طريق العرب إلى ديربان 4 : محلية الخطاب الثقافي وهيمنة معاداة السامية

حاتم الجوهرى
2021 / 8 / 16

من المقرر أن يعقد الشهر القادم المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الرابع تحت رعاية الأمم المتحدة، المعروف باسم "دوربان4"، وترجع التسمية الرمزية نسبة إلى مدينة "دوربان" في جنوب أفريقيا حيث عقد المؤتمر الاول "دوربان1" في عام 2001م، وتلاه "دوربان2" عام 2009م في مدينة جنيف بسويسرا، ثم "دوربان3" عام 2011م في مدينة سويتو بجنوب أفريقيا أيضا.
وقد استبقت معظم الدول الغربية الكبرى المؤتمر بإعلان مقاطعته من الآن بحجة أنه قد يشمل مقولات "تعادي السامية"! كما حدث بالتوازي مع المؤتمر الأول والثاني، بهجوم البعض على "السياسات الإسرائيلية" بوصفها سياسات عنصرية تضطهد الفلسطينيين.
وشملت قائمة الدول الغربية التي ستقاطع أعمال المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية كل من: أمريكا، فرنسا، ألمانيا، كندا، بريطانيا، وغيرهم، والحقيقة أن ما يحدث هو هزيمة للخطاب الثقافي العربي الرسمي وغير الرسمي لحد بعيد، الذي تسيطر عليه التناقضات الفكرية في مواقفه الكلية تجاه المشروع الصهيوني، وتجاه ما يعرف بـ"معاداة السامية".

جذور معاداة السامية في السياق الأوربي
فرغم أن مفهوم "معاداة السامية" ارتبط بموقف الأوربيين تجاه يهود اوربا أنفسهم، وتحديدا بعد تفكك دولة الأندلس العربية ونزوح يهود الأندلس مطاردين بشبح الازدهار والتحقق الذي وصلوا له في ظل هذه الدولة، حيث صعودا من هذا التاريخ اكتسب وعي الجماعة اليهودية التي خرجت من الأندلس هربا من الاضطهاد الغربي/ الجرماني، اكتسب وعيها رغبة في الصعود الجماعي وإعادة إنتاج تجربة الأندلس بمكتسباتها.
في الوقت الذي كانت فيها أوربا تشهد صعود القبائل الجرمانية المتطرفة وسيطرتها على معظم أوربا الغربية، مما جعل الأنظمة السياسية والاجتماعية لهذه الدول ترفض محاولات يهود أوربا -الذين خرجوا من الأندلس- إعادة إنتاج النموذج مرة أخرى، واستخدموا معهم شتى أساليب الرفض الناعم والخشن.
فيما عرف بـ"معاداة السامية" كحركة وصورة ذهنية مسبقة عن يهود أوربا –الأندلسيين سابقا- عند مختلف شعوب أوربا، تأثرا بتطرف القبائل الجرمانية التي نزلت من شمال أوربا وسيطرت على أوربا الغربية وشبه الجزيرة الأيبيرية بما فيها الأندلس، وفرنسا وانجلترا وألمانيا، وكذلك حضور القبائل الجرمانية الشرقية في روسيا وتطرفها أيضا.

فشل الخطاب العربي في فهم السياق الغربي
من ثم تقديمه خطابا محليا
كان فشل الخطاب العربي يكمن في مفهوم "المحلية" أو "الاستهلاك المحلي" حيث فشل الخطاب العربي كثيرا في طريقين؛ فشل في فهم أسباب الدعم الشعبي والثقافي للصهيونية في الغرب، وبالتالي فشل في تقديم خطاب يرد على الحجج الغربية في دعم الصهيونية، من ثم كان الخطاب العربي دفاعا عن الحق الفلسطيني لا يجد أي مستقبلات عندد المتلقي الغربي، فأصبحت قضية العرب خاسرة في الغرب، لا تجد حتى من ينصت لها.
واتسم الخطاب العربي بالمحلية أي توجهه لمخاطبة المشاعر العربية وفق تصورات الذات العربية، دون أن يهتم في خطابه هذا باستيفاء شروط الحجاج المنطقي للمشاعر الغربية الأوربية، والرد عليها، وسمة المحلية في الخطاب العربي تجاه الصهيونية هذه أبرز أزمات الحضور السياسي العربي عالميا، من ثم أصبح الغرب لا يفهم خطابنا المحلي الذي تتابعه وسائل الإعلام الغربية، وأصبح الغرب لا يسمع خطابنا السياسي حينما يتحدث ممثلوا الذات العربية عن القضية الفلسطينية، لأن الخطاب السياسي العربي يفتقد ببساطة لمفاتيح الموقف الغربي وفهم محدداته.

النجاح الثقافي/السياسي الغربي
نقل مفهوم معاداة السامية إلى المرحلة الصهيونية
خاصة أن الغرب نجح في تنفيذ أبرز اختراقاته الثقافية عالميا ومحليا، حينما نجح في فرض مفهوم "معاداة السامية" ونقله من مجال الحضور اليهودي في أوربا، ومحاولة التخلص من الشعور بالذنب تجاههم في العصور الوسطى بعدما خرجوا مثقلين بحلم الجماعة المتفوقة من الأندلس، وليس كأفراد متفوقين كما كان قبلها، وكذلك الشعور بالذنب نفسه الذي تكرر في العصر الحديث، مع الفاشية القومية النازية تجاه يهود أوربا التي انتجتها ألمانيا مستعيدة سمات "القبائل الجرمانية" القديمة، والتي ظلت كامنة في النموذج الأوربي وتحت طبقات من التبرير الفلسفي المختلف الذي تم الترويج له عالميا.
نجح الغرب في إزالة الفاصل بين "معاداة السامية" بسياقها الأوربي وبين رفض الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين بسياقه العربي، وتم عمل إزاحة للحمولات الثقافية التاريخية في موقف أوربا من اليهود، ونقلها إلى سياق الصراع العربي الصهيوني في أكبر فشل للثقافة العربية الناعمة في مواجهة خطاب الاحتلال الصهيوني الناعم، ودون أن يلتفت العرب إلى أهمية تفكيك الخطاب الصهيوني في عقر داره بأوربا حيث نشأ، رغم وجود بعض المحاولات الفردية والمؤسسية التي لم تستمر، لعدم الوعي بأهمية وجود مدرسة عربية تعي بمتلازمات "المسألة الأوربية" وتقاليدها، وتنتج خطابا علميا مضادا له تقاليده المضاده القادرة على النفاذ للغرب، أو على الأقل تقديم وجهة نظر أخرى يمكن الاستماع لها.

أزمة المحلية في الخطاب العربي
سواء الرسمي أو غير الرسمي
وفي الواقع استمر الخطاب العربي محليا غير معني بمراجعة موقفه أوزمة حضوره دوليا، وذلك يسري على الخطاب الثقافي العربي الرسمي والخطاب الثقافي العربي غير الرسمي أيضا.
الخطاب الثقافي العربي غير الرسمي وقع فريسة للتناقضات لأقصى درجة سياسيا وأكاديميا و شعبيا على السواء (وشعبيا المقصود بها هنا مستوى ثقافة النخب غير الرسمية كنوادي الأدب والمتحلقين حول المؤسسات الثقافية الرسمية من خارجها).

خطاب اليسار العربي والليبرالية
على المستوى السياسي خطاب اليسار العربي نال حظه من التناقضات لأسباب أبرزها تعاميه عن الموقف السوفيتي من نشأة الصهيونية، وتعامل لينين معها بوصفها طليعة لـ"الاحتلال التقدمي" في فلسطين والشرق العربي، ثم تعامي اليسار العربي عن موقف الوجودية وسارتر من الصهيونية باعتبارها أعلى درجات الوعي الوجودي العام عند يهود أوربا والعالم.
وكذلك الانتقائية الشديد في تعامل اليسار العربي مع الكتابات الغربية حيث سيطرت الانتقائية الأيديولوجية على اختياراته، من ثم انفصل شيئا فشيئا عن تطور الخطاب الفكري والسياسي الأوربي/ الغربي ذاته، وقدم خطابا للاستهلاك المحلي محوره الشعارات التعميمية المعادية للصهيونية، دون الوقوف على الجذور الحقيقية لموقف اليسار الأوربي والوجودية الأوربية لدعم الصهيونية.
والكلام ذاته ينطبق لحد بعيد على الكثير من الليبراليين العرب المعاصربن لأن معظهم اتجه لليبرالية بعد فشل المشروع السوفيتي الشيوعي وقبله المشروع العربي الناصري، لذا فمعظم منطلقاتهم الفكرية تقترب من موقف اليسار ومنطلقاته الفكرية ومصادره المعرفية المبتسرة، فوقع في فخ المحلية أيضا ومخاطبة الذات وفق أفقها الأديديولوجي الخاص.

النخب الثقافة المتحلقة حول
مؤسسات الثقافة الرسمية
والحديث يسري هنا أيضا على ما يعرف بالقطاع الثقافي ونخبه غير الرسمية التي تحضر على ضفاف المؤسسات الثقافية الرسمية، سواء في نوادي الأدب والملتقيات الثقافية أو فنون الآداء المختلفة، نظرا لتأثر هذا القطاع الثقافي بخطاب اليسار والليبرالية لحد بعيد.
حيث اتسم خطاب القطاع الثقافي ونخبه بسمة "المحلية" نفسها والتحلق حول مجموعة من الشعارات الحماسية، دون أن يكون هناك اهتمام بفهم الآخر وتفكيك خطابه التاريخي، والوقوف على محدداته.

خطاب اليمين العربي
أما خطاب اليمين العربي ونعني به فرق الدين السياسي وفي قلبها "الإخوان" فاتسم خطابهم بمحلية تاريخية شديدة الانفصال عن الواقع، مركزها يقوم على تأويل وقائع وآيات قرآنية وإسقاطها على الصراع العربي الصهيوني تعميما، ودون اجتهاد وإعمال للعقل والأخذ بالأسباب التي تنظر في واقع الصراع الحالي، مستندين إلى روايات "نهاية الزمان" وأحاديث الصراع بين اليهود والمسلمين، في إسقاط وسقطة تفسيرية خطيرة للزمن بين الاجتهاد والتدافع البشري في العموم، وحتميات وفرضيات أحداث "نهاية الزمان" التي لا يعلم أحد موعدها.
وخطورة أثر اليمين العربي ومحلية خطابه تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ تكمن في انتشاره الواسع في دلتا مصر وصعيدها وفي المناطق الشعبية من القاهرة، مما جعله يشكل جزءا واسعا من "الذهنية العربية" الشعبية التي تردد أفقكاره وتصوراته الذاتية عن الصراع.
من ثم على المستوى السياسي غير الرسمي وقع خطاب خطاب اليمين العربي في أزمة الاستهلاك المحلي، مثله مثل جناح اليسار والليبرالية العربي ولكن على طريقته المعرفية والفكرية الخاصة.

خطاب الأكاديمية العربية
أما أزمة الخطاب الأكاديمي العربي في موضوع الصهيونية ومحلية الخطاب، فتتمثل في الاكتفاء بالأشكال التقليدية للعرض دون "دراسة حالة" الصراع نفسه والوقوف على محددات الخطاب العربي والخطاب الغربي، وما هي مشاكل الخطاب العربي التي تحول دون وصوله لمستويات التلقي الغربي النخبوي أو الشعبي.
فالمشكلة هنا هي اكتفاء الأكاديمية العربية عند الكثيرين بالأطر النظرية التاريخية، وغياب الدراسات التطبيقية التي تحتاج لاتخاذ قرارات وبناء نماذج معرفية، وطرح سيناريوهات استشرافية للمستقبل.
لذا في الغالب يقبع الخطاب الأكاديمي العربي عند منطقة الاستهلاك المحلي أيضا، وفق تقاليد الأكاديمية العربية الجامدة في الدرسات الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وتستمر الهوة في الاتساع بين "المحلية" والقدرة على التأثير الدولي.

الخطاب الرسمي العربي والاستهلاك المحلي
بالمثل أيضا يأتي الخطاب الرسمي العربي في موضوع الصراع العربي الصهيوني ووقوعه في فخ المحلية، فهو نتاج لتناقضات تاريخية عدة أفقدته البوصلة للمستقبل وأوقعته دائما في منطق رد الفعل للآخر الصهيوني والغربي.
فنجد أن الخطاب الرسمي العربي في المناسبات الشعبية يرفع شعارات عامة تنتصر للحق الفلسطيني، لكنه في الوقت نفسه غير معني بكيفية انتقال هذه الشعارات إلى خطاب مؤسس وحاضر في السياسات الخارجية للدول العربية، بحيث يصبح من الممكن الاستماع لتلك الشعارات في الغرب، والبحث عن الخطاب الناجع في ذلك.
وكذلك يفتقد الخطاب العربي لصورة كلية عامة تحدد مساراته في علاقته بالمشروع الصهيوني، فهو في تيه بين مبادرة السلام العربية التي أقرت في السعودية عام 2002م، ثم مشروع صفقة القرن و"الاتفاقيات الإبراهيمية" التي لا تزال بعض آثارها حاضرة رغم فشل ترامب في الحصول على فترة رئاسية ثانية، وما بين خطاب المقاومة والصمود الذي يتبناه البعض.
يفتقد الخطاب الرسمي العربي لفكرة "المصداقية النفسية" أمام الغرب، لأنه لا يقدم حجة منطقية مركزية معاصرة تضبط كافة تمثلاته، ومن ثم تسعى هذه الحجة المركزية لفهم سياق الغرب وتسعى لإيصال وجهة نظرها لها، وتستمر الفجوة في الاتساع.

الذات العربية
والحاجة لخطاب يتجاوز الاستهلاك المحلي
علينا أن نهتم بإعداد البيت من الداخل قبل أن نعمل للتحرك خارجه، تبقى الذات العربية أسيرة للتناقضات في القرن الحادي والعشرين، المشكلة المركزية في خطابها ومحليته تكمن في شقين، الشق الأول عدم سعيها لفهم جذور الموقف الغربي من الصهيونية المضفرة والمدمجة داخل مشروع الحداثة الأوربية نفسه وما بعدها أيضا، والشق الثاني هو غياب فكرة مركزية ضابطة لعموم الخطابات العربية التي تتباين وتتناقض.
وإذا لم يتم ضبط الشقين والوعي بمحددات التلقي عند الآخر الغربي للموقف من الصهيونية، والسعي لفكرة مركزية تضبط مختلف الخطابات العربية ومساراتها فإن الطريق إلى "ديربان" أو غيره سيكون طويلا وشاقا.
ستظل قضية العرب خاسرة لا تجد من ينصت لها؛ إذا لم نعمل بأفق علمي مدروس ونتجاوز "الاستهلاك المحلي" ونسعى لفهم "محددات التلقي" عند الآخر الغربي، من ثم نقدم خطابا يمكن له على الأقل عرض وجهة نظرنا، والوصول إلى منطقة يمكن المراكمة والبناء عليها عالميا.

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية