المؤرخ القاضي ابن حجر العسقلانى الذى كان من أكابر المجرمين ( 2 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2021 / 8 / 19

الباب التمهيدى : عن الدولة المملوكية ومؤرخيها وما قبل السلطان برسباى
الفصل الثانى :( مؤرخو عصر برسباى )
ابن حجر في تاريخه ( إنباء الغمر )
1 ـ قال في مقدمة كتابه ( إنباء الغمر بأبناء العُمر ): ( أما بعد ، فيقول العبد الضعيف أحمد ابن على بن محمد بن على بن أحمد بن محمود بن أحمد بن حجر، العسقلانى الأصل ، المصرى المولد ، القاهرى الدار : هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزمان الذى أدركته منذ مولدى سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ، وهلم جرا مفصلا فى كل سنة ..) وقد أرّخ من عام 773 حتى عام 850 ، أى قبل وفاته بعامين ، وقد توفى عام ( 852 هجرية /1449 ميلادية ). وفى كتابه هذا ـ الذى أرّخ فيه لسنوات حياته ـ كان ابن حجر يسجل أحداث عصره في سنوات نشأته نقلا عن السابقين ، ثم بعدها أصبح يكتب من واقع المشاهدة والمعاصرة.
ابن حجر مؤرخا من أكابر المجرمين متعاليا على الناس
1 ـ كان مفترضا فيه كعالم وفقيه وقاض أن يتحرى العدل فى تأريخه لعصره فينال العوام بعض اهتمامه حيث يشملهم عنوان تاريخه الذى يقول ( إنباء الغمر بأبناء العمر ) وقد كان العوام الذين عاصروه ضمن أبناء عمره أيضا، ولكنه سار على طريقة أكابر المجرمين فى التعالى على المستضعفين ، ولذا ولّى وجهه نحو السلطان ومن حوله .
2 ـ بل إنه تعاليه يظهر في أنه إختار عنوانا غريبا ومستفزّا لكتابه ( إنباء الغُمر بأبناء العمر ) ، جعل سنوات عُمره مدار التاريخ ، ثم يصف فيه غيره ب ( الغُمر ). و( الغُمر ) هو الشخص الساذج الذى لا خبرة له .
نماذج من كتاباته التاريخية في ( إنباء الغُمر .. )
1 ـ يقول ابن حجر في أحداث سنة 826: ( وفي هذه السنة وجد قتيل بقرية فأمسك الوالي أهل تلك البلاد ولا يدري هل القاتل منهم أم لا. فأمر السلطان بقطع أيدي بعضهم ، وآناف بعضهم ، وتوسيط بعضهم ).
تعليق
1 ـ أي بسبب العجز عن معرفة القاتل أمر السلطان بعقاب من يشك فى ضلوعهم فى الجريمة ، بقطع بعضهم نصفين بالسيف ( التوسيط ) ، وقطع أنوف البعض الآخر ، وأيدى الاخرين ، كيفما اتفق ، مع معرفته بأن بعضهم برىء لا ذنب له . السلطان فعل هذا تحت اسم الشريعة التي كان يمثلها ابن حجر باعتباره أكبر قاض للقضاة في عصره . ابن حجر هنا هو المؤرخ الذي يسجل الحادث ، وهو الذى يعمل قاضيا للقضاة، وقد عاصر هذه الحادثة ، وكان مفروضا أن يحتج على ظلم الأبرياء هنا ، أو حتى يعلق كمؤرخ برأيه مستنكرا ، كما كان يفعل المقريزى أحيانا ، ولكنه لم يفعل. بل إنه استعمل منهج التعالى فى ذكره لتلك الحادثة التاريخية. وجعل البطولة للسلطان الأشرف برسباي، أما الضحايا الأبرياء فقد استحقوا شرف التسجيل في سطرين فقط لا غير في كتابه الذى يحمل عنوان ( إنباء الغُمر بأبناء العُمر ). بالتالى فلم يعتبر المستضعفين المصريون المظاليم من أبناء عُمره. أبناء عُمر هذا المؤرخ القاضي هم أكابر المجرمين الذين يطوف حولهم في كتاباته التاريخية مؤرخا ، ويحكم بشريعتهم السُّنية قاضيا . وهذا متسق مع شريعة ابن حجر السُنّية التي تجعل الحاكم يملك الأرض ومن عليها ، وأن الشعب هم ( الرعية ) أي الأنعام ، وهو الراعى المالك للانعام ، ومن حقه أن يذبح منها ما يشاء ويستبقى ويستثمر منها ما يشاء ، وأن من حق الامام ( أي الحاكم ) أن يقتل ثُلث الرعية لاصلاح حال الثلثين . لذا فمن العادى جدا والمُباح شرعا للسلطان برسباى أن يحكم بتوسيط وقطع أيدى وأنوف بعض الفلاحين ، ليس مهما إن كانوا أبرياء ، فلا قيمة لهم عند ابن حجر العسقلانى قاضيا ومؤرخا .
2 ـ وقد كان الفلاحون المصريون يتعرضون لأشد العقوبات من الكاشف المملوكى فى الريف دون أن يصل صراخهم الى القضاة والمؤرخين فى القاهرة ، وحتى لو وصل صراخهم الى أولئك القضاة والمؤرخين ما اهتموا ، لأن بؤرة اهتمامهم هو فى التنافس على خدمة السلطان الذى يملك الأرض ومن عليها ، وهم حاشيته طبقا لمعادلة الاستبداد والكهنوت. لذلك فان القاضي الذى يعمل مؤرخا لا يبالى بملايين الفلاحين والصناع والحرفيين والحرافيش إذا ماتوا تحت العذاب ، فهذا خبر عادى يحدث كل يوم وفق تطبيق الشريعة السُّنّية فى العصر المملوكى . ولأن موتهم أو تعذيبهم ليس من الأخبار الهامة ، فلا أكثر من ايراد الخبر بلا تفصيلات مع اسناد البطولة لأكابر المجرمين . وهنا نرى ابن حجر يكتب بكل صلافة وغطرسة وبغير مبالاة : ( وفي هذه السنة وجد قتيل بقرية فأمسك الوالي أهل تلك البلاد ) ، لم يذكر وقت الحادثة باليوم والشهر كما يحدث في تسجيل أخبار أكابر المجرمين ، ولم يذكر إسم القرية ولا إسم القتيل ولا عدد ولا أسماء الضحايا ، ومن منهم قطعوه نصفين ، ومن منهم قطعوا أنفه ، ومن منهم قطعوا يده . أى يتحدث المؤرخ القاضي ابن حجر كما لو كانوا حيوانات أو من بلاد الواق واق ، وليس قرية مصرية حظيت باهتمام السلطان نفسه .
2 ـ يقول في أخبار شهر شوال عام 841 : ( شوال : أوله الخميس .. وفشا الطاعون فزاد على المائة ، وصلينا فى الجامع الحاكمى بعد الجمعة على خمسة أنفس جملة . وكان أول ما إشتد فى نواحى الجامع الطولونى ، ثم فى الصليبة ، ثم فشا فى القاهرة ولله الأمر . ثم بلغ المائتين فى العشر الأول منه كل يوم ، ثم فى العشر الأوسط الى ثلثمائة. ) ( وفى النصف منه توجهت ليلى لزيارة أهلها بحلب ، فأكملت فى عصمتى خمس سنين سواء ، ووقعت الفرقة ، وعادت فى رجب ثم أعيدت الى العصمة. )
تعليق :
في حديثه عن الطاعون وقتها لم يذكر التفصيلات التي ذكرها المقريزى في ( السلوك ) في أحداث نفس الشهر . ولكنه فيما يخصُّ زوجته ( ليلى ) ذكر تفصيلات عن علاقاتهما المتقلبة بين زواج وطلاق فيما بين حلب والقاهرة . ولا ننسى أن المستضعفين الذىن أشار اليهم باختصار واستعلاء كانت لهم أزواج وذرية، لكنهم لم يكونوا من أكابر المجرمين .
إبن حجر يدافع عن فساده في تاريخه ( إنباء الغُمر )
تجلّى فساد القضاة الأربعة الكبار في دفع الرشوة لتولى المنصب ، وفى أخذ الرشوة في تولى القضاة التابعين لهم وفى تعيين أولادهم في المناصب بالواسطة ، ولكن أكبر فسادهم كان في تحكمهم في إدارة المؤسسات الدينية وأوقافها . وابن حجر باعتباره أكبر قضاة القضاة ، وأنه القاضي الشافعى المُقدّم على غيره فقد حاز على نظر أو إدارة الكثير من المؤسسات الوقفية وتحكم في إيراداتها . وبسبب فسادهم وسوء سُمعتهم فقد كان السلطان نفسه ( أكبر أكابر المجرمين وأفسد المفسدين ) يتدخل لإصلاح قضاة ( الشرع الشريف ) على حدّ قولهم . وبسبب شيوع هذا الفساد وتعرض المقريزى له مرارا في تاريخ ( السلوك ) فقد اضطر ابن حجر لأن يورد بعض ذلك من وجهة نظره ، يخفى الحقائق ويزيفها .
نعطى بعض النماذج :
في سرقته الأوقاف :
1 : قال ابن حجر في اخبار عام 833 : ( وفي جمادى الأولى أول يوم منه أمر السلطان القضاة بقراءة كتب الاوقاف بالمدارس الكبار والخوانق وأتباع شرط الواقفين فيها ، وشدّد في ذلك، فلما كان يوم الأربعاء رابعه، اجتمعوا بالشيخونية ( الخانقاة ) وقرئ كتاب الوقف ، فقال لهم الشافعي ( يقصد نفسه ): " يقام ناظر بشرط الواقف ليعمل بالشرط وينفذ تصرفه" . فانفصلوا على ذلك، ثم حضر المشايخ والطلبة يوم الثلاثاء حادي عشره عند السلطان، فقال لهم: ما فعلتم? فقالوا: الحال يتوقف على ناظر يتكلم. فقال للشيخ: أنت ناظر فقال: وكذلك كاتب السر، فأمر كاتب السر في الكلام معه، فحضروا يوم الأربعاء ، وقرئ شرط الواقف ، فتكلموا أولا في البيوت ، فوجدوا الشرط أن يسكنها العزاب، فوجد من المترددين نحو العشرين، فأمر أن يخرج من المتزوجين بعددهم ويسكن المترددون ، ووعدوا بأن يحضر لكتابة ذلك من يوثق له ، فلم يحضر أحد، وحضروا يوم العشرين بالصالحية ( الخانقاة ) فقرئ كتاب وقف الناصري، فترددوا فيمن يستحق النظر هل هو الشافعي أو المالكي . ونزل إلى الشيخونية جمدار ، فأخبر الشيخ وهو في الحضور أن السلطان رسم أن كل أحد على حاله ، فسُرّوا بذلك ، وقرؤا للسلطان، ثم تبين للسلطان أن الذي قام في ذلك كان فيه هوى وتعصب، وأشير عليه بترك الناس على حالهم، وأن الذي يصل إليهم من المعاليم هو من جملة أموال المسلمين وهم مستحقون ، إلى غير ذلك من الاعتذارات ، إلى أن أمر بترك ذلك . وخمدت الكائنة واستمر الامر على ما كان. )
تعليق
نلاحظ هنا أن ابن حجر دخل في متاهات من التفصيلات ، ودون توضيح لدوره في الموضوع أو للشروط ، والأشخاص . أي جعلها من المعميات .
2 ـ ولكن المقريزى ذكر الموضوع باختصار وبتوضيح أكثر فقال : ( وفي هذا الشهر‏ :‏ رسم أن يكشف عن شروط واقفي المدارس والخوانك ويعمل بها‏. وندب لذلك قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي . فبدأ أولا بمدرسة الأمير صرغتمش بخط الصليبة وقرأ كتاب وقفها‏. وقد حضر معه رفقاؤه الثلاث قضاة القضاة ، فأجّل في الأمر ، فلم يعجب السلطان ذلك ، وأراد عزل جماعة من أرباب وظائفها ، فروجع في ذلك حتى أقرهم على ما هم عليه‏. وأبطل الكشف عما رسم به . فسر الناس بهذا ، لأنهم كانوا يتوقعون تغييرات كثيرة‏. ).
تعليق
1 ـ ابن حجر قاضى القضاة الشافعى كان المُقدّم على بقية القضاة بحكم كونه شافعيا أولا ، ثم لكونه أكثرهم شهرة . وقد عهد اليه برسباى بإصلاح أوقاف المدارس والخوانق وغيرها ، حيث كان الوقف الأهلى يستوجب تعيين مدرسين مختلفى التخصصات في الفقه والعلوم الشرعية في دينهم السُّنّى ، مع وظائف أخرى مساعدة ، ويتم تسجيل قواعد تعيينهم وصرف مرتباتهم ، من خلال مبلغ الوقف المخصص لذلك . ووثائق الوقف ـ وقد سبق لنا فحصها ودراستها ولا تزال محفوظة في دار الوثائق ـ كانت تفصّل هذا. ولكن التطبيق كان فسادا ، وشاعت أخباره ، فأراد السلطان برسباى ـ أكبر أكابر المجرمين ــ إصلاح الأمر ، وعهد لأكبر قاض بالمراجعة ، وهو (إبن حجر العسقلانى ) ومعه زملاؤه قُضاة القضاة الثلاثة . وطبيعى أن ينتهى الأمر الى لا شيء ، وفرح ( الناس ) بهذا على حدّ قول المقريزى، المقصود بالناس هنا هم المستفيدون من هذا الفساد .
2 ـ لم ينتقد المقريزى دور ابن حجر ، مع إن كلماته توحى بذلك ، فابن حجر قام بالتأجيل ، وهذا التأجيل لم يعجب برسباى : ( فأجّل في الأمر ، فلم يعجب السلطان ذلك ) . وتصرف السلطان بنفسه فأراد عزل الحرامية فتدخل أكابر المفسدين أصحاب الحظوة عند السلطان ، ومازالوا به حتى تراجع . ولم يصرح المقريزى بمن تدخل لدى السلطان ، وهذا مفهوم بين سطور الخبر .
3 ـ والمؤرخ أبو المحاسن ذكر نفس الموضوع في تاريخه ( النجوم الزاهرة ) فقال
3 / 1 : ( وفي هذا الشهر ندب السلطان قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر أن يكشف عن شروط واقفي المدارس والخوانك ويُعمل بها ، فسُرّ الناس بذلك غاية السرور ، وكثر الدعاء للسلطان بسبب ذلك . فبدأ أولًا بمدرسة الأمير صرغتمش بخط الصليبة ، وقرأ كتاب وقفها . وقد حضر معه القضاة الثلاثة ، فأجمل ابن حجر في الأمر ، فلم يعجب الناس ذلك ، لاستيلاء المباشرين على الأوقاف والتصرف فيها بعدم شرط الواقف وضياع مصالحها ، فتشدّد ( السلطان ) في ذلك ، وأراد عزل جماعة من أرباب وظائفها ، فروجع في ذلك ، وانفض المجلس ، وقد اجتهد الأكلة ( أي اللصوص آكلو المال الحرام ) في السعي بإبطال ذلك ، حتى أبطله السلطان‏.)
3 / 2 : وقال أبو المحاسن معلقا غاضبا : ( قلت‏:‏ ولو ندب السلطان لهذا الأمر أحد فقهاء الأمراء والأجناد الذين هم أهل الدين والصلاح لينظر في ذلك بالمعروف لكانت هذه الفعلة تقاوم فتحه لقبرس ، لضياع مصالح أوقاف الجوامع والمساجد بالديار المصرية والبلاد الشامية لاستيلاء الطمعة عليها ، وتقرير من لا يستحق في كثير من وظائفها بغير شرط الواقف ، ومنع من يستحق العطاء بشرط الواقف . ولهذا قررت الملوك السالفة وظيفة نظر الأوقاف لهذا المعنى وغيره ، فتُرك ذلك ، وصار الذي يلي نظر الأوقاف شريكًا لمن تقدم ذكره فيما يتناولونه من ريع الأوقاف، والكلام فيما يعود نفعه عليه من جهة حل وقف وبيعه أو لواحد استولى على جهة وقف وأكله بتمامه فيبعث خلفه ويبلصه في شيء له ولأعوانه ، ويترك الذي قررت هذه الوظيفة بسببه من قديم الزمان ، وهو ما تقدم ذكره من النظر في أمر الأوقاف والعمل فيما يعود نفعه على الوقف وعلى أرباب وظائفه من الفقهاء ).
تعليق
الخطورة في قول أبى المحاسن :
1 ـ ( ولو ندب السلطان لهذا الأمر أحد فقهاء الأمراء والأجناد الذين هم أهل الدين والصلاح لينظر في ذلك بالمعروف لكانت هذه الفعلة تقاوم فتحه لقبرس ) فأبو المحاسن يعتبر أمراء المماليك والعسكر ( الأجناد ) أكثر صلاحا من ابن حجر ورفاقه . وأن السلطان برسباى لو عهد اليهم إصلاح الأوقاف لكان هذا أكبر منقبة للسلطان مثل فتحه قبرص . وفتح قبرص كان أكبر مفخرة لبرسباى .
2 ـ إشارته الى فساد ابن حجر ورفاقه في سلب أموال الأوقاف ، فقال :
2 / 1 :( لضياع مصالح أوقاف الجوامع والمساجد بالديار المصرية والبلاد الشامية لاستيلاء الطمعة عليها ، وتقرير من لا يستحق في كثير من وظائفها بغير شرط الواقف، ومنع من يستحق العطاء بشرط الواقف.) .
2 / 2 : ( وصار الذي يلي نظر الأوقاف شريكًا لمن تقدم ذكره فيما يتناولونه من ريع الأوقاف، والكلام فيما يعود نفعه عليه من جهة حل وقف وبيعه أو لواحد استولى على جهة وقف وأكله بتمامه فيبعث خلفه ويبلصه في شيء له ولأعوانه . ) .
2 / 3 : قوله ( ويبلصه في شيء له ولأعوانه ) ( البلص ) في مصطلح العصر يعنى الاختلاس والسرقة . أي أن يختلس ناظر الوقف لنفسه واعوانه ممّن يعينه في هذه الوظيفة . باختصار كان ابن حجر ورفاقه قضاة القضاة رؤساء عصابات ، و ( مافيا للأوقاف )، وكثرة سرقاتهم أغاظت السلطان نفسه .
ابن حجر يستخدم نفوذه في الدفاع عن نفسه أمام السلطان الصغير ابن برسباى
قال ابن حجر في أخبار عام 841 ( ربيع الأول ) : ( وفي التاسع منه قرئ تقليد السلطان بالقصر ، وجرى كلام يتعلق بالقضاة ، فقال الشافعي: "عزلت نفسي،" فقال له - السلطان: " أعدتك "، فقبل ،وخُلع عليه وعلى رفقته، ورُسم بإعادة الأوقاف التي خرجت عن الشافعي، وهي وقف قراقوش في ولاية العراقي ووقف تنبغا التركماني في ولاية البلقيني ووقف الأسرى في ولايته، فأعيدت بتوقيع جديد. )
تعليق
1 ـ بلغ نفوذ ابن حجر ذروته في دوره في تولى الصبى يوسف بن برسباى السلطة بعد أبيه . وفى المجلس مع السلطان الصغير شكى بعضهم من فساد ابن حجر ، فأعلن أمام السلطان الصغير عزل نفسه من القضاء ، فارتعب السلطان الصغير ، وانتهى بعودة ابن حجر للقضاء ، بل و بإعادة بعض الأوقاف التي انتزعوها منه في عهد برسباى .
2 ـ ويلاحظ أسلوب التجهيل في صياغة ابن حجر للخبر . يقول ابن حجر : ( وجرى كلام يتعلق بالقضاة )، لم يذكر الاتهامات التي قيلت ومن قالها ، وأدلّتهم ، ولم يُصرّح بأن الاتهامات موجهة له . وواضح انه الأدلة كانت دامغة بحيث اضطر لأن يقول ( فقال الشافعي: "عزلت نفسي،"). وهو يقصد نفسه .
في مجلس السلطان الصغير : ابن حجر يستخدم نفوذه في الحصول على ما انتزعه منه غريمه البلقينى قاضى القضاة الشافعى
قال ابن حجر في ( إنباء الغُمر ) : ( جمادى الأولى - أوله الثلاثاء، حضرنا للتهنئة عند السلطان يوم الاثنين سلخ الشهر الماضي، فسألت السلطان أن يشهد على نفسه بما فوض لي من الولاية والأنظار وغيرها، فأشهد على نفسه بذلك بحضرة القضاة، وشكوت إليه بعد ذلك ما انتزعه مني الملك الأشرف ، ووهب بعضه أو أكثره للقاضي علم الدين صالح بن البلقيني، فرسم بعقد مجلس بذلك - بحضرته، فتوسط ناظر الجيوش بيني وبينه إلى أن أعاد النصف وتركت له النصف. )
تعليق
السلطان الصغير استجاب لطلب ابن حجر فأعلن المناصب التي فوّضها لابن حجر . وانتهز ابن حجر الفرصة فشكى للسلطان الصغير ما انتزعه منه السلطان الأشرف برسباى من مناصب وأعطاها للقاضى ابن البلقينى . وكانت العادة تداول منصب القضاء بين ابن حجر وابن البلقينى . واستجاب السلطان الصغير ، وتم عقد مجلس في حضوره ، وانتهى بتقاسم ابن حجر والبلقينى تلك المناصب . أي إتّفاق على تقاسم المسروقات .
موقف لابن حجر حين فقد نفوذه في سلطنة جقمق :
قال في ( إنباء الغمر ) في أحداث شهر محرم 843 : ( وفي الثالث منه أمر عبد الباسط ناظر الجيش دويداره بإحضار ما في منزله من الذهب، فكان ثلاثين ألف دينار ، فاستقلها السلطان، فاستأذنه ناظر الجيش المذكور في بيع موجوده فأذن له، وشرعوا في بيع جميع ما عنده من الحواصل، فوصلت مصادرته في اليوم العاشر إلى مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار والطلب مستمر، وقيل إنه طلب منه ألف ألف دينار، وإن بعض الوسائط أنزلها إلى خمسمائة ألف دينار، ولم يثبت ذلك. وصودر كاتبه على عشرة آلاف دينار، ثم خفف عنه منها الخمس. )
تعليق
السلطان المملوكى يعرف أن أعوانه يسرقون ، وكان يبتزّهم بالعزل وإعادة التعيين ، وأحيانا يصادر أموالهم ، وقد قام السلطان جقمق بمصادرة أعمدة السلطة في عهد برسباى ، وصودر ناظر الجيش عبد الباسط ، كما صودر ابن حجر . كانت المصادرة عادة سارية في تعامل السلطان المملوكى مع أتباعه أكابر المجرمين .

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية