزى في تاريخه فى "السلوك" عند سنة 844هـ أى قبيل وفاته بعام واحد. وقام تلميذه أبو المحاسن بإكمال التأريخ لعصره ، فكتب أيضا : ( حوادث الدهور في الأيام والشهور ) ، وجعله ذيلاً لتاريخ المقريزى في السلوك. وصدر فى باريس ( منتخبات من حوادث الدهور)، حررها وليم بيبر عام 1930 . ولأبى المحاسن أيضا كتاب ( المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى ).فى خمسة أجزاء ، وقد قصره على التراجم المختصرة لشخصيات عصره . وكان أبو المحاسن كثيراً ما يعترف بفضل المقريزي ، وقد كان أقل مستوى من أستاذه ، ويبدو هذا فيما ينقله عن استاذه ، وفى فوضى تأليفه في ( النجوم الزاهرة ) فلم يستفد بالتنظيم والتأنُّق الذى سار عليه المقريزى في ( السلوك ) . المفترض أن يأتي اللاحق أفضل من السابق ، وليس العكس .
أبو المحاسن مؤرخا
أبو المحاسن يحتقر أحرار المصريين منحازا لأكابر المجرمين
كان أبو المحاسن يعيش في سعة كاملة بإعتباره من ( أولاد الناس ) ، أكثر من هذا تعلم الفروسية وبرع فيها، وأتقن العربية والتركية. وكان منحازا لأكابر المجرمين الذى ينتمى اليهم ومتعاليا على المصريين. ونعطى هذا المثل :.
قام السلطان الأشرف اينال بتزييف العُملة ، وقام أهل القاهرة بثورة ومظاهرات ، وصلت الى مقر الحكم في القلعة ، فعُقد لذلك مجلس سلطاني في صفر سنة 861 . قال أبو المحاسن في كتابه ( حوادث الدهور 2/ 294 : 296 ) يصف تلك المظاهرة :
( اضطرب الناس ، وأبطل السلطان موكب ربيع الأول من القصر ، وجلس بالحوش ، ودعا القضاة الأربعة والأمراء والأعيان ، ووقف العامة أجمعون في الشارع الأعظم من باب زويلة إلى داخل القلعة ، وأجتاز بهم قاضي القضاة علم الدين البلقيني وهو طالع إلى القلعة ، فسلّم على بعضهم بباب زويلة ، فلم يرد عليه أحد السلام ، بل انطلقت الألسن بالسب له وتوبيخه من كل جانب ، لكونه لا يتكلم في مصالح المسلمين ، واستمر على هذه الصورة إلى أن طلع إلى القلعة . وقد انفض المجلس بدون طائل ، ونودي في الناس بعدم معاملة " الزغل " ( أي بعدم التعامل بالنقود المغشوشة ) . فلم يسكن ما بالناس من الرهج ، ولهجوا بقولهم : " السلطان من عكسه أبطل نصفه " ( أي أن السلطان من شؤمه أبطل التعامل بالعملة التي أصدرها وهي النصف الإينالي ، والنصف اسم للعملة الفضية الاينالية ) وقالوا أيضا " إذا كان نصفك إينالي لا تقف على دكاني " ( أى إذا كانت العملة التى معك هى الدرهم الذى اصدره السلطان إينال فلا تقف على دكانى ) .وألفوا عبارات أخرى ، وأشياء أخرى من هذا من غير مراعاة وزن ولا قافية.! )
تعليق
1 ـ قاموا بتأليف شعارات بعضها موزون وله قافية والآخر بدون وزن وقافية . وهى نفس العادة المصرية المتمكنة فى فنّ تأليف الشعارات فى المظاهرات . وهذا الشّعر لم يحظ باعجاب المؤرخ أبى المحاسن ، كما لو كان ينتظر من الجماهير الساخطة أن تنطق شعرا فصيحا ، يمدح السلطان الغشّاش الذى يسرق أقوات المستضعفين في الأرض .!
2 ـ ونرجع للمؤرخ أبى المحاسن وهو يصف تلك المظاهرة الفريدة التى ثار فيها شعب القاهرة على السلطان الفاسد إينال و بطانته من أكابر المجرمين من الشيوخ والأمراء والأعيان حسب وصف أبى المحاسن . .
2 / 1 : يقول أبو المحاسن : ( وانطلقت الألسن بالوقيعة في السلطان وأرباب الدولة ) أى انطلقوا فى مظاهراتهم يلعنون السلطان وأعوانه من القُضاة وكبار الموظفين أرباب دولته فأضاعوا حرمته وانتهكوا مكانته . ووصل هجومهم الى أكبر قاض للقضاة وقتها ، يقول أبو المحاسن : ( وأجتاز بهم قاضي القضاة علم الدين البلقيني وهو طالع إلى القلعة ، فسلّم على بعضهم بباب زويلة ، فلم يرد عليه أحد السلام ، بل انطلقت الألسن بالسب له وتوبيخه من كل جانب ، لكونه لا يتكلم في مصالح المسلمين ، واستمر على هذه الصورة إلى أن طلع إلى القلعة.) ، أي إنهم أدركوا التحالف بين أكابر المجرمين من المماليك ورجال الدين .
2 / 2 : وخشى السلطان اينال من جرأة مماليكه عليه ، خصوصا المماليك الجلبان ، أى المماليك الذين كان يؤتى بهم كبارا وليس من مرحلة الطفولة ، أى كانوا يتطوعون بالوقوع فى الاسترقاق ليؤتى بهم الى مصر فيصيروا فيها مماليك متخصّصين في الشّغب والفتن ، خشى اينال أن يتحالف العوام مع المماليك الجلبان . يقول ابو المحاسن عن محنة السلطان اينال بعد أن أضاعت مظاهرات الحرافيش مكانته وحرمته وهيبته : ( وخاف السلطان من قيام المماليك الجلبان بالفتنة وأن تساعدهم العامة وجميع الناس ، فرجع عما كان قصده . ) أى كان يريد ان يستخدم المماليك الجلبان ضد المصريين الأحرار ، الذين يسميهم أبو المحاسن بالعوام ، فخاف ان يتحد ضده المصريون والجلبان، لأن غشّ العُملة يدفع ثمنه أولئك الجنود الجلبان وغيرهم .
2 / 3 : وبهذا تطورت المظاهرات ضد السلطان اينال . ووجد المتظاهرون فرصتهم الكاملة فى سبّ وتحقير أعوان السلطان ممن كان يقوم بالسلب والنهب والمصادرات باسم السلطان ، يقول ابو المحاسن : ( وقد أفحش العامة في سباب ناظر الخاص ، ورجموه ،وكادوا يقتلونه ،) ناظر الخاص هو المشرف على ثروة السلطان وأملاكه . وقد اضطر الى الفرار من أمامهم ومعه أعوانه وفرق حراسته.
2 / 4 : يقول ابو المحاسن باستعلاء وحقد يصف انتصار المصريين الأحرار : ( وعظُمت الغوغاء ، فأرسل إليهم ابن السلطان ، فسألهم عن غرضهم فقالوا : " النداء بأن كل شيء على حاله" ، فقال لهم : " غدا أكلم السلطان ويفعل قصدكم ."، فأبوا ، وصمموا على النداء في هذا اليوم . فأرسل لأبيه ، فتردد ، ثم أجاب . ) يقول أبو المحاسن معلّقا : ( وحصل بالنداء غاية الوهن في المملكة ، وطغى العامة وتجبروا .). واضح هنا أن المؤرخ الأرستقراطي المملوكي الأصل أبا المحاسن ينتمى الى أكابر المجرمين ، لم يكن من رجال الدين ، ولكن من الملأ المملوكى المحيط بالسلطان ، لذا لم يسترح إلى رضوخ السلطان إينال للمصريين ، وهم عند هذا المؤرخ ( غوغاء وعوام ) .!
أمثلة للخلاف بين أبى المحاسن ( الذى ينتمى لأكابر المجرمين ) وشيخه المقريزى ( الذى لم يكن من المجرمين )
المثال الأول
1 ـ يذكر المقريزى في ( السلوك ) في أحداث شهر شوال 841 : ( وفيه ركب السلطان من القلعة، وأقام يومه بخليج الزعفران خارج القاهرة. وعاد من آخره بعد أن فرق مالاً في الفقراء، فتكاثروا على متولى تفرقة ذلك، حتى سقط عن فرسه، فغضب السلطان من ذلك، وطلب سلطان الحرافيش، وشيخ الطوائف، وألزمهما بمنع الجعيدية أجمعين من السؤال في الطرقات، وإلزامهم بالتكسب، وأن من شحذ منهم يقبض الوالى عليه، وأُخرج ليعمل في الحفير. فامتنعوا من الشحاذة، وخلت الطرقات منهم، ولم يبق من السؤّال إلا العميان والزمناء وأرباب العاهات، ولم نسمع بمثل ذلك. فعم الضيق كل أحد، وانطلقت الألسنة بالدعاء على السلطان، وتمنى زواله، فأصبح في يوم الأربعاء سابعه مريضًا قد إنتكس، ولزم الفراش. ) .
تعليق
أكابر المجرمين من المماليك وأعوانهم نظروا بإحتقار الى فقراء القاهرة الذين لا يجدون ما ينفقون ، وكانوا طوائف أطلق عليهم أكابر المجرمين أوصافا تحقيرية ، مثل الحرافيش والعوام والجعيدية . هذا يذكرنا بالملأ من قوم نوح الذين قالوا له : ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ (111) الشعراء ) ( وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ ) (27) هود ) . وبمزيد من التحقير والسخرية جعلوا للفقراء طوائف وسلاطين . تنوعت وتكاثرت أعداد الفقراء في القاهرة ، وتنافسوا في التسول . وكانت العادة أنه إذا وقف شخص يتبرع يتزاحمون عليه وقد يوقعونه من فوق فرسه . وحدث هذا مع الذى كان يفرّق صدقات برسباى ، فهددهم بالتسخير في الحفر ، واستثنى منهم المرضى والعميان والمشلولين ( الزمناء ) . كان هذا معتادا قبل برسباى ، ولكن لم يكن هذا العقاب مسبوقا ، فسخط الناس على السلطان ، ودعوا عليه فازداد مرضه حسبما يقول المقريزى ، فقال يعبّر عن مشاعره ومشاعر الناس الساخطة على برسباى : ( ولم نسمع بمثل ذلك. فعم الضيق كل أحد، وانطلقت الألسنة بالدعاء على السلطان، وتمنى زواله، فأصبح في يوم الأربعاء سابعه مريضًا قد إنتكس، ولزم الفراش. ). ولا ننسى أن برسباى ( المشهور بالبخل والجشع ) إضطر للتصدق حين إشتد عليه المرض . وهكذا شأن أكابر المجرمين عند المحنة . وما قاله المقريزى متّسق مع أخبار برسباى وإجرامه قبل الطاعون وبعده .
2 ـ ولكن أبا المحاسن ابن تغرى بردى نقل الحادثة في تاريخه ( النجوم الزاهرة ) . قال : ( وفيه ركب السلطان من قلعة الجبل ، ونزل إلى خليج الزعفران ، وأقام به يومه في مخيمه يتنزه ، ثم ركب وعاد إلى القلعة في آخر النهار بعد أن تصدق على الفقراء بمال كثير، فتكاثرت الفقراء على متولي الصدقة ، وجذبوه حتى أرموه عن فرسه ، فغضب السلطان من ذلك ، وطلب سلطان الحرافيش وشيخ الطوائف وألزمهما بمنع الجعيدية من السؤال في الطرقات وألزمهم بالتكسب ، وأن من يشحذ منهم قبض عليه وأخرج لعمل الحفير‏. فامتنعوا من الشحاذة ، وخلت الطرقات ، ولم يبق من السؤال إلا العميان والزمنى وأرباب العاهات‏. ) .
ويعلّق مدافعا عن السلطان برسباى مهاجما الفقراء ، فيقول : ( قلت‏:‏ وكان هذا من أكبر المصالح ، وعُدّ ذلك من حسن نظر الملك الأشرف في أحوال الرعية ، فإن هؤلاء الجعيدية غالبهم قوي سويّ صاحب صنعة في يده ، فيتركها ويشارك ذوي العاهات الذين لا كسب لهم إلا السؤال ، ولولا ذلك لماتوا جوعًا . وأيضا أن غالبهم يجلس بالشوارع ، ويتمنى ، ثم يقسم على الناس بالأنبياء والصلحاء ، وهو يتضجر من قسوة قلوب الناس ، ويقول‏:‏ لي مقدار كيت وكيت باقول في حب رسول الله أعطوني هذا النزر اليسير فلم يعطني أحد‏. ويجتاز به ــ وهو يقول‏‏ ذلك ــ اليهودي والنصراني فيسمعون لمقالته في هذا المعنى‏. وهذا من المنكرات التي لا ترتضيها الحكام . وكان من شأنهم أنهم إذا سمعوا هذا القول أخذوا القائل وأوجعوه بالضرب والحبس والمناداة على الفقراء بعدم التقسيم في سؤالهم والتحجر عليهم بسبب ذلك . فلم يلتفت أحد منهم إلى ذلك ، حتى ظهر للسلطان بعض ما هم عليه في هذه المرة فمنعهم ، فما كان أحسن هذا لو دام واستمر. انتهى‏. ) . أبو المحاسن يعرف شُهرة السلطان برسباى بالبُخل وتزييف للعملة وسلب ونهب الأموال واحتكار التجارة ، ولا يرى في ذلك بأسا . ويمدحه لأنه تصدّى للفقراء المتسولين ، ويراهم مستحقين للضرب والحبس .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية