أفغانستان: فرضية التفكك والانسحاب للمسألة الأوربية ونقاط احتكاكها

حاتم الجوهرى
2021 / 8 / 18

إذا كنت أطرح مقاربة "المسألة الأوربية" و"ما بعدها" كنموذج تفسيري يصلح للتعامل مع اللحظة التاريخية الراهنة في تاريخ البشرية؛ فإن هناك مدخل مهم وعتبة نظرية محورية في فهم موضوع أفغانستان في ظل هذه المقاربة، وهي تعتمد على اختياري لمفهوم "مسألة" (Question) بسياقه الأوربي، في تحديدي لعنوان المقاربة كله أي "المسألة الأوربية" فلم أقل المعضلة أو الإشكالية أو الأزمة، واخترت أن أربطها أيضا بكلمة "ما بعد" (Post) ذات السياق الأوربي أيضا ولم أقل نهاية أو أفول أو رحيل.

مفهوم "المسألة" و"المابعد" في النموذج الأوربي:
اخترت مفهوم "مسألة" بسياقه ودلالته الأوربية -الذي سيكون مدخلا مهما في مقاربة موضوع أفغانستان وطالبان وانسحاب أمريكا- لأنه من ضمن سياقات المفهوم الأوربية أنه يرمز من ضمن ما يرمز إلى وجود تركة سياسية وجغرافية خلّفها كيان سياسي هوياتي، وهذه التركة تحولت إلى مشكلة في كيفية التعامل معها ومآلاتها، في ظل تراجع هذا الكيان الهوياتي (الأوربي) وحدوث عملية فراغ بعد حضور.
وكذلك استخدمت مفردة "ما بعد" بسياقها الأوربي لأنها لا تعني النهاية التامة لفكرة أو فلسفة أو مشروع فكري ما؛ بقدر ما تعني ظهور مرحلة تالية له لم تتخلص بعد من آثاره، وربما تكون بعض سمات هذه المرحلة رد فعل لما قبلها، أي ما أطرحه بالتالي حول مرحلة "ما بعد المسألة الأوربية" مازال في بعض سماته يرتبط بالمرحلة الأوربية ومحدداتها الهوياتية.

انسداد النموذج الأوربي وتحوله إلى "مسألة" في أفغانستان
أما في علاقة مفهوم "المسألة" بانسحاب أمريكا من أفغانستان والصعود السريع لحركة طالبان وسيطرتها، فالدلالة هنا أن "المسألة الأوربية" التي تتزعمها حاليا أمريكا بوصفها مستعمرة أوربية قديمة، وصلت لمرحلة الازمة والتحلل وأنها أصبحت "رجل العالم" المريض، كما كانت كلاسيكيات الفكر الأوربي تعتبر إرث "الدولة العثمانية" وانتشارها الجغرافي "مسألة" وتبحث في مصيرها، فيما عرف بـ"المسألة الشرقية".
إذن يمكن مقاربة الصعود السريع لطالبان داخل أفغانستان من منطق أن النموذج الأوربي/ الغربي بأكمله، دخل في مرحلة الأزمة وتحولت سماته الهوياتية/ الثقافية إلى عقد و"متلازمات ثقافية" تستعصي على الحل ووصلت لمرحلة الانسداد، من ثم أصبح النموذج الأوربي "مسألة" بدوره.
ومن هنا سننتقل إلى فرضية أخرى أن كل نموذج حضاري يصل لمرحلة "المسألة" والانسداد، يكون له "نقاط احتكاك" ما يبرز فيها حضوره القديم خاصة التي فيها استقطاب كبير، وصراع يقوم على "ثنائيات حدية" لفكرة تصارع أخرى وكل منهما لا يرى سوى الانتصار لنفسه والموت للأخرى.
مع الوضع في الاعتبار أنه لا يغيب عن الذهن أن "الثنائيات الحدية" لـ"المسألة الأوربية" سبق لها أن استهلكت "البديل الحدي" الأول في أفغانستان، مع انهيار الاتحاد السوفيتي ممثلا عن المادية الشيوعية والخسائر والهزائم الضخمة التي تعرض لها أثناء احتلاله لأفغانستان.

"نقاط الاحتكاك" الخاصة بالمسألة الأوربية
وسنجد أن "المسألة الأوربية" وفق الفرضية السابقة لها عدة "نقاط احتكاك" استقطابية بنيت على أساس الاختيارات الهوياتية الأوربية؛ أبرز "نقاط الاحتكاك" هذه ستكون الصهيونية التي بنيت على "استقطاب هوياتي" بين حق الفلسطينيين وبين عقدة الذنب الأوربية تجاه يهود أوربا وتوظيفها لصالح التمدد الأوربي، كذلك سنجد "نقطة احتكاك" في كوريا الشمالية التي قامت على استقطاب هوياتي بين الجنوب التابع للمادية الليبرالية الأمريكية والشمال الذي كان تابعا للمادية الشيوعية السوفيتية، وكذلك سنجد "نقطة احتكاك" في أفغانستان التي قامت على استقطاب تاريخي لمحاربة السوفيت من جانب أمريكا، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي اختار المجاهدون عدة أهداف أخرى منها أمريكا نفسها.
فكانت أفغانستان "نقطة احتكاك" عالية الوطأة لـ"المسألة الأوربية" في المرحلة الأخيرة قامت على استقطاب فرض الديمقراطية المزعومة على الطريقة الأمريكية، وشعارات محاربة جماعات المجاهدين تحت اسم "القاعدة" وغيرها، عندما قدموا فعلا رمزيا هز مكانة أمريكا الروحية في ضرب البرجين عام 2001م.

دونالد ترامب ذروة "المسألة الأوربية"
وتفجر تناقضاتها
ولمتابعة نموذج "المسألة الأوربية" ومساره في الموضوع يمكن القول إن دونالد ترامب كان هو ذروة التناقضات الكامنة خلف الشعارات الأوربية، والتي تفجرت معه لأقصى درجة مستعيدا الصلة العلنية بين الخطاب السياسي والخطاب الديني، وهو ما برز بشدة في سياساته الخارجية مع موضوع "صفقة القرن" وما برز معها من "اتفاقيات إبراهيمية" تحمل صبغة دينية مسيحية/ صهيونية، نجد جذورها في المذهب البروتستانتي بأشكاله المتنوعة الذي تأثر كثيرا بالفكر اليهودي وتراث العهد القديم، مع الإشارة إلى ان "الذهنية الجرمانية" أو ذهنية قبائل الشمال الأوربي التي اجتاحت أوربا وسيطرت عليها بداية من أواسط القرون الميلادية العشرة الأولى، هي التي أنتجت المذهب البروتستانتي المتطرف بطبيعته – ذلك بعد نهاية العصور الوسطى وإبان عصر النهضة- التي تتمرد على مذاهب المرحلة الرومانية التي تبنت المسيحية في أوربا.
من هنا يمكن القول إن ترامب فجر التناقضات الكامنة في "المسألة الأوربية" وتحديدا فيما يخص "نقاط الاحتكاك"؛ التي شملت موقفه المتقلب في سوريا كـ"نقطة احتكاك" جديدة بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الروسي الجديد، حيث أخذ قرارا بالانسحاب من هناك، وكذلك أعد ترامب العدة للانسحاب من "نقطة الاحتكاك" التي تهمنا في النموذج التفسيري الذي نقدمه هنا، أي أنه أعد العدة للانسحاب من أفغاستان، ووضع كل ثقله في ملف "صفقة القرن" مع قيامه بالربط بينها وبين ملف "سد النهضة".

نقاط الاحتكاك وفرضية "التفكك والانسحاب"
من هنا يمكن الخروج بنتيجة أن كل "نقاط الاحتكاك" المرتبطة بالنموذج الأوربي واستقطاباته الهوياتية بعدما تحول إلى "مسألة" أو تحول إلى "المسألة الأوربية"، معرضة لحالة "التفكك والانسحاب" مثلما حدث في أفغانستان.
ومن "نقاط الاحتكاك" المعرضة لحالة "التفكك والانسحاب" تلك سنجد كوريا الجنوبية واليابان اللتان تشهدان حضورا عسكريا أمريكيا، لكن "كوريا الجنوبية" ستبرز أكثر كـ"نقطة احتكاك" لأنها تقوم على استقطاب هوياتي حاضر بين الشمال والجنوب، في حين اليابان لم تتطور داخلها بعد تيارات ثقافية بارزة تخلق حالة استقطابية مع "المسألة الأوربية".
ومن ثم يمكن تطوير فرضية "نقاط الاحتاك" التابعة لـ"المسألة الأوربية" وتعرضها لـ"التفكك والانسحاب" لمدى أبعد قليلا، والبحث عن "نقاط الاحتكاك بالوكالة" في العراق مثلا أو "اليمن"، أو كل المواضع والدول التي خلقت استقطابا تابعا لمتلازمات "المسألة الأوربية" الثقافية أو السياسية أو الأيديولوجية وأطرافها المحلية، مع الوعي بان معظم "نقاط الاحتكاك" هذه تفككت بالفعل في أوربا، مثلما حدث في ألمانيا الشرقية والغربية، ويوغوسلافيا كل منهما بطريقته الخاصة.

الصهيونية آخر حصون "المسألة الأوربية"
و"نقاط احتكاكها"
يمكن القول وفق فرضية "نقاط الاحتكاك" الاستقطابية التي أنشأها "التمدد الجغرافي" للفرز الهوياتي للنموذج الأوربي أو لـ"المسألة الأوربية"؛ أن هناك قلعة حصينة واحدة ستكون هي آخر حروب ومعارك "الفرز الهوياتي" الأوربي، وهي "نقطة الاحتكاك" المركزية في "إسرائيل" وما يرتبط بها من تمثلات مثل "سد النهضة".
أعتقد وفق دراستي لـ"المسألة الأوربية" أن آخر حصونها سيكون في "إسرائيل" لأنها تمثل كل عقد ومتلازمات الذات الأوربية، التي تستحضر "الذهنية الجرمانية" العنصرية المتطرفة والمتعالية، والتي وجدت أصلا المشترك الثقافي بينها وبين حكايات التوارة عن "الشعب المختار" وعنصريته وعنفه تجاه "الأغيار" أو غير اليهود، من ثم طورت المذهب البروتستانتي ولا ننسى أن القبائل الجرمانية هي التي أسست للموجة الحضارية الأوربية الثالثة الحالية، وأسست الكيانات السياسية لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وطردت العرب المسلمين من الأندلس، وأسست أسباينا وغيرها، ثم تمددت هذه الموجة الجرمانية في شكل الاستعمار العنصري الإحلالي في أمريكا واستراليا وجنوب أفريقيا، وغيرهم.

انعكاس الفرضية على الذات العربية
(العراق- اليمن- مصر)
كذلك يمكن لنا أن نخرج بإشارة من هذا النموذج التفسيري الذي يقوم على احتمالية وفرضية "التفكك والانسحاب" من "نقاط الاحتكاك" الاستقطابية التابعة لـ"المسألة الأوربية" وتمددها الهوياتي وفرزه القديم، وهذا الإشارة تخص الذات العربية وتحدد عدة دول قد تكون عرضة للتأثر بهذه الفرضية..
وهذه الدول التي قد تتأثر بأعراض الانسحاب التي تمر بها "المسألة الأوربية" ونموذجها تتبدى في: العراق التي لا يزال بها حضور عسكري أمريكي، واليمن التي تشهد استقطابا بالوكالة بين إيران وأمريكا والسعودية، ومصر التي تشهد حصارا سياسيا في ملف سد النهضة وحضورا غربيا دعما لسد أيوبيا بوصفه سياسة صهيونية لخنق مصر.
فاليمن تعد "نقطة احتكاك" بالوكالة بين السعودية ومن خلفها أمريكا من جهة، وبين الحوثيين ومن خلفهم إيران من جهة أخرى، وقد تأخذ أمريكا قرارا بالانسحاب السياسي من اليمن كـ"نقطة احتكاك"، تاركة إياها لسؤال المصير والبحث عن مآلات "ما بعد المسألة الأوربية" واحتمالاتها هناك، وكذلك الأمر في العراق، وفي مصر أيضا لكن بشكل مختلف يرتبط بمسارات السد الأثيوبي.

الدب الروسي القديم ومصر
محاولات "إعادة إنتاج" المسألة الأوربية
فتجدر الإشارة في الوقت نفسه إلى أن "المسألة الأوربية" تشهد محاولات للاستعادة و"إعادة الإنتاج" من جانب الدب الروسي الجريح ونفسيته المأزومة أيديولوجيًّا، فلقد طور بعض الشيوعيين القدامي نظرية تسمى "الطريق الرابع" تحاول أن تقدم روسيا كمشروع جديد يسعى للتقدم لحصار القوى الأطلسية أو الغربية.
وسيتبين أن محاولة إعادة انتاج "المسألة الأوربية" و"ثنائياتها الحدية" المتصارعة من جانب روسيا، وفي ظل فرضية "التفكك والانسحاب" من الجانب الأمريكي، قد تُأثر على مصر بشكل مباشر كما حدث في مشاهدات الشهر الماضي وتصريحات روسيا تجاه الشرق الأوسط ومصر وفي ملف السد، خاصة مع الأنباء التي تؤكد على نموذج "إعادة إنتاج" المسألة الأوربية"وثنائياتها، وحضور الدعم العسكري الإيراني للنظام الأثيوبي وكيلا عن روسيا في مواجهة التجراي والحرب الأهلية هناك، مع الإشارة أيضا لسابق الحضور الشيوعي القديم في أثيبوبيا.

بدائل الذات العربية الناعمة
في مواجهة "المسألة الأوربية"
حقيقة "المسألة الأوربية" الآن تشهد مرحلة "التفكك والانسحاب" ولكنها في المقابل لا تجد البديل الحضاري الواضح القادر على مواجهتها، مشروع الثورات العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كان أبرز البدائل الحضارية -ومازل- رغم تعرضه لكافة الاستقطابات الدولية والمحلية لتفكيك زخمه، لكنه مازال هو الأمل الأبرز للإنسانية في تجاوز "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية.
إنما تبقى مشكلة الثورات العربية في مسارها السياسي الذي فُرض عليها، وأزمة بنيتها الاجتماعية أيضا، فمسارها السياسي قام على توظيف البدائل السياسية ثم احتراقها وانسداد الأفق، وأزمة بنيتها الاجتماعية هي الأشد حيث تتوافر عناصر القوة والنفوذ وشبكة علاقات مصالح السلطة، في يد أبنية فوقية ترفض الاستجابة لمطالب شعبية قاعدية عريضة تفتقد القدرة على التحول لأبنية اجتماعية ضاغطة وقوية.
لتبقى بدائل الذات العربية حائرة بين بنية تاريخة مركزها "دولة ما بعد الاستقلال" التي ترفض الاستجابة والتخلي عن تراتبها الاجتماعي ومصالحها الموروثة منذ القرن الماضي، وبين ثورة قيمية شعبية عنيفة تنتفض دفاعا عن "مستودع هويتها" وتربط بينه وبين "القيم الإنسانية العليا"، وقدمت نموذجا ملهما ورائعا للبشرية كلها ينتظر التحقق، وتجاوز كافة التمثلات الفكرية والأيديولوجية لـ"المسألة الأوربية" ورد الفعل العربي لها يمينا ويسارا.
ولكنها سنة الله في أرضه التي دائما ما تجد طريقة للحياة، وحيثما وجد كل انسداد كانت الحياة تشق طريقها بشكل ما، ربما تتأخر بعض الوقت، ربما ترتبك وتتعرض لـ"تفجير تناقضاتها" ودفع التدافع الحياتي بين أهلها إلى مداه، لكنها تشق طريقها ويجد التغيير سنته ومساره في نهاية المطاف، رغم قصر النظر وضعف البنية النفسية والقيمية التي يتسم بها البعض.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية